Main Menu Top Menu

“مفهوم كلمة “بنغال او بنغلة

محمد صفي الله

الباحث في قسم اللغة العربية وآدابها

جامعة علي كره الإسلامية، علي كره

ملخص البحث

تتناول هذه الدراسة البحث في الأصول اللغوية لمصطلح «بنغال» ومساره التاريخي عبر الحقب المتعاقبة، انطلاقاً من منابعه الفارسية، ومروراً بتحولاته حين اكتسبته اللغات الأوروبية، وصولاً إلى رسوخه بوصفه مصطلحاً جغرافياً وحضارياً جامعاً. وتتوقف الدراسة كذلك عند اللغة البنغالية بوصفها لغة عالمية ذات ثقل بارز، يربو عدد المتحدثين بها على مئتي مليون نسمة، مما يُكسبها مكانة رفيعة في سلّم اللغات الإنسانية الكبرى. وتستند الدراسة في منهجها إلى مصادر تاريخية وموسوعية متنوعة، وتعالج المسألة من زوايا لغوية وجغرافية وحضارية متكاملة.

الكلمات المفتاحية: بنغال- بنغلاديش- اللغة البنغالية- التاريخ الإسلامي- أصل التسمية- حضارة جنوب آسيا.

مقدمة

ظلّ إقليم البنغال عبر مسيرته التاريخية الممتدة مسرحاً لتنوع جغرافي وثقافي ثري، انعكس بجلاء في تعدد التسميات التي أُطلقت على أرجائه المختلفة؛ إذ كانت مناطقه تُعرف بأسماء محلية متباينة تجلّت فيها خصائص كل منطقة من الناحيتين الجغرافية والسياسية، من بينها: “غاودا” و”فانغا” و”ساماطاتا”. ولم يُفضِ ظهور مصطلح “بنغلا” أو “بنغالا” بوصفه اسماً موحِّداً لهذه الأقاليم إلى الوجود إلا في مرحلة تاريخية لاحقة، حين أخذ يشيع استخدامه في الحقبة الإسلامية من تاريخ شبه القارة الهندية، إبّان سعي الإدارة الإسلامية إلى لمّ شتات هذه الأقاليم المتفرقة وجمعها في إطار إداري وسياسي واحد.

مفهوم كلمة “بنغال” أو “بنغلة”

كانت البنغال موزعة بمناطق عديدة ومعروفة بأسماء متنوعة، وسُمِّيت مجتمعةً باسم “بنغلا” قبل عدة قرون فقط؛ إذ سُمِّيت تلك المناطق كلها لأول مرة “بنغلا” أو “بنغالا” في عهد حكومة المسلمين. وفي عهد الإمبراطور المغولي أكبر كانت بنغلاديش معروفة باسم “صُوبَة بنغاله”.

ومع تطور الحكم الإسلامي، خاصة في ظل السلاطين المستقلين في البنغال، أصبح اسم “بنغلا” يُستخدم بشكل أكثر شمولاً للدلالة على كامل الإقليم. ثم ترسَّخ هذا المصطلح بصورة رسمية في عهد الإمبراطور المغولي جلال الدين أكبر (1556-1605م)، حيث أُدرجت البنغال كإقليم إداري مهم ضمن الدولة المغولية تحت اسم “صُوبَة بنغاله” (Subah Bangalah)، وهو ما يعكس مكانتها الاقتصادية والاستراتيجية في الإمبراطورية.

أما من الناحية اللغوية، فإن مصطلح “بنغال” يُرجَّح أنه مشتق من الكلمة الفارسية “بنغاله” (Bangālah)، وهو ما يدل على التأثير الفارسي في المصطلحات الإدارية والثقافية خلال العصور الإسلامية، نظراً لاعتماد الفارسية لغةً رسمية في الدواوين المغولية. وقد جاء في الموسوعة الإسلامية أن كلمة “بنغال” فارسية الأصل، ثم انتقلت إلى لغة البرتغال بتغيير فصارت «بنغالية» أو «بنغالا»، ثم انتقلت إلى اللغة الإنجليزية بحذف الحرف الأخير فصارت “Bengal “.

تباين آراء المؤرخين في أصل التسمية

لم يتوحد الرأي في الوسط الأكاديمي حول تحديد المنشأ الدقيق لتسمية “بنغلاديش” والمسار الدلالي الذي قطعته عبر التاريخ، بل تعددت الرؤى وتشعّبت المذاهب.

النظرية الجغرافية الزراعية: أورد عبد المنان طالب في مؤلَّفه) الإسلام في بنغلاديش)، نقلاً عن أين أكبري، أن المسمى القديم للمنطقة كان بنغ وكان السكان، في مواجهة الطبيعة الفيّاضة بفيضاناتها، يُشيّدون حواجز وسواتر ترابية مرتفعة لصون أراضيهم الزراعية من الغرق، وكانت تلك الحواجز تُعرف في اللهجة المحلية بلفظ “آل” (āl) الذي يُفيد معنى الساتر والمصدّ. ومع توالي الزمن تآلف اللفظان “بنغ” و”آل”في بنية تركيبية واحدة فوُلد مصطلح “بنغال”.

النظرية النسبية السامية: سلك المؤرخ غلام حسين سليم، صاحب رياض السلاطين، مسلكاً تأويلياً مغايراً، إذ يرى أن “بنغ” كان اسم أحد أحفاد نبي الله نوح عليه السلام، وأن ذريته هي التي فتحت البنغال وأعمرتها. ثم أُلحقت بالاسم لاحقة “ال” فتشكّل المركَّب “بنغال”. ويُضيف فريق من الباحثين أن “ال” في اللغات السامية تحمل دلالة البنين والنسل، فيصير معنى “بنغال” عندئذٍ: “أبناء بنغ وسلالته”.

يقوم مصطلح “بنغلاديش”على وحدتين صرفيتين هما: “بنغلا” و”ديش”. وتتردد كلمة “ديش” بين معنيين: الأول عام ويُراد به الأرض الفسيحة والوطن الكبير، والثاني اصطلاحي جغرافي ويُشير إلى وحدة إدارية تتألف من عدة مقاطعات أو أقاليم فرعية. وقد نوّه قاموس الموسوعة الإسلامية إلى أن مصطلح “بنغلاديش” حديث الميلاد في خريطة العالم الإسلامي، إذ لم يتخذ له موضعاً رسمياً على خارطة الأمم إلا في عام 1971م.

وتتربّع البنغال جغرافياً في الجانب الجنوبي الشرقي من شبه القارة الهندية، وتحتضن المجاري السفلى لجملة من أكبر أنهار شرقي الهند، في مقدمتها الغانج والبراهمابوترا وما ينضم إليهما من روافد، فغدت بحق تُعرف بـ”أرض الأنهار”.

تصنيفها اللغوي ومنزلتها العالمية

تنتسب اللغة البنغالية إلى الفصيلة الهندية الآرية الفرع الهندي الإيراني من الأسرة اللغوية الهندية الأوروبية الكبرى، وتتصدر مصافّ اللغات الهندية قاطبةً من حيث الانتشار الواسع والغزارة الإنتاجية في شتى ميادين البيان، من الدرس الديني والإبداع الأدبي إلى التدوين التاريخي والبحث العلمي. وقد أنزلها شيري موراري موهان في مؤلَّفه تاريخ اللغة المنزلةَ الثانية بين لغات الثقافة في الهند بعد الإنجليزية، فيما تحتلّ الصدارة دون منازع في بنغلاديش بوصفها اللغة الرسمية الوحيدة لهذه الدولة.

وتُمثّل اللغة البنغالية الأداةَ الأولى للتواصل اليومي بين مواطني بنغلاديش، ويمتد إشعاعها إلى الأجزاء الشرقية من الهند، وفي طليعتها إقليم البنغال الغربية. ويتخطى عدد الناطقين بها في الوقت الراهن حاجز المئتي مليون متحدث، وقد كانت الإحصاءات الصادرة عام 1994م تُنزلها المرتبة السابعة عالمياً في سلّم اللغات الأكثر تحدثاً.

الحضور الإعلامي الدولي للبنغالية

نظراً لهذه القاعدة العريضة من المتحدثين بها، حظيت اللغة البنغالية باهتمام لافت من كبرى المؤسسات الإعلامية الدولية. ومن أبرز الجهات التي تُبث برامجها بهذه اللغة: هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، وإذاعة دويتشه فيله الألمانية (DW)، وصوت أمريكا (VOA)، وإذاعة باكستان، وهيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية. يُضاف إلى ذلك: الإذاعة السعودية، وإذاعة الصين الدولية، وإذاعة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، واتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري، وإذاعة فرنسا الدولية.

ولعل هذا الحضور الإذاعي الواسع الممتد من قلب آسيا إلى رحاب أوروبا وسواها خير شاهد على الانتشار العالمي للبنغالية، وعلى ما تمثله من أهمية استراتيجية في فضاءات الإعلام الدولي والتبادل الثقافي بين الشعوب.

الخاتمة

خلص هذا البحث إلى جملة من النتائج الجوهرية: فمصطلح “بنغال” تضرب جذوره في التربة الفارسية ضرباً عميقاً، وقد شقّ طريقه عبر اللغات الأوروبية حتى استوى على صورته المتداولة اليوم، متحولاً في الآن ذاته من دلالة إثنية ضيّقة إلى مفهوم جغرافي شامل يستوعب الإقليم بكل أبعاده. وإن المركَّب “بنغلاديش” بعنصريه “بنغلا” و”ديش” ينطوي على علاقة جدلية عميقة تربط الوطن بالهوية وتُعبّر عنها. أما اللغة البنغالية فقد كرّست حضورها في المشهد الحضاري العالمي بقاعدة بشرية ناطقة تُعدّ بالمئات الملايين، وبتغطية إعلامية دولية نادرة التنوع والاتساع، مما يُرسّخ مكانتها ركيزةً حضارية لا يُستغنى عنها في شبه القارة الهندية والعالم أجمع.

الهوامش

1-الإسلام في بنغلاديش / عبد المنان طالب ص  ۱۳ ط مارس ۱۹۸۰م ، أدونيون ، داكا.

2-الموسوعة الإسلامية ، ط ١٩٦٠م لندن الطبع الجديد ج- ١ ، ص ١٠-١٥ .

3-الإسلام في بنغلاديش / عبد المنان طالب ص ١٣-١٤.

4-الإسلام في بنغلاديش / عبد المنان طالب ، ص ١٤-١٥.

5-دائرة المعارف الإسلامية الطبعة الثانية دار الشعب القاهرة ١٩٦٩ ، ص: ١٨٥ ، ج ٨.

6-منها: السنسكرتية ، البراكريتية ، الهندية ، الفارسية ، الأردية ، الكردية ، البنجابية وغيرها.

7-علم المفردات البنغالية (باللغة البنغالية) (ربيندرونات تهاکور ، ط ۳ ، كلكته ، عالم الكتب الهندية ۱۳۹۱ ب ) ص ٥٦ .

8-تاريخ اللغة ، (باللغة البنغالية) (الأستاذ شيرى موراري موهان ، ط 1 ، كلكته ، شركة أس بنرجي) ص ٤٤.

9-مكانة اللغة البنغالية ، محمد عزيز الحق ، داكا ، مجلة شهرية باللغة البنغالية (العدد العاشر) ، ١٩٩٣م، ص ٣٦.

10-الألفاظ العربية في اللغة البنغالية محمد إحسان الله ، البيان مجلة سنوية باللغة البنغالية (العدد الثاني) ، ١٩٩٥م ، ص ٣٤.

11-مذكرة بنغلاديش والعالم ، الأستاذ عبد الرحمن ، داكا ، مطبعة الكتاب ، ١٩٩٤م  ص ١١٤ .

المصادر والمراجع

أبو الفضل العلّامي، أين أكبري، تحقيق هـ. بلوكمان (كلكتا: الجمعية الآسيوية ببنغال، 1873م)، المجلد الثاني.

عرفان حبيب، النظام الزراعي في الهند المغولية (بومباي: دار آسيا للنشر، 1963م)

عبد المنان طالب، الإسلام في بنغلاديش (دكا: مؤسسة بنغلاديش الإسلامية، 1980م)

 غلام حسين سليم، رياض السلاطين، ترجمة المولوي عبد السلام (كلكتا: الجمعية الآسيوية، 1902م).

ريتشارد إيتون، صعود الإسلام على حدود البنغال 1204-1760م (بيركلي: مطبعة جامعة كاليفورنيا، 1993م)، ص 1-10.

موراري موهان، تاريخ اللغة (كلكتا، 1965م)

List of Sources and References:

  1. A History of Bangladesh, Willem van Schendel ,Cambridge University Press, Cambridge, UK 1st Edition: 2009, 2nd Edition (revised & updated): 2020.
  2. Hussain Shahi Bengal, Momtazur Rahman Tarafdar, Asiatic Society of Pakistan, Dhaka 1st Edition: 1965
  3. The Origin and Development of the Bengali Language, Suniti Kumar Chatterji Calcutta University Press, 1926.
  4. A Grammar of the Bengal Language, Nathaniel Brassy Haled (Hooghly Press), Bengal Presidency Publication Year: 1778 (first edition).
  5. History of Bengali Literature,Sukumar Sen , Sahitya Academy, New Delhi, India 1st Edition: 1960 Reprint: 1992.
  6. The History of Bengal, Muslim Period 1200–1757, Vol. II, ed. Sarkar, Jadunath, The University of Dhaka, 1948.

 

13