Main Menu Top Menu

فؤاد قنديل: حياته وإنتاجاته في القصة القصيرة العربية 

حبيب الرحمان

الباحث في قسم اللغة العربية وآدابها

جامعة علي كره الإسلامية، علي كره

Abstract:

Fuad Qandil is considered one of the notable pioneers of the 1960s generation in Arabic literature, distinguished by the diversity of his works and the depth of his culture. His writings reflect his varied life experiences between rural and urban settings, as well as his concern for social and human issues. He was born in 1944 in Heliopolis, Cairo, and grew up in Banha, later graduating from the Faculty of Arts at Cairo University with a specialization in philosophy and psychology.

He worked in various cultural and cinematic fields and held important positions in cultural institutions. He left the cinema field due to its departure from literary values and the dominance of commercial trends. His travels to different countries contributed to broadening his cultural vision, which was reflected in his literary works. He received many prestigious awards, including the State Award for Excellence and the Naguib Mahfouz Award, in recognition of his creativity. He produced thirteen short story collections focusing on issues within Egyptian society, especially the struggles of marginalized groups. His stories are characterized by deep realism, psychological analysis, and a simple language rich in philosophical meaning.

He passed away in 2015, leaving behind a rich literary legacy that established him as one of the leading short story writers in modern Arabic literature.

Key words: Fuad Qandil, Short Stories, Modern Literature, Egypt, Social and Cultural, Cinematic Fields.

مولده ونشأته :هو فؤاد محمود أحمد قنديل، أزهرت زهرة حياته في الخامس من أكتوبر عام ١٩٤٤، في حي مصر الجديدة، لعائلة من قرية كفر سند نحور، التابعة لمدينة  “بنها” محافظة القليوبية، وهي تقع بشمال القاهرة.

اسم كفر سندنهور: كفر سندنهور يعني “بالعربي”. قميص حورس، و”سَنْد” نوع من الملابس/القميص (كما في معجم الحبيب، ص ٤٢٣)، وأما “حور” فهي “حور” أي حورس.

تعليمه ومنصبه :

تلقى قنديل تعليمه الابتدائي والمتوسط ​​والثانوي في “بنها”، حيث عاش مع عائلته من عام ١٩٤٩ إلى عام ١٩٦٢. وحصل على شهادة الثانوية العامة من المدرسة التجارية عام ١٩٦٢. ثم تخرج من كلية الآداب بجامعة القاهرة، حاصلًا على بكالوريوس في الفلسفة وعلم النفس عام ١٩٦٨، ثم بدأ بإعداد رسالة الماجستير، وكان موضوعها “الإنسان بين الجبرية والاختيار”، بإشراف الدكتور زكريا إبراهيم، إلا أن عقبات كثيرة حالت دون إتمامها. ثم قدّم موضوعًا آخر بعنوان “فلسفة الجمال في الإسلام”، تحت إشراف الدكتور إبراهيم بيومي مدكور، إلا أن إتمامها لم يكن مقدرًا له لتزامنه مع نشر العديد من القصص والمقالات الأدبية، وفوزه بالعديد من الجوائز في مسابقات القصة القصيرة من جهات مختلفة.[i] كذلك عمل في الشركة المصرية للتمثيل والسينما عام ١٩٦٢، ثم انتقل إلى وزارة الثقافة الشعبية عام ١٩٧٧، حيث شغل عدة مناصب إدارية عليا.

يُعرب الكاتب فؤاد قنديل نفسه عن رغبته في قراءة الأعمال الأدبية ومطالعتها في روايته “المفتون” التي تتناول سيرته الذاتية، قائلاً:

” تفتحت مع الرسم رغبتي في القراءة .. أقبلت على مكبتة المدرسة ومكتبة المحافظة ، أطالع القصص والأشعار و سير حياة العظماء ، التهمت سلسة أرسين لوبين و رو كامبول ، و أجاثا كريستي ، وروايات الجيب وروايات جورجي زيدان ، وقصص للجميع و معظم أعمال طه حسين ، و توفيق الحكيم والمنفلوطي و تيمور وسلامة موسى .. العقاد و المازني .. قرأت تولستوي و سباتيني و ألكسندر ديماس و ديستوفسكي و جوجول و تورجينيف و تشيكوف ….سحرني طاغور والشابي و هاشم الرفاعي و بيرم ، بعد سنوات قليلة احتل شوقي الصدارة و لحق به شكسبير ولا مرتين و بلزاك و زولا و ديكنز، وما أن قرأت الأساطير الإغريقية حتى أسرعت إلى التراث اليوناني و الروماني، أنهل من هوميرس و سوفوكليس و أريستوفانيس و أيسخيلوس ، ثم قرأت مارك توين و صلاح جاهين و عبدالله النديم و عبد العزيز البشري ، و دانتي و إدجار آلان بو و شتاينبك و  فوكنر و أقرأ القرآن و الإنجيل و العهد القديم.[ii]

الوظائف التي تقلدها فؤاد قنديل:

تولى الأديب فؤاد قنديل مناصب علمية وإدارية متعددة، منها:

  • محاسب بأستوديو مصر عام 1962
  • مدير مكتب رئيس مجلس إدارة مؤسسة السينما ، عام
  • مراقب لإنتاج الأفلام في الشركة العامة للإنتاج السينمائي.
  • عمل فى الجماهيرية الليبية ، عام 1973 مسئول إدارة المكتبات بالثقافة   الجماهيرية ، بنها عام 1977
  • رئيس تحرير سلسلة ” إبداعات ” المعنية بإصدار أدب الشباب أسبوعيا.
  • عضو مجلس إدارة اتحاد الكتاب ، عام 1984
  • الأمين العام للأمانة العامة لأدباء مصر فى الأقاليم مرتين ، عامي 1993 ، 2000

ترك الوظيفة في السينما والانتقاد عليه :

غادر فؤاد قنديل شركة مصر للتمثيل والسينما عام ١٩٧٧، وانتقل إلى عالم الثقافة الشعبية. يشرح المؤلف نفسه سبب تركه للسينما: ” السينما ابتعدت كثيرا عن الأدب الروائي و القصصي و أصبحت ملكا خاصا لكتاب السيناريو، و النتيجة ما نراه على الشاشة من تجاهل للقيم الفكرية والفنية وغياب الرؤية الإنسانية، وهيمنة التوجه التجاري النفعية والميل إلى جذب الجمهور بكل الوسائل، كالكوميديا ​​الهزلية التي تُخاطب أدنى مستويات الوعي لتكريس التفاهة والسطحية”[iii]

يعتقد قنديل أن السينما تلجأ إلى العنف والحركة السريعة، وكلاهما يتنافى مع روح الشعب المصري وضميره، بل هما نتاج تقليد أعمى للسينما الأمريكية التي وقعت السينما المصرية أسيرةً لها. وهذا يؤدي إلى استدراج المشاهد الخاضع إلى عالمٍ ليس عالمه، وترسيخ أذواقه بأذواقٍ لم يألفها. وهذا بدوره يؤثر على ديناميكياته الاجتماعية والإنسانية بطريقةٍ تؤثر سلبًا بطبيعة الحال على رؤيته للحياة والإنسانية والمستقبل. ليس قنديل وحيدًا في استيائه من قرب السينما، في وضعها الراهن، من أعماله. فنادرًا ما يُولي مُختطفوها اهتمامًا للروايات المصرية أو العربية، وهذا يتطلب تدخلاتٍ مُدمرة لا يطيقُها الكُتّاب.  ويأمل فؤاد قنديل أن يسير صناع الأفلام على خطى السينما الفرنسية والإيطالية، وحتى اليابانية والإيرانية والعديد من الدول الأوروبية التي تقدم سينما متطورة.[iv]

ويرى أن السينما المصرية كما هي، تتسق مع مستوى الأغنيات السينمائية المتوحشة، مثل أغاني شعبان عبد الرحيم ومغني العربات المتوحشة والسطحية والمبتذلة، والجماهير المخطوفة تصفق وتهتف وتضحك وتحاول أن تفرح للهروب من ظروفها، لكنها بالتأكيد تفتقر إلى الذوق والمتعة التي تخترق الوجدان.[v]

رحلات فؤاد قنديل إلى بلدان مختلفة

من العناصر الأساسية التي شكّلت شخصية فؤاد قنديل كأديب وروائي وقاصّ، أسفاره ورحلاته وتنقلاته بين الأماكن. تأثر بجمال الطبيعة، والمناظر الطبيعية الخلابة، والآثار التاريخية، وتفاعل مع الناس على اختلاف أذواقهم وحساسياتهم، مشاعرهم، وانطباعاتهم، وعواطفهم، وأفكارهم، ومواقفهم. أحبّ كاتبنا السفر، فسافر إلى ما يقارب عشرين دولة، منها اليابان، والصين، ولبنان، وليبيا، والمملكة العربية السعودية، وإيطاليا، ومالطا، والمغرب.العراق، وتونس، والولايات المتحدة الأمريكية، مدفوعًا برغبة في اكتساب الثقافة والمعرفة. كما ألّف كتابًا بعنوان .

1 أدب الرحلة في التراث العربي

2 رحلة ابن بطوطة.

استفاد فؤاد قنديل استفادة كبيرة من هذه الرحلات والأسفار، وتعرف على عادات وتقاليد وثقافات وحضارات مختلفة تمامًا عن بيئته المصرية، واستقى الكثير من الأفكار التي ذكرها في كتبه وقصصه ورواياته.

أنشطة أخرى لفؤاد قنديل

شغل الكاتب فؤاد قنديل مناصب عديدة، وكان له إسهامات فاعلة فيها، لذا تجدر الإشارة إليها كما يلي:

  • عضو المجالس القومية المتخصصة.
  • عضو مجلس ادارة نادى القلم الدولى
  • عضو مجلس ادارة اتحاد الكتاب.
  • عضو مجلس ادارة نادي القصة.
  • رئيس تحرير سلسلة ” إبداعات”.
  • رئيس تحرير سلسلة ” كتابات جديدة”.

الجوائز والتقدير والتكريم الفؤاد قنديل

قد تم تكريم فؤاد قنديل و تقديره بجوائز شهيرة ومتوفقة في حفلة عديدة ، منعقدة في مصرو خارجها، ومن تلك الحفلات والجوائز كما يلي:

  • ورد اسمه مع بيان بأعماله في موسوعة الشخصيات القومية البارزة إصدار الهيئة العامة للاستعلامات.
  • ورد اسمه مع بيان بأعماله في موسوعة أعلام الفكر العربي» إصدار مكتبة مصر.
  • ورد اسمه مع بيان بأعماله في ” قاموس الأدب العربي الحديث
  • وحاز كأس القباني الأفضل مجموعة قصصية عام 1979
  • وحاز جائزة نجيب محفوظ للرواية في الوطن العربي عام 1994
  • وحاز جائزة الدولة للتفوق في الأداب عام [vi]2004
  • وجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2010
  • وجائزة الطيب صالح في القصة القصيرة عام 2011

توفي الروائي المصري الكبير وكاتب القصة القصيرة فؤاد قنديل عصر الأربعاء، 3 يونيو/حزيران 2015، عن عمر ناهز 71 عامًا، في مستشفى قصر العيني بالقاهرة، بعد إصابته بغيبوبة كبدية ونزيف دماغي. وبعد خضوعه لعملية جراحية لتفريغ النزيف، دخل في غيبوبة تامة.[vii] ودُفن جثمانه في مقابر العائلة ب “بنها”.[viii]

إبداعه في القصة القصيرة

ساهم فؤاد قنديل، كاتب القصة القصيرة العربي، إسهامًا كبيرًا في تطوير القصة القصيرة. ترك وراءه ثلاث عشرة مجموعة قصصية. ركز في قصصه على القضايا الاجتماعية، لا سيما صورة المهمشين وهمومهم وأحزانهم، بالإضافة إلى المجتمع المصري.  نُشرت أولى قصصه على نطاق واسع عام  ١٩٦٦ ، ولاقت استحسانًا كبيرًا من القراء ومحبي القصة القصيرة. أودّ أن أذكر أسماء مجموعاته القصصية، وهي:

  1. “عقدة النساء” (مجموعة قصصية)1978
  2. “كلام الليل” (قصص قصيرة)، 1979 ،
  3. “العجز”، (قصص قصيرة)1983
  4. “شدو البلابل والكبرياء”، (مجموعة قصصية)، 1995
  5. “عسل الشمس” (مجموعة قصصية)، 2002
  6. “الغندورة” (مجموعة قصصية)،
  7. “قناديل” (قصص قصيرة )2003
  8. “رائحة الوداع” (مجموعة قصصية)، 2008
  9. “سوق الجمعة” (مجموعة قصصية)، 2008 -10
  10. “حدثني عن البنات” (مجموعة قصصية)، 2010
  11. “ليلة الوداع الأخيرة” (مجموعة قصصية) 2010
  12. “ميلاد في التحرير”، (مجموعة قصصية)، 2011
  13. “الحب على كرسي متحرك” (مجموعة قصصية)، 2014

الموجز عن بعض مجموعات قصصه القصيرة الأدبية الخاصة

مجموعة “كلام الليل”

كلام الليل هي المجموعة القصصية الأولي للأديب المصرى الراحل فؤاد قنديل . وقد صدرت في عام 1979 . وقد نال عنها المؤلف كأس القباني لأفضل مجموعة قصصية فى نفس عام صدورها (1979) . مما وضع اسمه بقوة على خارطة الأدب المصرى آنذك . وبعد صدور هذه المجموعة، انطلق قنديل ليقدم عشرات الأعمال الأخرى التي تراوحت بين الرواية القصة القصيرة ، أدب الرحلات و الدراسات النقدية.

مجموعة “عقدة النساء”

 مجموعة “عقدة النساء” وهي تعد من أفضل مجموعاته القصصية ، التي نشرتها الهيئة المصرية العامة لكتاب سنة 2002 ، ونضم المجموعة ثماني قصص أمنا الفولة قصة أولى تبدأ بها هذه المجموعة وتنتهي بقصة “وداعا للخوف”. وتطوي هذه المجموعة في صياغيها ألوانا اجتماعية وواقعية وسياسية مصرية .و تدور فكرتها الرئيسية حول انتقاد على المجتمع المصري ومشاكله الهامة

مجموعة العجز
تُعَدّ مجموعة العجز الصادرة عام 1983 المحطة الثانية في المسار القصصي للأديب فؤاد قنديل، بعد مجموعته الأولى كلام الليل. وفي هذه المرحلة، يتحول الكاتب من تصوير الواقع الخارجي إلى التعمق في أعماق النفس الإنسانية وما يعتريها من اضطرابات وتعقيدات.

يتجاوز مفهوم “العجز” في هذه المجموعة المعنى الجسدي الضيق، ليشمل بعداً وجودياً أوسع، يتمثل في إحساس الإنسان بالعجز أمام تعقيدات الحياة الحديثة، والبيروقراطية، وعدم قدرته على تغيير واقعه. كما تتسم القصص بنبرة من الكوميديا السوداء، حيث تكشف مواقف يومية عادية عن اختلالات عميقة في العلاقات الاجتماعية.

وتبرز في النصوص شخصيات تعاني من العزلة والاغتراب، رغم وجودها وسط الآخرين، مما يعكس فشل التواصل الإنساني الحقيقي. وقد اعتمد قنديل على أسلوب مكثف ولغة بسيطة قريبة من القارئ، مع الحفاظ على عمق فكري يترك أثراً ممتداً بعد القراءة. وتؤكد هذه المجموعة أن نجاحه الأول لم يكن مصادفة، بل نتيجة وعي فني واضح، كما مهدت الطريق لأعماله اللاحقة التي ركزت على قضايا المهمشين، مثل مجموعته شدو البلابل والكبرياء.

مجموعة شدو البلابل والكبرياء
تُعَدّ مجموعة شدو البلابل والكبرياء الصادرة عام 1995 إحدى أبرز محطات النضج الفني في تجربة فؤاد قنديل، حيث تعكس تطور رؤيته الإبداعية بعد بداياته القوية في السبعينيات والثمانينيات.

يحمل العنوان دلالات رمزية؛ فـ”شدو البلابل” يرمز إلى الجمال والحلم، بينما يشير “الكبرياء” إلى التمسك بالكرامة والصمود في مواجهة الانكسار. ومن خلال هذا التناقض، يعكس قنديل صراع الإنسان بين طموحاته الروحية وضغوط الواقع.

تتعمق القصص في تحليل النفس البشرية، كاشفة عن لحظات الضعف والقوة، ومحاولات الشخصيات الحفاظ على كرامتها في عالم قاسٍ. ولا تنفصل هذه الأعمال عن الواقع المصري، إذ ترصد تحولات الطبقة المتوسطة، وتأثير التغيرات الاقتصادية والاجتماعية على القيم والعلاقات الإنسانية.

مجموعة “عسل الشمس

صدرت مجموعة عسل الشمس عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2002، وتضم تسع قصص، منها: أمنيات بهانة، عصر بهانة، ابن بهانة، عسل الشمس، الحضن، الحل الأخير، وقائع المشهد المثير، فرح التراب، ليلة يهودية. تبدأ المجموعة بقصة أمنيات بهانة وتنتهي بـ ليلة يهودية، وتتنوع موضوعاتها وأساليبها بين الواقعية والرومانسية والتحليل النفسي، مع حضور بعض اللمسات الخيالية.

تعكس هذه القصص جوانب متعددة من الحياة في المجتمع المصري، حيث تركز على تصوير الطبيعة الإنسانية من خلال معاناة الإنسان البسيط. وتتناول قضايا الفقر وقسوة الظروف اليومية، مقدمة نماذج متنوعة من الشخصيات مثل البائعة، والعسكري، والطالب، والمسافر الباحث عن الرزق، إضافة إلى العجوز التي تسعى للعيش في أمان ودفء عاطفي بين أفراد أسرتها. وبذلك، ترسم المجموعة صورة واقعية مؤثرة لمجتمع يواجه ضغوطاً اقتصادية واجتماعية قاسية، مع إبراز البعد الإنساني العميق لهذه المعاناة.

مجموعة “الغندورة

تُعد مجموعة الغندورة الصادرة عام 2002 من الأعمال القصصية التي تُظهر مهارة فؤاد قنديل في التقاط تفاصيل الشخصية الشعبية المصرية وتقديمها بأسلوب سردي مشوق.

يركز عنوان المجموعة على نموذج إنساني يتميز بحضور قوي أو “كاريزما” طبيعية داخل بيئته البسيطة، حيث تعرض القصص شخصيات من الرجال والنساء الذين يلفتون الانتباه بطبيعتهم الخاصة، مع متابعة التحولات التي تطرأ على هذا الحضور نتيجة تغير الزمن أو الظروف.

وقد تميزت المجموعة بلغة سلسة تجمع بين الفصحى وروح الحوار المصري، مما منحها طابعاً واقعياً وقريباً من القارئ. كما تتضمن القصص نبرة ساخرة خفيفة تعالج قضايا اجتماعية معقدة بأسلوب بسيط، لكنه يحمل دلالات عميقة.

مجموعة “قناديل

تُعَدّ مجموعة قناديل الصادرة عام 2003 إضافة مميزة في مسيرة فؤاد قنديل، إذ يحمل عنوانها دلالة رمزية ترتبط باسمه، وكأنها تقدم للقارئ إشراقات خاصة من رؤيته الفنية للعالم. ويعكس العنوان رغبة الكاتب في إضاءة الجوانب الخفية في النفس البشرية والمجتمع، حيث تأتي القصص بمثابة مصابيح تكشف لحظات إنسانية حاسمة. تتميّز هذه المجموعة بكثافة سردية عالية، وقدرة على بناء عوالم متكاملة من خلال تفاصيل بسيطة. كما يمزج قنديل بين الواقع والخيال في بعض النصوص، مضيفاً بعداً تأملياً وفلسفياً يمنح القصص عمقاً يتجاوز الوصف الواقعي المباشر. وجاء صدور قناديل في فترة غزارة إبداعية، إذ تزامن مع صدور روايتيه الحمامة البرية و”رتق الشراع” في العام نفسه، مما يدل على قدرته على التنقل بين الأجناس الأدبية. كما سبق هذا العمل حصوله على جائزة الدولة للتفوق في الآداب عام 2004، وهي مرحلة شهدت تقديراً واسعاً لمسيرته الأدبية.

مجموعة “رائحة الوداع

تُعَدّ مجموعة رائحة الوداع (2008) من أكثر أعمال فؤاد قنديل عمقاً من الناحية الإنسانية، حيث تهيمن عليها ثيمة الفقد والرحيل بأشكاله المختلفة.

يوحي العنوان بمضمون القصص، التي لا تقتصر على الموت الجسدي، بل تمتد لتشمل وداع الأماكن، والأحلام، وحتى الأشخاص الذين يبتعدون نفسياً رغم بقائهم على قيد الحياة. وقد برع الكاتب في تصوير اللحظات التي تسبق الفراق أو تليه، مستحضراً تفاصيل الذاكرة التي تترك أثراً دائماً في النفس.

وتبقى البيئة المصرية حاضرة في هذه القصص، من خلال شخصيات عادية تواجه نهايات مؤلمة لعلاقاتها أو طموحاتها، في مشاهد تعبّر عن الانكسار الإنساني. وقد صدرت هذه المجموعة في عام شهد نشاطاً أدبياً ملحوظاً للكاتب، حيث نشر أيضاً مجموعة سوق الجمعة.

مجموعة “سوق الجمعة

تدور أحداث مجموعة سوق الجمعة (2008) في سوق شعبي يُقام أسبوعياً، حيث يلتقي الباعة والبسطاء من مختلف الطبقات لبيع وشراء السلع البسيطة والمستعملة. ويقدّم الكاتب هذا السوق كصورة مصغّرة للمجتمع بكل تناقضاته.

تركّز القصص على شخصيات بسيطة تكافح من أجل العيش، مثل البائع الذي يعتمد على سلع مستعملة، والزبائن الباحثين عن أرخص الأسعار، وأشخاص يحاولون التأقلم مع ظروف قاسية. ومن خلال هذه النماذج، يسلّط الكاتب الضوء على قسوة الفقر، والصراع اليومي من أجل البقاء، والفوارق الطبقية، إلى جانب لحظات إنسانية من التعاطف.

وتتجلى الفكرة الأساسية في أن السوق ليس مجرد مكان للتجارة، بل هو رمز للحياة، حيث تتقاطع فيه آلام الناس وآمالهم.

مجموعة “ليلة الوداع الأخيرة

تُعَدّ مجموعة ليلة الوداع الأخيرة (2010) من الأعمال التي تعبّر عن نضج التجربة الإنسانية لدى فؤاد قنديل، حيث تركّز على التفاصيل النفسية العميقة للشخصيات.

تدور قصصها حول لحظات فاصلة في حياة الإنسان، خاصة لحظات الفقد والوداع، سواء كانت مرتبطة بأشخاص أو مراحل حياتية أو أحلام لم تتحقق. ويولي الكاتب اهتماماً كبيراً بالمشاعر الداخلية، والصراعات النفسية، ودور الذاكرة في تشكيل الحاضر.

وتتناول المجموعة موضوعات مثل الحزن، والحنين إلى الماضي، والوحدة، وتعقيد العلاقات الإنسانية، والتحولات النفسية في لحظات النهاية. وتبرز أهميتها في قدرتها على سبر أغوار النفس البشرية، وتقديم صورة صادقة ومتوازنة للإنسان في حالات ضعفه وقوته، مما يجعلها من الأعمال البارزة في فن القصة القصيرة الحديثة[ix]

الهوامش:

[i] أرشيف المدونة الإلكترونية، الثلثاء ، 7 أبريل 2009

[ii] قنديل، فؤاد، المفتون، روايات الهلال، الصادرة عن مؤسسة دار الهلال، القاهرة  ص39

[iii] شبلول، أحمد فضل يكتب : حديثي مع الوائي الراحل فؤاد قنديل ،جريدة : بوابة الأهرام” المقهي الثقافي، 03/06/2015

[iv] شبلول، أحمد فضل يكتب : حديثي مع الوائي الراحل فؤاد قنديل ،جريدة : بوابة الأهرام” المقهي الثقافي، 03/06/2015

[v] شبلول، أحمد فضل يكتب : حديثي مع الوائي الراحل فؤاد قنديل ،جريدة : بوابة الأهرام” المقهي الثقافي، 03/06/2015

[vi] قنديل، فؤاد، ديوان العرب، الإثنين 26/ آذار (مارس) 2007

[vii] وفاة الروائي المصري فؤاد قنديل، صحيفة (العلم الجديد) الخميس، 04/حزيران يونيو 2015

[viii] دفن جثمان الراحل فؤاد قنديل بمقابر العائلة ببنها اليوم، اليوم السابع، الأربعاء، 03/يونيو، 2015

المصادر والمراجع:

  1. قنديل، فؤاد، المفتون، روايات الهلال، الصادرة عن مؤسسة دار الهلال، القاهرة
  2. قنديل،فؤاد ، الأعمال الكاملة ، الهيئة المصرية العامة للكاتب 2002
  3. قنديل،فؤاد، أدب الرحلة في التراث العربي، لمكتبة الدار العربية للكتاب 2002

13