Main Menu Top Menu

مكانة المرأة العربية وحقوقها في الإسلام: دراسة تاريخية وحضارية

  أبوسمع مندل

الباحث في قسم اللغة العربية وآدابها

  جامعة علي كره الإسلامية،علي كره

ملخص البحث

يتناول هذا البحث مكانة المرأة العربية وحقوقها في الإسلام، من منظور تاريخي وحضاري،من خلال بيان وضع المرأة قبل الإسلام ثم دراسة التحولات التي أحدثها الإسلام في حياتها ومكانتها داخل الأسرة والمجتمع. فقد أقرّ الإسلام للمرأة جملة من الحقوق الأساسية، من أبرزها الحق في الحياة والكرامة، والتعليم، والتملك، والميراث، واختيار الزوج، والمشاركة في الحياة الاجتماعية. كما يسلّط المقال الضوء على إسهامات المرأة العربية في الحضارة الإسلامية، ولا سيما في مجالات العلم والأدب والعمل الاجتماعي. ويؤكد البحث أن تكريم المرأة في الإسلام يقوم على أساس إنسانيتها و كرامتها ومسؤوليتها، وأنها شريك أساسي في بناء الأسرة والمجتمع والحضارة.

الكلمات المفتاحية:  المرأة العربية، الإسلام، حقوق المرأة، التعليم،الميراث،الكرامة،الحضارة الإسلامية.

المقدمة

تعد قضية المرأة من القضايا المهمة في التاريخ العربي والإسلامي؛ لما لها من ارتباط وثيق ببناء الأسرة والمجتمع والحضارة. وقد اختلفت أوضاع المرأة العربية قبل الإسلام باختلاف البيئات والقبائل، فعانت في بعض المجتمعات من صور متعددة من الظلم والحرمان من بعض الحقوق كما كانت مكانتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية تختلف من بيئة إلى أخرى. ومع ظهور الإسلام شهدت مكانة المرأة تحولا مهمّا؛ إذ أكّد القرآن الكريم والسنة النبوية كرامتهاالإنسانية، وأقرّا لها حقوقا شرعية واجتماعية واقتصادية، وأكّدا مسؤوليتها ودورها في الأسرة والمجتمع. ولم يقتصر هذا التكريم على الجانب النظري، بل ظهرت عبر التاريخ الإسلامي نماذج عديدة لنساء أسهمن في مجالات العلم والأدب والرواية والعمل الاجتماعي.

جاء الإسلام في بيئة اجتماعية كانت فيها بعض النساء يعانين من صور متعددة من الظلم والحرمان. ومع

ذلك، لا ينبغي تعميم صورة واحدة على جميع النساء في الجاهلية؛ فقد عرفت البيئة العربية نساء كان لهن حضور في التجارة والشعر والرأي والحياة الاجتماعية. إلا أن بعض العادات والممارسات كانت تنتقص من مكانة المرأة، ومن أبرزها حرمانها من بعض حقوقها المالية، وبعض صور الزواج غير المنظم، ووأد البنات في بعض القبائل.ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال في دراسة مكانة المرأة العربية وحقوقها في الإسلام دراسة تاريخية وحضارية، من خلال التعرّف على وضعها قبل الإسلام، وبيان أهم الحقوق التي أقرّها الإسلام لها، وإبراز بعض صور مشاركتها في بناء المجتمع والحضارة الإسلامية.كما يسعى المقالى إلى دراسة مكانة المرأة في الإسلام ينبغي من خلال قراءة متوازنة تجمع بين النصوص الشرعية والسياق التاريخي والاجتماعي، بعيدا عن التعميم أو اختزال التجربة التاريخية للمرأة العربية في صورة واحدة.

المتن الرئيسي للمقال

كانت مكانة المرأة العربية قبل الإسلام متفاوتة بحسب القبيلة والبيئة والظروف الاجتماعية.فلم تكن جميع النساء يعشن في الظروف واحدة، ولا كانت عادات العرب وأعرفهم موحدة في معاملة المرأة. فقد عانت بعض النساء من أنواع من الظلم والحرمان، في حين تمتعت أخريات بمكانة اجتماعية مرموقة، وكان لهن حضور في الحياة العامة. وقد نساء مارسن التجارة والشعر والرأي، لكن ذلك لا ينفي وجود ممارست اجتماعية أضرب بالمرأة. ومن أبرز صور الظلم التي عانت منها المرأة في بعض المجتمعات الجاهلية وأد البنات، فقد عرفت بعض البيئات العربية هذه العادة القاسية، حيث كان بعض الآباء يدفنون بناتهم وهنّ أحياء، خوفا من الفقر أو خشية العار. وقد أنكر القرآن الكريم هذه العادة إنكارا شديدا، فقال تعالى:

“وإذا الموؤدة سئلت. بأيّ ذنب قتلت”.[1]كما نهى االله تعالى عن قتل الأولاد خوفا من الفقر فقال سبحانه :

“ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياّكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا”. [2]

تكريم المرأة في الإسلام

 لم يعتبر الإسلام المرأة مكروهة أو مهانة، كما كانت في الجاهلية، ولكنه قرر حقيقة تنزيل هذا الهوان عنها: وهي أن المرأة قسيمة الرجل، ماله من الحقوق، وعليها أيضا من الواجبات ما يلائم تكوينها وفطرتها. وعلى الرجل، بما اختصّ به من الرجولة، وقوة الجلد، وبسعلة اليد، واتساع الحيلة، والصبر على التعب والمكاره،أن يلى رعايتها، فهو بذلك وليّها، يحوطها، ويذود عنها، وينفق عليها من كسب يده. وقد كرّم الإسلام المرأة، وذلك حينما أخبر الله تعالى أنه خلقنا من ذكر وأنثى، وجعل ميزان التفاصل العمل الصالح والتقوى، فقال الله تعالى: “يأأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إنّ الله عليم خبير”.[3] وقال: “يأيها الناس اتّقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام ان الله كان عليكم رقيبا”.[4]

ومن مظاهر تكريم الله للمرأة أن ذكرها بجانب الرجل قال الله تعالى: “إن المسلميىن والمسلمات المؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدّقين والمتصدّقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعدّ الله لهم مغفرة و أجرا عظيما”.[5] لقد احترم الإسلام المرأة وأعطاها مرتبة عالية من الكرامة الإنسانية حيث ساوى بينها وبين الرجل في التكليف بالعقائد والشرائع، وفي الجزاء والثواب. وبالرغم من أن لها بعض الخصوصيات التي تختلف بها عن الرجل حيث إن الغاية منه هذا الاختلاف هو إقامة الحياة يقول عز وجل في كتابه : “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولیاء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز الحكيم”.[6]

حق المرأة في الحياة والكرامة الإنسانية

يعدّ الحق في الحياة والكرامة الإنسانية من أهم الحقوق التي أقرّها الإسلام للمرأة، إذ أقام الإسلام نظرته إلى الإنسان على أساس التكريم الإنساني المشترك، ولم يجعل الجنس أو اللون أو النسب معيارا لقيمة الإنسان. ومن ثمّ، فإن دراسة مكانة المرأة في الإسلام تبدأ من هذا الأصل الكلي الذي قرر أن المرأة والرجل يشتركان في الإنسانية، وأن لكل منهما حقوقا وواجبات تتناسب مع طبيعته ومسؤوليته. وقد مثّل هذا التصور تحولا مهمّا في البيئة العربية التي ظهر فيها الإسلام، ولا سيما في مواجهة بعض الممارسات الاجتماعية التي كانت تنتقص من قيمة المرأة أو تحرمها بعض حقوقها الأساسية.

ومن أهم الحقوق التي أكدها الإسلام للمرأة حقها في الحياة؛ فقد رفض الإسلام بصورة قاطعة قتل الأطفال بسبب الجنس أو الفقر أو الخوف من العار الاجتماعي. وقد عرفت في بعض البيئات العربية قبل الإسلام ممارسة وأد البنات، وقد ذمّهم الله بذلك وأنكر عليهم فقال الله تعالى : وإذا الموءدة سئلت. بأيّ ذنب قتلت.[7] ويكشف هذا النص القرآني عن شناعه جريمة وأد البنات، إذ يبرز براءة الطفلة الموءدة من أي ذنب، ويحمّل قاتليها مسؤولية هذه الجريمة. كما نهى الله تعالى عن قتل الأولاد خوفا من الفقر فقال سبحانه:  “ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياّكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا “. [8]

وبذلك أكد الإسلام حق الأنثى في الحياة منذ ولادتها، وأبطل النظرة التي كانت تجعل ولادة البنت مصدرا للعار أو الخوف. كما قرّر الإسلام أن حرمة النفس الإنسانية تشمل المرأة والرجل على السواء، فقال تعالى: “ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق”.فالنفس الإنسانية مصونة في الشريعة الإسلامية، ولا يجوز الاعتداء عليها بغير حق، ويشمل هذا الحكم المرأة كما يشمل الرجل؛ لأن الأصل في النص عمومه، ولأن الكرامة الإنسانية ليست مرتبطة بجنس الإنسان.

أما حق المرأة في الكرامة الإنسانية

إن الكرامة من المنن الربّانية والحقوق الأصلية للإنسان التي لا يستعلي بوجدانها طرف على آخر، فلا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، قال تعالى: “ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضّلناهم على كثير ممّن خلقنا تفصيلا”.[9]فالآية تقرر مبدأ التكريم الإنساني العام، والمرأة داخلة في هذا التكريم بوصفها من بني آدم. ولذلك لم ينظر الإسلام إلى المرأة على أنها كائن أدنى من الرجل، وإنما قرر لها شخصيتها الإنسانية المستقلة، وأثبت لها حقوقا دينية واجتماعية ومالية، وحثّ على معاملتها بالمعروف وصيانة كرامتها. كما أكد الإسلام ضرورة حسن معاملة المرأة وصيانة كرامتها داخل الأسرة والمجتمع. قول الله تعالى: “وعاشروهنّ بالمعروف”.[10]فالآية تؤسس لمبدأ المعاشرة القائمة على الاحترام والرعاية والإنصاف، وتنهى ضمنيا عن الإهانة والإيذاء وسوء المعاملة كما أن أكد في عدد من الأحاديث ضرورة الإحسان إلى النساء وحسن معاملتهن، مما يعكس اهتمام الإسلام بحماية المرأة من صور الظلم والإهانة داخل الأسرة والمجتمع. ومن الناحية الحضارية، يمثل إقرار حق المرأة في الحياة والكرامة نقطة أساسية في إعادة بناء الأسرة والمجتمع؛ لأن حماية حياة الأنثى تعني الاعتراف بها بوصفها إنسانا كامل القيمة، وليست تابعا أو عبئا اجتماعيا. ولذلك لم تعد ولادة البنت مبررا للخوف أو العار، بل أصبحت رعايتها وتربيتها من الأعمال التي يُثاب عليها المسلم. وقد أسهم هذا التحول في إعادة صياغة النظرة الاجتماعية إلى المرأة، وفي الانتقال بها من حالة التهميش والإقصاء إلى الاعتراف بإنسانيتها ومكانتها وحقوقها.

وبذلك يتضح أن الإسلام أحدث تحولا مهمّا في النظرة إلى المرأة؛ فلم يكتفِ بمنع الاعتداء على حياتها، بل أكد كذلك ضرورة صيانة كرامتها، وحسن معاملتها، والاعتراف بإنسانيتها. ومن ثمّ، فإن حق المرأة في الحياة والكرامة يمثل أساسا مهما لفهم المكانة التي منحها الإسلام للمرأة، كما يشكّل قاعدة تنبني عليها سائر الحقوق التي قررتها الشريعة لها في الأسرة والمجتمع. ومن هنا، فإن التكريم الإسلامي للمرأة لا يقتصر على حماية حياتها من الاعتداء، وإنما يمتد إلى صيانة كرامتها، وحفظ حقوقها، وضمان معاملتها بما يليق بإنسانيتها ومكانتها.

حق المرأة في التعليم

يعتبر حق التعليم من أهم الحقوق التي أقرّها الإسلام للمرأة، إذ لم يجعل طلب العلم مقصورا على الرجال، بل دعا المسلمين والمسلمات إلى تحصيل المعرفة والاستفادة منها. وقد أسّس الإسلام مبدأ التعلّم على أساس أن العلم وسيلة أساسية لفهم الدين، وإصلاح الفرد والمجتمع، وتحقيق النهضة الحضارية. ومن ثم فإن حق المرأة في التعليم يمثل جانبا مهمّا من جوانب تكريم الإسلام للمرأة واعترافه بأهليتها العقلية والإنسانية. وقد بيّن الإسلام منزلة العلم ورفعة شأنه، وحثّ على تحصيله والاستفادة منه، فقال تعالى: “اقرأ باسم ربّك الذي خلق (1)  خلق الانسان من علق (2)  اقرأ وربّك الأكرم (3)  الذي علّم بالقلم (4) علّم الإنسان ما لم يعلم” (5).[11]وهذا يؤكد على أن العلم هو أساس الوجود الإنساني، والتقدم الحضاري. كما أمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم بطلب المزيد من العلم، فقال تعالى: “وقل ربّ زدني علما”.[12]

كما أن الإسلام لم يربط قيمة الإنسان بجنسه، وإنما جعل التفاضل مرتبطا بالتقوى والعمل الصالح والعلم النافع. قال تعالى: “يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير”.[13]

 وهذا يوضح أن العلم يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة. كما أكّد سبحانه على الفارق الجوهري بين العالم والجاهل بقوله: ” قل هل يستوي الّذين يعلمون والّذين لا يعلمون إنما يتذكر ألو الألباب”.[14]

وهذه النصوص وإن جاءت في خطاب عام، فإنها تشمل الرجل والمرأة؛ لأن الأصل في الخطاب الشرعي العام اشتراك المسلمين في التكليف ما لم يرد دليل يخص أحد الجنسين. كما حثّ النبي صلى الله عليه وسلم على طلب العلم، واهتم بتعليم النساء، فقد خصص لهن وقتا للتعليم والإرشاد عندما طلبن ذلك، مما يدل على مشروعية تعلم المرأة وحقها في اكتساب المعرفة. ولم يكن هذا الحق مجرد مبدأ نظري، بل ظهر في الواقع التاريخي للمجتمع الإسلامي منذ العصور الأولى. فقد برزت نساء عالمات وفقيهات ومحدّثات أسهمن في نقل المعرفة ونشرها. ومن أبرزهن السيدة عائشة رضي الله عنها، التي كانت من كبار رواة الحديث، ومن أعلم الصحابة بأحكام الدين، وكان كبار الصحابة والتابعين يرجعون إليها في مسائل علمية وفقهية متعددة. كما عُرفت نساء أخريات بالعلم والرواية والأدب، مما يؤكد أن الحضارة الإسلامية أتاحت للمرأة مجلا للمشاركة في الحياة العلمية وفق الضوابط والظروف الاجتماعية السائدة في كل عصر.

وقد أقرّ الإسلام حق المرأة في تحصيل العلم والمعرفة، وحثّها على التعلّم،كما حثّ الرجال عليه، وجعل طلب العلم من الأمور التي ينبغي للمسلم أن يحرص عليها؛ فريضة على الذكر والأنثى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” طلب العلم فريضة على كلّ مسلم [15]“. لقد حرر الإسلام المرأة من قيود الجهل والتهميش التي كانت سائدة في عصور ما قبل الإسلام، وأعاد إليها إنسانيتها وكرامتها، وفتح لها أبواب العلم والمعرفة، معتبرا ذلك حقّا ثابتا، وضرورة شرعية لا تقتصر على الرجل وحده، لم يكن تأكيد الإسلام على تعليم المرأة مجرد مسألة تنوير فردي، بل كان أساسا مهمّا للنهوض الحضاري وبناء المجتمع؛ فالمرأة المتعلمة قادرة على الإسهام في تربية الأجيال، ونقل المعرفة، والمشاركة في إصلاح المجتمع، وبناء الحضارة.

حق المرأة في اختيار الزواج

من تكريم الإسلام للمرأة أن أعطاها الحق في اختيار الزواج،فليس للوالدين أن يكرها ابنتهما على زواج لا تريده، فالزواج يعتبر من خصوصيات المرأء، وإن إجبار أحد الوالدين ابنته على الزواج بمن لا تريد، محرّما شرعا؛ لأنه ظلم وتعدّ على حقوق الآخرين. فللمرأة في الإسلام حريتها الكاملة في قبول أو ردّ من يأتي لخطبتها، ولا حق لأبيها أو وليّها أن يجبرها على من لا تريد؛ لأن الحياة الزوجية لا يمكن أن تقوم على القسر والإكراه، وهذا يتناقض مع ما جعله الله بين الزوجين من مودة ورحمة. وهذا الحكم المستقر دلّت عليه نصوص كثيرة من شرعنا الحنيف، ووقائع فعلية تبيّن للعالم كله كيف تعامل الرحمة المهداة، إمام العالمين- صلى الله عليه وسلم  مع المرأة ووليّها في تحد واضح لكل نظم الجاهلية التي تظلم المرأة، وأثبت حقها في اختيار زوجها، وأبطل زواج من حاول إجبارها، حتى وإن كان ذلك الشخص هو الأب. ولا يخفى ما في ذلك من مخالفة لعادات العرب وقتها؛ فكان ذلك امتحانا لقلوب المؤمنين بأن يرضوا بالشرع الحنيف الذي يكرم المرأة، ويحترم إرادتها واختيارها، وأن يتبرؤوا من كل النظم التي تهين المرأة وتحتقرها وتظلمها.

و كرّم الإسلام المرأة زوجة بقوله تعالى:  و من آيته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة و رحمة.[16] كما أمر الإسلام بحسن معاملة الزوجة،فقال تعالى: وعاشروهنّ بالمعروف فإن کرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا.[17]

وهذا يدل على أن الحياة الزوجية في التصور الإسلامي تقوم على الاحترام والمودة والرحمة، وليس على الظلم والإهانة. فجاءت النصوص النبوية الشريفة في هذا الباب، كلها تؤكد على هذا الحق، ومن ذلك قول النبي  صلى الله عليه وسلم  : “لا تنكح الأيّم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن”. قالوا : يا رسول الله وكيف إذنها ؟ قال : “أن تسكت”.[18] كما كان النبي صلى الله عليه وسلم  ينصف من تأتي تشتكي إجبار أبيها لها، على الزواج كما ثبت ذلك في سنته – صلى الله عليه وسلم – حيث روي : “أن جارية بكرا أتت النبيّ  صلى الله عليه وسلم، فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيّرها النبي صلى الله عليه وسلم.[19]قد كرّم الإسلام المرأة، وحفظ لها حقها في اختيار الزوج، واحترم إرادتها، وهذا الموقف من أدق المواقف في حياتها، وأمسها بمستقبلها ويتجلّى هذا التكريم وهذه الحرية للمرأة فيما يلي:

إذن البنت في الزواج: لقد أعطى الإسلام حق المرأة البكر في اختيار الزواج. عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجارية ينكحها أهلها، أتسامر أم لا ؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نعم، تسامر” فقالت عائشة: فقلت له: فإنها تستحي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فذلك إذنها، إذا هي سكتت”.[20]وبهذه الفتوى نأخذ، وأنه لا بد من استئمار البكر، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم: الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها، وإذنها صماتها”. وفي لفظ: “البكر يستأذنها أبوها في نفسها، وإذنها صماتها”، وفي الصحيحين عنه- صلى الله عليه وسلم: “لا تنكح البكر حتى تستأذن” قالوا: وكيف إذنها؟ قال: “أن تسكت”، وسألته- صلى الله عليه وسلم- جارية بكر، فقالت: إن أباها زوجها وهي كارهة، فخيّرها النبي صلى الله عليه وسلم. فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم باستئذان البكر، ونهي عن إنكاحها بدون إذنها، وخير- صلى الله عليه وسلم من نكحت، ولم تسأذن. فكيف بالعدول عن ذلك كله ومخالفته؟ [21]

واهتمام الإسلام بقضية الاختيار بين الزوجين هو في الحقيقة اهتمام بالنواة الأساسية المكونة للأسرة، فبداية الأسرة رجل وامرأة اجتمعا على قدر كبير من التفاهم، مما يؤثِّر في الأسرة عندما تكبر وتتعدد أطرافها، والأسرة هي اللبنة الأساسية للمجتمع، وعلى هذا الأساس السليم تنشأ الحضارات وتعلو القيم.

حقّ المرأة في الميراث

من الحقوق المهمة التي قررها الإسلام للمرأة حقّها في الميراث.فقد كانت المرأة في الجاهلية تحرم من الميراث، وكانوا لا يرثون إلا من يقاتل في الحروب. وجاء الإسلام وأبطل هذه العادة، وكفل لها حقّها في الميراث، وجعل لها نصيبا مفروضا من تركة والديها وأقاربها، سواء قلّ المال الموروث أم كثر.

 قال الله تعالى: للرجال نصيب مما ترك الولدان والأقربون وللنّساء نصيب ممّا ترك الوالدان والأقربون ممّا قلّ منه أو كثر نصيبا مفروضا.[22] وهكذا انتقل الإسلام بالمرأة من الحرمان من الميراث إلى إقرار حقّ شرعي ثابت لها، وحدّد نصيبها وفق أحكام المواريث التي جاءت بها الشريعة الإسلامية. ولم يجعل استحقاق للميراث مرتبطا بقدرتها على القتال أو الإسهام في الحروب، وإنما قرر لها هذا الحق بوصفها ابنة أو زوجة أو أما أو أختا، بحسب درجة القرابة وشروط الإرث. وقد ورد في السنة النبوية ما يوضح سبب نزول آيات المواريث وإقرار حق النساء فيها. فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فال: “خرجنا مع  رسول الله صلى الله عليه وسلم: حتى جئنا امرأة من الأنصار في الأسواق، فجاءت المرأة بابنتين لها، فقالت: يا رسول اللَه، هاتان بنتا ثابت بن قيس قتل معك يوم أحد، وقد استفاء عمّهما مالهما وميراثهما كلّه، فلم يدع لهما مالا إلّا أخذه، فما ترى يا رسول اللّه؟ فواللَه لا تنكحان أبدا إلّا ولهما مال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقضي الله في ذلك، قال: ونزلت سورة النساء: يوصيكم الله في أولادكم الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدعوا لي المرأة وصاحبها فقال لعمها: أعطهما الثلثين وأعط أمهما الثمن، وما بقي فلك”.[23]

قال الله تعالى: “يوصيكم الله في أولادكم للذّكر مثل حظّ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهنّ ثلثا ماترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس ممّا ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمّه الثلث فإن كان له إحوة فلأمه السدس من بعد وصيّة يوصي بها أو دين أباءكم وابناؤكم لاتدرون أيّهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما.” [24]أي يأمركم الله أن تقسطوا للذّكر مثل حصة البنتين، و ذلك لأن الرجل هو الذي ينفق علي عياله،وهو الذي يدفع المهر للمرأة. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “كان المال للولد، وكانت الوصيّة للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحبّ، فجعل للذّكر مثل حظّ الأنثيين، وجعل للأبوين لكلّ واحد منهما السّدس والثلث، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزّوج الشّطر والرّبع”.[25]

    الحالات التي ترث فيها المرأة نصف الرجل هي أربع حالات كما حددتها الشريعة

1 – الأخت مع وجود أخيها: قال الله تعالى: “يوصيكم الله في أولادكم للذّكر مثل حظّ الأنثين”

2 – الأم مع وجود الأب وليس للولد المتوفى أو البنت المتوفاة، زوج أو زوجة أو أبناء: قال تعالى: فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه ‌فلامه ‌الثّلث”.

3  – وجود الأخت الشقيقة أو لأب مع الأخ الشقيق أو لأب: قال تعالى:   “وإن كانوا إخوة ‌رجالا ‌ونساء فللذكر مثل حظّ الْأنثيين”.

4  – ترث الزوجة نصف ما يرث زوجها إذا توفي أحدهما  قال تعالى:  “ولَكم نصف ما ‌ترك ‌أزواجكم إن لم

يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصيَة يوصين بها ْأدين ولهن الربع مما تركتم

إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين”.[26]

الاختتام

خلصت هذه الدراسة إلى أن الإسلام أحدث تحولا بارزا في مكانة المرأة العربية، إذ أقرّ لها حقوقا أساسية تقوم على الكرامة الإنسانية والعدل والمسؤولية، وأكد أهليتها للمشاركة في الحياة الأسرية والاجتماعية والعلمية. كما يبرز التاريخ الإسلامي نماذج متعددة لنساء أسهمن في مجالات العلم والأدب والرواية والعمل الاجتماعي، مما يدل على أن دور المرأة لم يكن محصورا في المجال الأسري وحده. وعليه، فإن دراسة مكانة المرأة في الإسلام ينبغي أن تستند إلى النصوص الشرعية والوقائع التاريخية، مع مراعاة اختلاف الظروف الاجتماعية والثقافية بين العصور، بعيدًا عن التعميم والصور النمطية. وتؤكد هذه الدراسة أن المرأة كانت ولا تزال عنصرا أساسيا في بناء الأسرة والمجتمع والحضارة، وأن حفظ حقوقها وكرامتها يمثل جانبا مهما من مقاصد الإسلام في تحقيق العدل وصيانة الإنسان.

الهوامش

  1. القرآن الكريم،  سورة التكوير، الآيتان   ٨ /٩.
  2. القرآن الكريم،   سورة الاسراء، الآية     ٣١  .
  3. القران الكريم،  سورة الحجرات، اللآية   ۱۳ .
  4. القران الكريم،  سورة النساء، اللآية    ۱.

5 .  القران الكريم،   سورة الأحزاب، اللآية    ۳۵.

6 .  القران الكريم،   سورة التوبة، الآية  ١٧.

7 .    القرآن لاكريم،  سورة التكوير، الآيتان   ٨ /٩.

8 .    القرآن الكريم،  سورة الاسراء، الآية  31.

  1. القرآن الكريم،  سورة الإسراء، الآية  70.
  2. القران الكريم،   سورة التوبة، الآية    ١٧.

11   القرآن الكريم،   سورة النساء،  الآية    19.

  1. القرآن الكريم، سورة العلق، الآيات، 1 – 5.
  2. القرآن الكريم، سورة طه، الآية  114.
  3. القرآن الكريم، سورة المجادلة، الآية، 11.
  4. القرآن الكريم،  سورة الزمر، الآية   9.

16 .  محمد بن يزيد ابن ماجه، سنن ابن ماجه، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، باب فالعلماء والحث على

          طلب العلم، حديث رقم، 224.

  1. القران الكريم،   سورة الروم، اللآية  ٢١.
  2. الفرآن الكريم،  سورة النساء، الآية   19 .
  3. البخاري، صحيح البخاري، كتاب النكاح، حديث رقم 516، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

20 .  أحمد بن حنبل، مسند أحمد؛ وأبوداود، سنن أبي داود، وابن ماجه،حديث رقم

21 .    البخاري، صحيح البخاري، كتاب النكاح، حديث رقم  5137

22  .  ابن القيم الجوزية،إعلام الموقعين عن رب العالمين، ج . 4،   ص، 260-261

23  .  القرآن الكريم،  سورة النساء، الآية  7 .

24 .   أبو داود، سنن أبي داود، رقم الحديث، 8145 ، ص، 2891

25 .  القرآن الكريم،  سورة النساء، الأية   11.

  1. البخاري، صحيح البخاري، كتاب التفسير حديث رقم 4578 .

27 .   القرآن الكريم،  سورة النساء، الأية   11.

المصادر والمراجع

1- القرآن الكريم.

2- محمد بن يزيد ابن ماجه، سنن ابن ماجه، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، باب فالعلماء والحث على

          طلب العلم.

3- البخاري، صحيح البخاري، كتاب النكاح.

4- أحمد بن حنبل، مسند أحمد؛ وأبوداود، سنن أبي داود، وابن ماجه.

5- ابن القيم الجوزية،إعلام الموقعين عن رب العالمين، ج . 4.

6- أبو داود، سنن أبي داود.