سميرة أجمل
جامعة عليجره الإسلامية
لم تكن الفتاة من أولئك الذين يملؤون الدنيا ضجيجًا، كانت تسير في الحياة بخطواتٍ محسوبة، كما لو أنها تتحرك فوق أرضٍ يمكن أن تنزلق بها في أي لحظة.
وجهٌ ساكن، وعينان تحملان ظلالًا أكثر مما تحملان نورًا، لكنّ داخلهما وميضًا يعرفه من يجوّد النظر…
وميضُ فتاة اعتادت أن تختبئ وراء الكتب. كانت شغوفة بآداب اللغة العربية حدّ التبتّل، تقرأ النصوص القديمة كما يقرأ المؤمن كتابه المقدس، وتستخرج المعاني بنفس الصبر الذي يستخرج به العطار رائحة العود من قطعة خشبٍ يابسة.
ومع مرور الوقت، صارت اللغة بيتها الوحيد، والحرفُ صديقها الوحيد الذي لا يخذل.
لكنَّ المجتمع حولها كان يسير في شارعٍ آخر، شارعٍ يزدحم بالهموم العملية، وينظر إلى الأدب نظرة العابر الذي يتفحص واجهة متجر لا ينوي دخوله.
وعندما تخرجت، تلاشت أحلامها كما يتلاشى بخار القهوة في هواء المقاهي الشعبية.
طرقت أبوابًا كثيرة، لكن الأبواب كانت مثل القلوب المتعبة… مغلقة إلا على أصحاب الحظ.
كانت الفتاة تجلس كل مساء في شرفة بيتها، تراقب البيوت المتلاصقة كما لو أنها قصائد غير مفهومة،
ويأكلها إحساسٌ بأن الحياة أكبر من قدرتها على اللحاق بها.
لم تكن تبكي، لكن كان في وجهها شيءٌ يشبه بكاءً صامتًا، لا يراه إلا من يعرف الحزن الطويل.
حتى جاء ذلك اليوم.
كان الأستاذ واقفًا أمامها، كأنما يحمل قرارًا أثقل مما يُحتمل، قرارًا يتردّد صداه في أروقة القِدم والهيبة. نظر إليها نظرة غريبة… ليست نظرة امتحان ولا نظرة شفقة، بل نظرة رجلٍ يعرف أنّ الكلمة التي سيقولها ستغيّر شكل الطريق أمام من يستحق ولا يجد الباب.
ثم قال، بعد صمتٍ بدا كأن الزمن يهيّئ له الطريق:
“يا فتاة… كان الاختيار صعبًا. هنا في هذا المكان، أسماءٌ لها ظلٌّ طويل، وأسماءٌ ترضي الإدارة… وأسماءٌ ترضي المجتمع… أما أنتِ. ثم توقّف لحظة، كأنه يلتمس لفظًا يليق بها، فأنتِ كنتِ الاسم الذي لا يرضي إلا الحقيقة نفسها.
ثم قال بصوتٍ خافت لكنه قاطع:
وأنا… لم أستطع أن أرضى إلا بما يُرضي العلم.
رفعت رأسها، ومرّت في قلبها آلاف المشاعر التي لم تجد لها كلمات.
قال: أريدكِ مُدرّسة في القسم.
لن يكون الطريق سهلاً، لكن الطريق الذي يستحق لا يكون سهلاً أبدًا.
وفي الصباح التالي، وصلها القرار مكتوبًا على ورقةٍ رسمية، لكنها شعرت به في قلبها قبل أن تقرأه.
لم تنم الفتاة تلك الليلة.
كانت الساعات تمشي ببطءٍ مثقل، كأن الليل خائفٌ من أن يسلمها للفجر. كلما أغمضت عينيها، رأت مكتب الأستاذ، ورأت وجهه الصارم الذي لا يلين، والعبارة التي رنّت في أذنها وما زالت: “لم أستطع أن أرضى إلا بما يُرضي العلم”.
خرجت إلى الشرفة قُبيل الفجر.
كان الحي ساكنًا، والمآذن تتهيأ لرفع الأذان.
نظرت إلى الشارع الذي حفظت تفاصيله، لكنها رأته اليوم مختلفًا،
كأن المدينة كلها تعيد ترتيب صورتها على ضوء قدرٍ جديد.
كانت تشعر أن العالم ينساب تحت قدميها بهدوءٍ غريب، لا يشبه الفرح الصاخب، ولا يشبه النصر الذي يلوّح بالأيدي، بل يشبه تلك اللحظات التي يواجه فيها الإنسان نفسه، ويرى انعكاسه الحقيقي لأول مرة.
في اليوم التالي ذهبت إلى الجامعة قبل الموعد بساعتين. دخلت الممر الطويل،
الممر الذي شاهدت فيه أساتذة وطلابًا لسنوات، لكنها اليوم تمر به بصفتها الجديدة: أستاذة. شعرت بأن العالم يراقبها، ليس بنظرة حسد أو ترحيب، بل بنظرة امتحان. وكأن كل بابٍ تمر به يسألها:
هل تستحقين هذا؟
هل تستطيعين حمل ما اخترته بيدك؟
أم ستسقطين في أول منعطف؟”
لم تُجب.
الأسئلة الكبرى تُجاب بالفعل، لا بالكلام.
وقفت أمام باب مكتبها الجديد، تلمسه كما يلمس الإنسان بابًا كان يحلم بفتحه منذ زمنٍ بعيد.
دخلت. أغلقت الباب خلفها. جلست على الكرسي، ونظرت إلى السبورة البيضاء، فبدا لها كصفحةٍ جديدة من حياتها تنتظر أن تُكتب، لا بالحظ، ولا بالشفقة، بل باستحقاق.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، ابتسامة تُشبه تلك التي يبتسمها أبطال الروايات حين يدركون فجأة
أن الحياة، رغم قسوتها، تتسع لمن يؤمن بها.
فتحت النافذة، ودخل الهواء البارد ممزوجًا بضجيج الجامعة. وقفت هناك طويلًا، تنظر إلى الطلاب الذين يتحركون بسرعة الشباب، وإلى الأساتذة الذين يسيرون بتؤدة الخبرة. وأحست فجأة أن الحياة، هذه الحياة التي ظنتها ضيقة، ليست ضيقة على الإطلاق.
بل كانت تنتظرها منذ زمن، تنتظر اللحظة التي تملك فيها الشجاعة لتفتح بابها بنفسها.
في ذلك اليوم، كتبت على ورقةٍ وعلّقتها أمام مكتبها:
القلم لا يعرف صاحبه… يعرف فقط من يستحق أن يمسكه.
ثم جلست، فتحت أول ملفٍ ستدرّسه، وبدأت رحلتها الجديدة كما تبدأ كل الروايات العظيمة: بصفحة واحدة تُكتب على مهل… لكنها تحمل في داخلها وعدًا بفصولٍ لا تنتهي.
11
