Main Menu Top Menu

البحث عن الفردوس المفقود (قصة مترجمة  من الأردية باسم ” بهشت گمشده كى تلاش”)

الدكتورة سميه رياض الفلاحى

آراضى باغ ، اعظم كره

كان المساء غائمًا و الجو باردا. كادت السماء أن تتحول إلى اللون الأحمر عند الغسق. كانت تجلس على السقف، تستمتع بمناظر الكون الخلابة. كان شاطئ غزة يتلألأ بكل بهائه. وفي تلك اللحظة، كانت منارة القدس تنشر نورها. كان المعبد السليماني يتوق لسرد قصص عظمته. كانت أشجار الزيتون والفستق ترحب بالناس بثمارها. كانت الطيور تعود إلى أوطانها. في اللحظة التالية، بدأ القمر ينشر نوره.

هد….هد….د..د…..د….

بدأت إيمان تفحص حولها خوفا و ذعرا….

نظرت حولها لكنها لم تستطع تحديد مصدر الصوت المتفجر. فجأة، انتشر الذعر في كل مكان. ملأ الخوف والرعب فى قلبها المتوتر.

ماذا حدث؟ يا صديقتي العزيزة!

رأت صديقتها الجامعية لارا تقترب منها وهي في حالة من الدهشة.

دخلت منزلها مذعورة، فشجعتها إيمان وحاولت أن تعرف على حالتها المضطربة.

أجابت لارا باكية: كنت عائدة إلى منزلى بعد الفراغ من المكتب، وفجأة دوى انفجار. كان الانفجار شديدًا لدرجة أن الحطام البشري والمادي تطاير في كل مكان. ثم توجهت إلى منزلى إلى أن هجم المجاهدون وبدأت القوات الصهيونية تمطر السماء بالنار. سادت الدهشة في كل مكان، وكان كل فريق ينظر إلى الآخر بنظرة وحشية ، وفجأة نظر إليّ شاب ملتحٍ، وأخفض عينيه، وأشار لي بالذهاب إلى هذا البيت. رأيتُ الحياء في طبعه. طمأنني بأنني وصلتُ إلى مكان محفوظ ، حين عرفني من ملابسي أنني يهودية إسرائيلية.

نعم! لارا، حسبنا الله. وإن شاء الله، لا أحد يستطيع أن يضرنا. اقنعتها إيمان.

كيف تقولين هذا بكل هذه الثقة، ونار الحرب تنتشر بسرعة في كل مكان؟ سألت لارا بحيرة، وهي ترى الهدوء على وجه إيمان. هذا هو حسن إيماننا… حاولت إيمان أن تشرح لها…

كانت الصديقتان تتحدثان، منشغلتى بمراجعة الوضع الراهن، استندتا إلى جوالهما ، وانشغلتا بمتابعة الأخبار، وفجأة اشتد دوي الهجوم، وبدأت الجثث تتطاير في كل مكان.

يا رب، ارحمنا… رفعت إيمان يديها بالدعاء…

ليس لدينا ما ندافع به عن أنفسنا، فما فائدة هذه الأيدي المرفوعة؟ سألت لارا في دهشة وذهول.

هذا هو جوهر إيماننا. وهذا سلاحنا الذي يقوينا. كانت لارا تراقب كل شيء في صمت.

هد….. ه…ه…..هد…..

كادت شدة الهجمات تمزّق طبول الآذان .كانت أصوات الصراخ والعويل ترتفع في كل مكان. كان صوت الله أكبر يدوّى في أذني لارا…

يا إلهي! أي أمة هذه التي على شفا الموت، لا ترفع إلا يديها وتدعو الله؟

فجأة، يدخل ذلك الشاب  البيت برفقة عشر أو خمس عشرة فتاة يرتدين ملابس غربية، وأخبر أختها ايمان أنهن احطن فى منطقتنا، ولا سبيل لهن للخروج الآن. لذا، مسؤولية حمايتهن تقع على عاتقكِ. ثم غادر منزله بعد أن قال: “بسم الله توكلت على الله”.

لارا، جالسة في قاعة الاستقبال ، تحير من كل هذه المشاهد بأن تلك الأمة التى تتوق لقتل هؤلاء الشعب الفلسطينى، عندما تقع نساؤهم في أيديهم، ، يقومون بواجبهم في حمايتهن  بدلاً من التعامل معهن بوحشية ؟ ما الحكمة من وراء ذلك؟

تحاول لارا إلى نسيج من هذه الأفكار، وفجأة يكسر صوت إيمان هذا الصمت : ” تعالين يا صديقات! تناولن العشاء…”

جميع الفتيات الإسرائيليات الجائعات تهافتن على الطعام، لكن لارا، جالسة على الأريكة، تبقى صامتة مذهولة في مكانها، وتنظر إلى اخلاص إيمان هذا بشيئ من الريبة. وتفكر أن لا يكون هذا اللطف و الرحمة الظاهرة سمَّا مسوسَا فى الطعام.

لارا. يا صديقتي! أنتِ آكلى… أجابت لارا بالنفي…

عندما سألت إيمان عن السبب، طلبت لارا منها أولاً أن تأكله بنفسها. أكلت إيمان أمامها حتى شبعت وحمدت الله…

كانت لارا تحدق بها بدهشة… وتتساءل نفسها كيف يجد رجال و نساء من هذا الشعب قوة الشكر و الشجاعة إلى حد ما وهم يُسحقون في طاحونة الظلم باستمرار .لقد حرمهم الطغاة الصهاينة من الحياة…

كانت لا تزال غارقة في أفكارها، تنظر من النوافذ عندما رأت فجأة جثث خمسة عشر شاباً مكففين، تحملهم جماعة على أكتافهم  تروي وجوههم قصص السلام والفرح. في هذه الأثناء، استشهد شقيقا إيمان الصغيران أيضاً، لكن إيمان ووالدتها وأخواتها الثلاث سجدن شاكرات لله.

تدمع أعين جميع الفتيات الإسرائيليات عند رؤية هذا المشهد، لكنهن يتهامسن في الوقت نفسه…

يتساءلن فيما بينهن عن ذلك الشيء الذى يجعلهن فى سكينة تامة ، ولكن ليس منهن أحد عليم بحكمته “.

 أعتقد أنهم لا يملكون مالًا، لذا يفكرون في التضحية بحياتهم الآن. من بينهم، أجاب ميشال:

فقاطعتها ميكل قائلة:كلا، هؤلاء ذهاب جائعة ، لو تمكنوا من أحد لما تركوه… ولكن لم يوافقها أحد على رأيها.

كانت الهمسات لا تزال تتردد حين دخل شقيق إيمان المنزل حاملاً والده الشهيد على رأسه، وهو يتلو “حسبنا الله ونعم الوكيل” ويشكر الله في الوقت نفسه. ولما رأت إيمان وأمها وأخواتها هذا المشهد الحزين، سجدن لله مرة أخرى قائلات: إن الله قد أنعم عليهن بشرف كونهن أمهات وزوجات وأخوات وبنات للشهداء . وجرى هذه الكلمات على ألسنتهن بلاتكلف: يا ربنا الكريم، كيف نشكرك على نعمك؟ يا رب! كيف نرد لك فضلك الذي أنعمت به علينا؟ يا مولاي! تقبلنا منك أيضًا… آمين.

تدهش لارا حالة السكينة و الطمانينة هذه ، وتصاب لارا و الفتيات الأخريات بالذهول والدهشة عند رؤية الشهداء المكفنين أمامهم. وفى حالة من الحيرة ، تارة تتصور الشعب الفلسطينى ملائكة ، وتارة أخرى تجعلها تفكيرها الماكر يشك فى إخلاص الفلسطينيين.

أ هؤلاء حقَا أشخاص طيبو النوايا أم أن هناك وجهًا بشعًا يختبئ وراء شخصياتهم؟ هكذا تساءلن فيما بينهن… بينماكانت الفتيات الإسرائيليات لا يزلن في حيرة من أمرهن عندما ظهرت فجأة مجموعة من الشابات الإسرائيليات الجميلات قادمات من الأمام…

تظهر شابات حسناوات يرتدين ملابس فاضحة، يتمايلن فى مشيتهن وينادين الفلسطينيين قائلات: “إذا استسلمتم، فنحن على استعداد لتلبية رغباتكم. سلّمونا أرض القدس، وسنكافئكم بقصور فخمة وعظيمة. ليس هذا فحسب، بل إنّ أثمن ممتلكات إسرائيل مستعدة لتقبيل أقدامكم”.

” هل تقبلون عرضنا هذا؟

كلا وألف كلا….!.

صفقة رخيصة كهذه …. مقابل الجنة؟”

قصوركم هذه مباركة لكم …. فحسبنا ربنا…..”

جاء الصوت من زوايا بعيدة…

طاخ …. طاخ….طاخ … صوت إطلاق نار

تحاول فتيات إسرائيليات إغراء الشباب الفلسطيني بدعوتهم إلى التعري والنظر في أعينهم.

لكن ماذا حدث؟

 مئات الفلسطينيين، ملتحفين أكفانهم، رحلوا بحثًا عن الجنة.

إلى متى ستظلون تحملون هذا الحزن أحبائكم على أكتافكم الواهية؟ العالم جميل جدًا.

ألقوا نظرة على جماله وتأملوه.

كانت الفتيات الإسرائيليات منشغلات بإغراء الشباب الفلسطيني، لكنهن لم يستطعن ​​تحريك هؤلاء الغزاة ( المجاهدين) الذين يشبهون صقور شاهين.

لم تتوقف ألسنتهم من ترديد: “قل  متاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا” و ” و ما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور”.

كانت لارا تراقب المشهد باهتمام، متلهفة لمعرفة سرّ ثبات هؤلاء الأبطال.

مرّ الوقت.

كانت لارا والفتيات اليهوديات الأخريات يعشن في بيت الإيمان منذ خمسة عشر يومًا، ولم يُصبن بأذى، ولم يمسّهن سوء.

ما سرّ كل هذا؟

كانت تسأل نفسها في وقت متأخر من الليل عن هذا العزم الذي يتمتع به المسلمون الفلسطينيون.

ما الذي يمنعهم من الانحراف عن الطريق؟

كانت تغفو وهي تطرح كل هذه الأسئلة…

توشك دوى الانفجارات و القذائف أن تمزق طبلة الأذن، لكن كل صباح تصدح أصوات تكبيرات “الله أكبر” لتطرب الآذان، وأهل غزة- رغم حالتهم الحربية – لم يقطعوا صلتهم بالصلاة والقرآن…

كانت تجلس على مائدة الإفطار ترتشف شاي سليماني حين فزعت فجأة من صوت انفجار مدوٍ، لكنها فوجئت في اللحظة التالية برؤية كلمات الشكر على ألسنة الفلسطينيين… “

إيمان! هل تجيبين على أسئلتي؟”

“نعم يا لارا! لم لا؟”

“اسألي إن شئتِ…” أجابت إيمان بهدوء

لقد فقدتِ شقيقين ووالدكِ في غضون خمسة عشر أو عشرين يومًا، ونساءٌ كثيراتٌ مثلكِ فقدنَ أحباءَ كثيرين.

نعم! تنهدت إيمان تنهدة باردة.

لكن ما الذي يحفزكِ أنتِ وقومكِ وأنتم لا تملكون ثروةً دنيوية؟ سألت لارا بفضولٍ شديد.

حب الله والبحث عن الجنة.

أجابت إيمان بمحبةٍ كبيرة.

هل هذه هي الجنة نفسها التي أخبرنا عنها نبينا موسى؟

نعم، نعم! أجابت إيمان بسعادة.

تنفست لارا نفسًا عميقًا و بدأت تسير فى خيالها بحثا عن فردوس مفقود … عندما هزّتها إيمان لتعيدها إلى أرض الواقع، بينما كانت هى تدمدم :”هذا هو الفردوس المفقود الذى كنت أبحث عنه منذ سنوات…”

 وفي اللحظة التالية، عانقت هى إيمان بشدة…

وقفت الفتيات الإسرائيليات الأخريات مذهولات صامتات، يشاهدن المشهد الجميل، ولم يكن على لسان لارا إلا هذه الجملة: “هذه هي الجنة المفقودة التي كنت أبحث عنها…” عند رؤية هذا المشهد، ذُهلت الفتيات الأخريات وانطلقن في رحلة بحث عن الجنة المفقودة، وكانت لارا تردد الكلمات نفسها في ذهنها… جنة مفقودة… جنة مفقودة… والتي وجدتها…

 

9