عامر حسين دار
الباحث بقسم اللغة العربية وآدابها
جامعة علي كره الإسلامية
الملخص:
تعد التربية عملية استنهاض للملكات الإدراكية والحركية والانفعالية والاجتماعية في الطفل، لإحداث تغيير إيجابي مقصود في سلوكياته بما يضمن الارتقاء به ليصبح عنصرا فاعلا في تلبية متطلبات العصر ومواجهة تحديات المستقبل مستثمرا خبراته الماضية والموارد البيئية لصالح الفرد والمجتمع. وتطرأ على الطفل تغييرات عديدة عبر مراحل نموه المختلفة تساهم في تشكيل شخصيته فكرا وسلوكا من خلال التربية ومؤسساتها الممتدة من الأسرة إلى المدرسة والمجتمع والإعلام. وهنا تبرز أهمية الأدوار التي تلعبها هذه المؤسسات في صياغة كيان شخصية الطفل ونحت معالمها.
تعالج هذه الدراسة الأدوار التي تقدمها المؤسسات التربوية في تنشئة الناشئة، والمناهج التي غدت آليات لتنظيم مكونات منظومتهم الفكرية وتوجيه سلوكياتهم. ورغم تعدد أساليب التربية التي يستخدمها الآباء والمربون عبر التاريخ وتناولها علماء النفس عامة وعلماء النفس التربوي خاصة، فإن هذه الدراسة تقتصر على ثلاثة أساليب رئيسية، هي: أسلوب القدوة والملاحظة، وأسلوب التعويد والتدريب، وأسلوب الترهيب والترغيب متضمنة إشارة موجزة إلى بعض أساليب التربية في ومقاربتها مع أحدث النظريات التربوية المعاصرة.
الكلمات المفتاحية: المؤسسات التربوية، الطفل، الأسرة، المدرسة، المجتمع.
المقدمة:
إن التربية مجموعة من السلوكيات والتصرفات التي تسعى إلى تنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات بما يخدم مصالح المجتمع، تتفق أو تتعارض مع الأعراف السائدة تبعا للفترة الزمنية وتتابع الأجيال. فكل جيل يضيف من حلال خبراته المتراكمة، مبادئ تربوية جديدة إلى الجيل الذي يليه لمساعدته على تخطي عقبات الحاضر. وفي المقابل يسعى الجيل اللاحق إلى إسقاط بعض تلك المبادئ لتعارضها مع موجبات العصر المتغيرة وإضافة مبادئ جديدة تفيد في تذليل المصاعب وتنسج أواصر جديدة تسهم في تبادل المصالح المشتركة بين أفراد. وإن أسلوب التربية بالرغم من أنه مسعى جيل ما لنقله إلى جيل اللاحق مع الحذف والإضافة لجملة من السلوكيات والأفعال بما يتواءم ومتطلبات الحياة لكنه يختلف في الشكل من أسرة إلى أخرى ومن فئة اجتماعية إلى أخرى ومن مجتمع لآخر ولا سيما في المجتمعات التقليدية التي تأسرها الأعراف والموروثات، وتفتقر إلى المؤسسات الرسمية والمدنية التي تسهم في تشذيب تلك الموروثات أو إضافة سبل جديد ة تذلل من عقبات الحاضر[1]. وبناء على ذلك، فإن التربية وما تحمل من معان ومفاهيم لا يمكن فصلها بشكل كامل عن جملة المفاهيم والمعاني المكتسبة عبر الأجيال، وإن اختلفت عنها في الشكل والهيئة لمواكبتها للحياة المعاصرة ومتطلباتها.
وتتطور شخصية الطفل في جميع الجوانب خلال المؤسسات التي تساهم قدرا كبيرا في تشكيلها وتحديد معالمها عبر التوجيه والإرشاد والتلقين وإشباع الحوائج وتزويده بالعدة اللازمة حسب المراحل المختلفة في الحياة مراعيا مستواه العقلي والنفسي والجسدي والروحي. تتمثل هذه المؤسسات في الأسرة والمدرسة والمجتمع من إطار خاص والمؤسسات الأخرى من إطار عام، وتحقيق أهداف التربية يتطلب تكاملا بين هذه المؤسسات المختلفة التي تؤثر في حياة الفرد والمجتمع. إذ تشكل هذه المؤسسات بيئة متكاملة بالتعاون والتنسيق فتساهم في بناء شخصية الفرد وتطويرها من كافة الجوانب التي يشير إليها علم النفس. وفيما يلي تفصيل للأدوار التي تقمصها هذه المؤسسات:
أولا: مؤسسة الأسرة:
تعتبر الأسرة من أولى المؤسسات التربوية التي تؤثر في شخصية الطفل، حيث تنقل له القيم والمبادئ الأساسية وتكون بيئة داعمة لنموه الشخصي والاجتماعي. فهي اللبنة الأولى يحتك الطفل بها احتكاكا مباشرا ومستمرا في سنواته الابتدائية. ومن ثم هي التي تشكل شعوره الذاتي والاجتماعي وترسخ فيه القيم والعادات والتقاليد وأنماط السلوك الإنساني المختلفة. ويتطور الطفل من كونه مرتكزا حول الذات إلى مرتكز حول ما يحيط به من البيئة والمجتمع. وتمتد الوظائف الأساسية التي تقوم بها الأسرة من إشباع حاجات الطفل البيولوجية والعقلية والعاطفية والنفسية والأخلاقية إلى توفير بيئة ملائمة داعمة في نمو قدراته واستعداداته ومهاراته وما يلزم من التفاعل الإيجابي بالمجتمع وتحمل المسؤولية فيه.
ولم تختف حقيقة الأمر عن الإنسان أن المرحلة المبكرة في الطفولة خاصة إلى السن الثالثة تمثل المرحلة أكثر حساسية، حيث ينمو الدماغ أسرع بالمقارنة مع مراحل أخرى، ففي هذه المرحلة يتكون 80% من دماغ الطفل. وحتى تنمو أدمغة الأطفال نموا سليما في هذه الأعوام، هم بحاجة إلى بيئة آمنة تحيطهم بالطمأنينة والحب، وتتيح لهم التغذية السليمة، وإلى التحفيز من آبائهم وأمهاتهم أو من يتولون رعايتهم. وتعد هذه المرحلة سانحة لوضع اللبنة الأولى للصحة والعافية التي تنشأ عنها منافع تدوم طوال العمر وتمتد إلى الجيل التالي[2]. وتعد الأسرة الإطار الأول الذي تتبلور داخله أنماط الاتصال الاجتماعي التي يمارسها الطفل في سنواته الأولى، إذ تشكل هذه التفاعلات المبكرة الأساس الذي يقوم عليه نموه الاجتماعي والنفسي في المراحل اللاحقة من حياته. ويعد الوالدان النموذج التربوي الأبرز الذي يحتذي به الأبناء، سواء أكان ذلك بصورة واعية أم غير واعية، لما لهما من تأثير مباشر في تشكيل القيم والاتجاهات والسلوكيات لدى الطفل[3].
كما تسهم تصورات الأدوار التي يؤديها أفراد الأسرة وطبيعة العلاقات السائدة بينهم في تكوين النمط السلوكي للطفل، إذ يكتسب من خلالها أساليب التعامل مع الآخرين وطرائق التعبير عن المشاعر وضبط الانفعالات. وباعتبار الأسرة أولى المؤسسات التربوية في المجتمع، فإن صلاحها وتماسكها يوفران بيئة ملائمة لنمو شخصية متوازنة تتسم بالثقة بالنفس والاعتماد عليها واحترام الآخرين والقدرة على التعاون والتفاعل الاجتماعي الإيجابي، فضلا عن تنمية قيم الشجاعة، والتسامح والتضحية وتحمل المسؤولية والاهتمام بشؤون الذات والغير. وتسهم هذه القيم مجتمعة في رسم المعالم الأساسية لسلوك الفرد وتوجهاته وانتمائه الحضاري في المستقبل.
وعلى النقيض من ذلك، فإن الأسرة التي تعاني من التفكك أو يسودها الاضطراب والصراع المستمر في العلاقات أو تتسم بأساليب تربوية غير سليمة، فإن ذلك ينعكس سلبا على شخصية الطفل ويؤدي في كثير من الأحيان إلى اضطرابات نفسية وسلوكية تظهر في صورة عدوانية أو سلوكيات منحرفة أو غير متوازنة لدى الطفل. كما قد تؤدي أساليب التربية الخاطئة إلى كبت قدرات الطفل وإهدار مواهبه الفطرية التي يمتلكها الطفل والتي تتطلب التوجيه والإرشاد التربوي السليم لاكتشافها وتنميتها واستثمارها بالشكل الأمثل.
وتزداد هنا أهمية اختيار أساليب التربوية السليمة في مرحلة التنشئة لكونها من أكثر المراحل عرضة للتأثيرات البيئية والاجتماعية المحيطة، التي تسهم بدرجة كبيرة في وضع الأسس الأولى لصحة الفرد الجسدية والنفسية، وتعزيز قدرته على التعلم والإنتاج على امتداد مراحل حياة كافة. ولا يقتصر أثر هذه المرحلة على الفرد وحده بل يمتد ليشمل صحته وعافيته وقدراته المستقبلية، بل يتجاوز ذلك ليؤثر في الجيل اللاحق، بما يجعلها مرحلة حاسمة في بناء الإنسان وتنمية المجتمع. ولذا أن جودة التنشئة الأسرية تعد عاملا حاسما في بناء الإنسان الصالح القادر على التكيف الإيجابي مع مجتمعه والمساهمة الفاعلة في تقدمه. وتشير الدراسات التربوية والنفسية إلى أن التنشئة الأسرية السليمة تمثل الأساس المتين لبناء شخصية قادرة على التعلم المستمر والمشاركة الإيجابية في الحياة الاجتماعية كما أن الأسرة الواعية تسهم في غرس القيم الأخلاقية والإنسانية التي تحصن الفرد من الانحراف وتساعده على مواجهة التحديات المعاصرة بثقة واتزان، ومن ثم فإن الاهتمام بالأسرة وتطوير أساليبها التربوية يعد ضرورة تربوية واجتماعية لضمان تنشئة أجيال صالحة قادرة على الإسهام في تقدم المجتمع واستقراره. ويمكن تلخيص دور الأسرة في تنشئة الطفل من خلال النقاط التالية:
- إشباع الحاجات البيولوجية الأساسية للطفل وتوفير الرعاية الصحية الملائمة التي تضمن نموه الجسمي السليم وحمايته من الأمراض بما يهيئه للتعلم والتفاعل الإيجابي مع محيطه.
- الإسهام في تثقيف الطفل وتعليمه من خلال تنمية مهاراته اللغوية والمعرفية وتشجيعه على التعلم المبكر وغرس حب المعرفة والاستطلاع في نفسه.
- تنشئة الطفل تنشئة دينية منذ صغره على أسس تنفعه في دينه ودنياه
- توفير جو من الحب والاهتمام والرعاية الشاملة، لما لذلك من أثر بالغ في تحقيق الأمن النفسي والاستقرار العاطفي الأمر الذي ينعكس إيجابا على سلوك الطفل وثقته بنفسه.
- فهم رغبات الطفل وميوله واهتماماته والتعامل معه بما يتناسب مع خصائصه النمائية وقدراته الفردية بما يعزز شعوره بالتقدير والقبول.
- الاستماع الواعي إلى الطفل ومناقشته في القضايا التي تهمه وإتاحة الفرص له للتعبير عن آرائه ومشاعره مما يسهم في تنمية مهارات الحوار والتفكير لديه.
- غرس القيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية الفاضلة مثل الصدق والاحترام والمسؤولية والتسامح بما يساعد الطفل على التمييز بين الصواب والخطأ.
- تعزيز التواصل الفعال بين أفراد الأسرة وتنمية روح الانتماء للأسرة مما يرسخ لدى الطفل الإحساس بالهوية الاجتماعية والاستقرار الأسري.
- تمثيل القدوة الحسنة أمام الطفل في القول والعمل إذ يكتسب الطفل كثيرا من سلوكياته من خلال التقليد والمحاكاة.
- توجيه الطفل وتقديم الإرشاد والاستشارات اللازمة له بما يعينه على اتخاذ القرارات الصحيحة ومواجهة المشكلات التي قد تعترضه في مراحل نموه المختلفة.
- تكامل دور الأسرة وتنسيقه مع المؤسسات التربوية الأخرى كالمؤسسة التعليمية والمجتمع، بما يحقق وحدة الأهداف التربوية ويعزز فعالية التنشئة.
- نقل الثقافة الاجتماعية والقيم المجتمعية إلى الأطفال وتعريفهم بعادات المجتمع وتقاليده بما يسهم في إعدادهم للاندماج الإيجابي في الحياة الاجتماعية.
ثانيا: مؤسسة المدرسة:
تعد المدرسة المحضن التربوي المتخصص التي تقوم بعملية التربية المقصودة، فالمدرسة مؤسسة تربوية أنشأها المجتمع لتربية وتعليم الأطفال نيابة عن الكبار وظيفتها تبسيط التراث الثقافي وخبرات الكبار وتقديمها في نظام تدريجي يتفق مع قدرات الأفراد، كما توفر بيئة اجتماعية أكثر اتزانا من البيئة الخارجية مما يؤثر في تنشئة التلميذ وتكوين شخصية جيدة تمكنه من التفاعل والتوافق مع المجتمع [4]. فهي مؤسسة تربوية التي تلعب دورا مكملا لدور الأسرة في بناء شخصية الطفل وتشكيل سلوكياته وتزويده بالمعاني والمعارف والمواقف الاجتماعية التي تعزز وعيه بدوره في المجتمع كما تعينه على تفهم الأدوار الآخرين والتفاعل معهم بشكل إيجابي. بالإضافة إلى ذلك، تتيح له الفرص في اكتساب القيم الاجتماعية المرغوب ترسيخها في نفس الطفل، بما يعزز من تكامله الاجتماعي ويؤهله للانخراط الفعال في الحياة المجتمعية.
فالمدرسة امتداد طبيعي لمؤسسة الأسرة لما تقوم به من دور تكاملي في نقل القيم والمعارف وتنمية الوعي الاجتماعي، فضلا عن توفير الرعاية النفسية الضرورية خلال التنشئة الاجتماعية. وعمليتا التعليم والتعلم الذي تقدمه المدرسة من أبرز المصادر التي تسهم في تنمية قدرات التلميذ، حيث تساعده على التكيف مع متطلبات الحياة المتجددة. وتضطلع المدرسة بمهمة نقل التراث الثقافي للأجيال السابقة إلى الأجيال الحاضرة مع صيانة، والإضافة إليه من خلال استيعاب الابتكارات والمعارف الجديدة التي تنتجها الأجيال المعاصرة. كما توفر المدرسة بيئة تعليمية تمكن التلميذ من التعرف على العالم الخارجي والتفاعل مع بيئة أوسع من محيطه المباشر، سواء من الناحية الثقافية أو الأخلاقية. وتسهم كذلك في تعزيز الحوار المجتمعي بين فئات المجتمع المختلفة، مما يعزز من بناء وعي جماعي متماسك.
وفي المدرسة تنمو ذات الطفل من تصور الآخرين عن طريق عملية الامتصاص الاجتماعي ويزداد شعوره بقيمته كما يتعمق الشعور بالحب والعطف والحنان. يسعى الطفل لتعزيز صورته في أعين الآخرين, وتتطور مقدرته على التعبير عن الذات في النشاط العقلي وفي النشاط الاجتماعي خاصة في مرحلة الطفولة المتأخرة[5].
ثالثا: مؤسسة المجتمع:
يشكل المجتمع الإطار البيئي الأوسع الذي يعيش فيه الفرد، ويتفاعل من خلاله مع منظومة متكاملة من القيم والثقافات والعادات والتقاليد السائدة. ويؤدي المجتمع دورا مكملا ومحوريا في تعزيز ما يكتسبه الفرد داخل الأسرة والمؤسسات التعليمية، إذ تتيح له الحياة الاجتماعية تطبيق ما تعلمه نظريا في مواقف واقعية، بما يسهم في بناء شخصيته بصورة متوازنة.
ويعد المجتمع عاملا حاسما في تربية الطفل وتنشئته الاجتماعية، حيث ينمو مرتبطا بالمكان الذي يعيش فيه، ومتأثرا بالأشخاص الذين يتعامل معهم يوميا من الكبار والصغار، كالمعلمين والأقران والجيران. كما تؤثر العادات المحلية والتقاليد الاجتماعية وأنماط التواصل السائدة بين أفراد المجتمع تأثيرا مباشرا في سلوكيات الطفل ونموه النفسي والاجتماعي. ومن خلال هذه البيئة المعايشة، تغرس في الطفل القيم الأخلاقية والتقاليد الاجتماعية، وتتشكل هويته الثقافية وانتماؤه الحضاري.
ومن خلال الممارسات الدينية، والوعي الاجتماعي، والعادات والتقاليد المتوارثة، يتعرف الأطفال إلى تراثهم الثقافي ومعايير مجتمعهم الأخلاقية، وينمو لديهم شعور بالانتماء إليه باعتبارهم جزءا لا يتجزأ من هذا الكيان الاجتماعي. كما يوفر المجتمع فرصا واسعة للتفاعل الإيجابي مع الأقران والآخرين، الأمر الذي يتيح للأطفال بناء صداقات وعلاقات اجتماعية خارج إطار الأسرة المباشرة، وهو ما يسهم في تنمية الثقة بالنفس، وتعزيز مهارات التواصل، والتعاطف، والتعاون، والعمل الجماعي.
ويتعلم الطفل داخل المجتمع المعايير والسلوكيات التي تنظم علاقته بالجنس الآخر منذ سن مبكر، حيث يغرس فيه الاحترام المتبادل والتفهم والتعامل الإيجابي، مع التأكيد على مبدأ الحقوق والواجبات لكلا الجنسين، بما يتوافق مع الخصائص النفسية والجسدية لكل منهما، ويسهم في بناء علاقات اجتماعية سليمة ومتوازنة. كما يعد العمل التطوعي والمشاركة الفاعلة في المبادرات والأنشطة الاجتماعية من أهم الوسائل التي تنمي لدى الطفل والشباب الشعور بالمسؤولية الاجتماعية، وتعزز لديهم الرغبة في خدمة المجتمع والمساهمة في تطويره، بما يساعدهم على إحداث أثر إيجابي ملموس في محيطهم الاجتماعي.
ويقع على عاتق المجتمع مسؤولية كبرى في ضمان سلامة الأطفال وحمايتهم، من خلال الدفاع عن حقوقهم، وتوفير بيئة آمنة داعمة للنشأة السليمة، إلى جانب توفير البنية التحتية المناسبة، ووسائل النقل الآمنة، وتنظيم حملات التوعية والتثقيف التي تسهم في حمايتهم من المخاطر المختلفة، وتضمن نموهم في إطار صحي ومتوازن. ويبرز هنا دور عامل البيئة كعنصر هام إلى جانب التربية الصحيحة، حيث تسهم البيئة بمفهومها الشامل الذي يشمل الأسرة والمدرسة والأقران والمجتمع، في تعزيز القيم العليا وصياغة المفاهيم الذهنية لدى الناشئين، والتفاعل الإيجابي بين البيئة الصالحة والمنهج التربوي المنظم يعزز فرص التنشئة للأطفال على الأخلاق الحميدة والمهارات الضرورية في الحياة، والتكامل بينهما يشكل إطارا متكاملا لضمان النمو السليم للأطفال ويستدعي تعاونا مؤسسيا بين الأسرة والمؤسسات التربوية الأخرى.
إن المؤسسات التربوية التي سبق ذكرها لا تقتصر وظيفتها على أدوارها النظرية فحسب، بل تمتد إلى الآليات التنفيذية والأساليب المنهجية التي تحول بها هذه الأدوار إلى واقع ملموس. وتمثل هذه الآليات الأدوات الفاعلة التي تسهم من خلالها كل مؤسسة معالم الشخصية، وتصوغ عبرها منظومتها الفكرية والقيمية والسلوكية.
آليات التربية
تستمد التربية مفهومها وأساليبها في أي مجتمع إنساني من النظريات الفكرية السائدة فيه، وتتشكل منهجياتها وأساليبها بناء على الرؤية العامة لذلك المجتمع تجاه الإنسان والكون والحياة والعلاقات المتبادلة بينها. كما يتأثر تطور المفهوم التربوي بمجموعة من العوامل المتداخلة، مثل البنية الحضارية والمستويات السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية فضلا عن طبيعة العصر وتحولاته ومتطلباته وأهداف مستقبلية يسعى المجتمع إلى تحقيقها.
ولذلك فإن المفهوم التربوي ليس كيانا جامدا أو مفهوما عالميا موحدا بل هو مفهوم ديناميكي متغير بتغير السياقات الزمانية والمكانية، الأمر الذي يؤدي إلى تباين النظريات التربوية من مجتمع إلى آخر ومن حقبة تاريخية إلى أخرى. وينعكس هذا التباين مباشرة على المناهج والأساليب المعتمدة في إعداد الأفراد وتنشئتهم، ليكونوا أعضاء فاعلين يسهمون في تنمية مجتمعاتهم ويستجيبون بكفاءة للتحديات التي يفرضها واقعهم ومحيطهم. ومن هنا تبرز أهمية النظر في التربية لا كمجموعة من الآليات والأدوات فحسب، بل كعملية اجتماعية ثقافية تستند إلى فلسفة مجتمعية شاملة وتسعى إلى بناء الإنسان بناء متكاملا في أبعاده العقلية والروحية والأخلاقية والاجتماعية.
كلما ازداد المجتمع الإنساني تطورا وتقدما حضاريا، ازدادت حاجة الإنسان إلى التربية والتعلم مما يفرض على الأفراد ضرورة اكتساب قدر أكبر من المعارف والمهارات الحياتية والسلوكيات الإيجابية التي تمكنهم من التكيف مع متطلبات الحياة المتجددة. فتطرأ الحاجة للإنسان إلى اكتشاف الأساليب والمناهج التربوية الفعالة التي تساعد على تحقيق الأهداف المرجوة من العملية التربوية.
وقد سبقت الشريعة الإسلامية إلى رسم أساليب تربوية سديدة، اعتمد عليها الأولون في تربية الأجيال قبل أن يجد علم النفس التربوي طريقة إلى التطوير في العصر الحديث. وبما أن الشريعة تكلف الإنسان بأحكام تواءم الفطرة التي خلق عليها -إذ الشارع أعلم بنفس البشر من غيره-فلا تعارض ولا تناقض بين الفطرة والشريعة. ومع ذلك يضطلع علماء النفس بوجه عام، وعلماء النفس التربوي بوجه خاص، بدور مهم في صياغة الأساليب التربوية والمناهج العلمية المناسبة إلى جانب تحديد النتائج التعليمية والتربوية المتوقعة، بما يتلاءم مع الخصائص النمائية للمراحل العمرية المختلفة. وانطلاقا من هذا الدور الذي تضطلع به الشريعة وعلم النفس التربوي، تبرز في الميدان التطبيقي مجموعة من الأساليب والاستراتيجيات الأساسية التي تعد ركائز أساسية لا غنى عنها في بناء الشخصية الإنسانية وتوجيه السلوك البشري، ويأتي في مقدمتها:
أولا: التربية بالقدوة والملاحظة
تلعب القدوة دورا محوريا في التربية خاصة في المرحلة المبكرة من الطفولة حيث تتشكل لدى الطفل بعض المشاعر والأحاسيس تجاه محيطه، ويبدأ باكتساب الأقوال، والأفعال، والسلوكيات ممن حوله عبر المحاكاة. وهي من أنجح الوسائل المؤثرة في إعداد الولد خلقيا وتكوينه نفسيا واجتماعيا، ذلك لأن المربي يمثل في نظر الطفل ’’ المثل الأعلى‘‘ والأسوة الصالحة يقلده سلوكيا ويحاكيه خلقيا دون وعي تام، إذ تنطبع في وجدانه الصور القولية والفعلية والحسية والمعنوية للمربي، من هنا تبرز القدوة كعامل حاسم في صلاح سلوك الطفل أو انحرافه. والطفل حين يجد أبويه ومربيه قدوة صالحة، فإنه يتشرب مبادئ الخير ويتطبع على أخلاق الإسلام. والتربية بالقدوة تعني قدوة الأبوين وقدوة الرفقة الصالحة وقدوة المعلم ومن هو أكبر في الأسرة. هذه التربية من أعظم العوامل المؤثرة في إصلاح الولد وهدايته وإعداده لعضوية المجتمع والحياة[6]. ولقد كان لهذه الطريقة أثر بالغ في تعليم الأطفال وتثقيفهم وتغيير اتجاهاتهم وتعديل سلوكهم والأخذ بيدهم نحو بناء الشخصية المتكاملة والمجتمع الواعي. وتقارب من هذه الرؤية التربوية بعض النظريات في علم النفس الحديث وتحديدا نظرية التعلم بالملاحظة للعالم ’’ ألبرت بندورا ’’ والتي تؤكد أن جانبا كبيرا من السلوك الإنساني يكتسب من خلال اتباع نموذج أو قدوة حية وواقعية، سواء تم ذلك بقصد أو دون قصد. فمن خلال ملاحظة سلوك الآخرين، تتكون لدى الفرد تصورات معرفية حول كيفية تشكل السلوك وأبعاده، الأمر الذي يتيح له إعادة إنتاجه أو تعديله بصورة قد تتسم بالإبداع أو التجديد. ولا يقتصر دور الملاحظ هنا على تقليد الاستجابات الظاهرة فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى استخلاص سمات مشتركة من استجابات مختلفة، وبناء تعميمات أو قواعد سلوكية تساعده على تفسير السلوك الإنساني والتنبؤ به. ومن خلال هذا التنظيم المعرفي، يصبح الطفل قادرا على تجاوز حدود ما رآه أو سمعه فعليا، وتطوير أنماط جديدة من السلوك تختلف عن السلوكيات الأصلية التي تمت ملاحظتها، مما يعكس الدور النشط للعمليات العقلية في التعلم بالملاحظة[7]. ووفقا لهذه النظرية، فإن التعلم الاجتماعي القائم على الملاحظة يقوم على عمليات من الانتباه القصدي بدقة تكفي لتمثيل المعلومات والاستجابات المراد تعلمها داخل المجال الإدراكي والمعرفي للفرد الملاحظ. حيث تؤثر هذه العمليات في انتقاء الأنماط السلوكية الصادرة عن النموذج واختيار ما يجب اكتسابه وتعلمه وما يمكن إهماله أو تجاهله.
وتحتاج النظريات التربوية إلى مناهج تطبيقية فاعلة وإلى ممارسين قادرين على تحويلها إلى واقع ملموس، إذ لا يتحقق قيمتها التربوية ولا تظهر جدواها الحقيقية ما لم تتحول إلى سلوك عملي يمارسه المربون في مواقف التعليم والتنشئة. وانطلاقا من هذا المبدأ يتضح منهج النبي ﷺ في القدوة بوصفه من أنجح الوسائل في التربية، حيث جسد تعاليم الإسلام ومبادئه في سلوك عملي واقعي فتحولت القيم المجردة إلى نماذج حية يشاهدها الناس ويتفاعلون معها- الأمر الذي أسهم في ترسيخ القيم في النفوس وتحقيق أثر تربوي عميق ومستدام. فقد كان – صلى الله عليه وسلم -إذا أمر بشيء عمل به أولا، وإذا نهى عن شيء كان أول المنتهين عنه، محققا بذلك الترجمة العملية لحقيقة الإسلام، مصداقا لقول الله تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكَمْ فيْ رَسُوْلِ اللهِ أسوةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ والْيَوْمَ الآخِرَةِ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيْرا﴾ (الأحزاب: 21).
وبناء على هذا المنهج، يشترط في المعلم والمربي أن يتمثل المبادئ التي يدعو إليها، حتى لا يكون هناك تناقض بين قوله وفعله وحتى يتخذه المتعلمون قدوة لهم في كل حركاته وسكناته فضلا عن أخلاقه ومنهجه وإلا فإن التربية تتقلب إلى تلقين وضغط وتسميع دون أي أثر عملي لها[8].ويؤكد الباحثون في مجالات التربية وعلم النفس أن الطفل- وإن ولد بطبيعة سليمة واستعداد فطري لفعل الخير- فإنه بحاجة إلى بيئة تربوية داعمة تجسد أمامه تلك القيم التي يراد منه اكتسابها. ولا يكفي في هذا السياق تقديم المبادئ نظريا أو تلقينها شفهيا، بل تبرز أهمية النموذج السلوكي المتمثل في المربي، سواء كان والدا أو معلما أو أي شخص بالغ مؤثر. فالمربي الذي يتمثل القيم في سلوكه اليومي يحدث أثرا أعمق في نفس الطفل من أي خطاب تربوي. ومن هنا، فإن التوافق بين القول والفعل في سلوك المربي يعد شرطا أساسيا لنجاح العملية التربوية، كما أن غيابه يؤدي إلى فقدان الطفل للثقة والقدوة، مما يضعف من استجابته ويقلل من فاعلية التوجيه التربوي. وهذا يؤكد أن التربية ليست مجرد نقل معارف أو تلقين مبادئ، بل هي قبل كل شيء تفاعل إنساني يقوم على القدوة والتأثير العملي. ومن الملاحظ أن نزوع الأطفال إلى التقليد والمحاكاة نزع فطري من حيث يحاكون من حولهم من الأشخاص في الأقوال والأفعال والسلوكيات، فإدراك هذه المحاكاة وأهميتها يجعل من اللازم على القائمين بالتربية أن لا يهملوا هذا الجانب إذ هم تحت مراقبة الأطفال على الدوام وما يصدر عنهم مدخرة في ذهن الطفل ويحاول محاكاة ذلك عندما عرض عليه نفس المشهد ما عرض على مربيه من قبل. والتربية بأسلوب القدوة تتم عن طريقين:
- 1. التأثير العفوي غير المقصود: ويحدث عندما يتسم المربون تلقائيا بالأخلاق الفاضلة والسلوك السوي والوعي المعرفي، فيتأثر الطفل بهم مباشرة بدافع التقليد والمحاكاة الفطرية لما يختزنه ذهنه من مشاهدات يومية متكررة.
- 2. التأثير المقصود: يتمثل في تعمد المربي أو المعلم أداء سلوك نموذجي معين مستهدف، بدافع توجيه الطفل ومساعدته على اكتساب هذا السلوك وتقليده بشكل منهجي ومنظم.
ثانيا: التربية بالتعويد والتدريب
ويقصد بالتعويد أن يقوم المربون بتدريب الأطفال على عادات وسلوكيات ومهارات معينة من خلال التكرار والممارسة يرفدهما التلقين المستمر والتشجيع الممنهج، بهدف إكسابهم القيم والأخلاق الحسنة والمثل العليا ليصبحوا أفرادا صالحين وأعضاء فعالين في المجتمع.
ويقر الإسلام بأن الإنسان خلق على فطرة سليمة نقية وهي الفطرة التي فطره الله عليها خالية من الانحراف كما جاء في الحديث النبوي الشريف:
“كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه”، (البخاري )
مما يدل على أن الطفل يحمل في تكوينه الإنساني مرونة عالية واستعدادا للتأثر بالتوجيه، وأن مسار تشكيله السلوكي محكوم بالعوامل والبيئات الخارجية. ومن هنا تعد التربية من خلال التعويد والتلقين والتأديب من أبرز تلك العوامل المؤثرة في تشكيل شخصية الطفل وبناء منظومته الأخلاقية والمعرفية، لأن مرحلة الطفولة تعد من أكثر المراحل حساسية وتأثرا بالمؤثرات البيئية والتربوية، وهي التي يبنى عليها مستقبل الفرد من حيث القيم التي يتبناها والمعارف التي يكتسبها والاتجاهات السلوكية التي يطورها. وعندما يتوفر للطفل عامل التربية السليمة التي تقوم على أسس تربوية راسخة إلى جانب بيئة اجتماعية صالحة فإن فطرته النقية تميل تلقائيا نحو الفضائل الأخلاقية والقيم الإنسانية والمعارف النافعة، وهو ما يجعله عنصرا قابلا للتشكيل الإيجابي وقادرا على تحقيق النمو الكامل. ولذا قال رسول الله ﷺ:
‘‘ما نحل والد ولدا أفضل من أدب حسن’’ (مسند أحمد)
وبناء على ذلك يتضح أن المنهج الإسلامي في إصلاح سلوك الصغار وتربيتهم يعتمد على أسلوبين[9]:
- أسلوب التلقين: ويمثل الجانب النظري المعرفي في التربية والإصلاح
- أسلوب التعويد: ويمثل الجانب التطبيقي العملي في الإعداد والتكوين
ولما كانت قابلية الطفل وفكرته في التلقين والتعويد أكثر قابلية من أي سن آخر أو من أية مرحلة أخرى كان لزاما على آباء وأمهات ومعلمين أن يركزوا على تلقين الولد الخير وتعويده إياه منذ أن يعقل ويفهم حقائق الحياة. وفي هذا السياق يقول الإمام الغزالي ’’ الصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة، وهو قابل لكل نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب، وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القيم عليه الوالي له’’[10]. ويتطلب إنماء السلوكيات المعينة لدى الأطفال واكتساب المهارات المختلفة عبر التكرار مراقبة مستمرة وملاحظة دائمة من قبل المربيين، لأن الإهمال في المراحل المبكرة من التنشئة يؤدي إلى تطور العادات غير مألوفة والأخلاق الرديئة والسلوكيات غير المستهدفة. وإذا اكتشف المربي من خلال ملاحظته المستمرة لسلوك الطفل مؤشرات أولية على تطور عادات سلبية تتعارض مع منظومته العقدية أو القيم الأخلاقية السائدة أو المعرفية أو التقاليد الاجتماعية، فإن من واجبه التدخل المبكر عبر توجيه الطفل نحو السلوك الإيجابي وتعرية تلك العادة على حقيقتها وبيان أضرارها وانعكاساتها السلبية على الفرد والمجتمع. وكل هذا عن طريق التعريض لا عن صراحة حتى لا يجرأ الولد على تلك العادة السيئة كما أشار إليه الغزالي في إحياء العلوم قائلا’’ وهي من دقائق صناعة التعليم أن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن ولا يصرح وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ، فإن التصريح يهتك الهيئة ويورث الجرأة على الهجوم ويهيج الحرص على الإصرار[11].وفي الإطار ذاته يؤكد الفلاسفة والمفكرون التربويون على خطورة عادات الصبا حيث يقول أحد الفلاسفة ’’ إن أكثر الناس إنما أتوا في سوء مذاهبهم من عادات الصبا إذا لم يتقدمهم تأديب وإصلاح أخلاقهم وحسن سياستهم‘‘[12] .
ثالثا: التربية بالترغيب والترهيب
الترغيب والترهيب من أقوى الأساليب التربوية التي استخدمها المربون منذ العصور القديمة في توجيه الأفراد وتربية الأجيال. وقد اعتمد الإسلام هذا الأسلوب اعتمادا واضحا في تربية الإنسان وتوجيهه نحو فعل الخير والابتعاد عن الشر، وذلك من خلال حث المسلمين على سلوك طريق الهداية والعمل وفق منهج الله تعالى، الذي خلق الإنسان وهو أعلم بطبيعته وفطرته. ويقوم هذا الأسلوب على مبدأ فطري أصيل في النفس الإنسانية، وهو الرغبة في جلب المنافع ودفع المضار، وهو ما يجعل الترغيب والترهيب من الوسائل الفعالة في إثارة الدوافع وتحفيز الإنسان لتحقيق الأهداف السلوكية المرغوبة.
ويحتل أسلوب الترغيب مكانة خاصة في تربية الأطفال، ولا سيما في المراحل الأولى من العمر إذ أن كثيرا من الأعمال التي يكلف بها الطفل في البداية قد تبدو له شاقة أو غير مألوفة، الأمر الذي يتطلب تحفيزا وتشجيعا يدفعه إلى الإقبال عليها والاستمرار فيها حتى تتحول مع مرور الزمن إلى عادات وسلوكيات مرغوبة. فالترغيب يسهم في تنمية الدافعية الإيجابية لدى الطفل ويعمل على ترسيخ السلوكيات الحسنة، مما يؤدي إلى اكتساب عادات مستقرة يصعب التخلي عنها لاحقا. وفي المقابل، يؤدي الترهيب دورا مهما في ردع السلوكيات غير المرغوبة من خلال تحذير الفرد من عواقبها السلبية، الأمر الذي يساعد على إيجاد مسافة نفسية وسلوكية بينه وبين الانحراف.
وقد عرف عبد الرحمن النحلاوي الترغيب بأنه’’ وعد يصحبه تحبيب وإغراء بمصلحة أو لذة أو متعة مؤكدة خيرة خالصة من الشوائب، مقابل القيام بعمل صالح أو الامتناع عن لذة ضارة أو عمل سيئ ابتغاء مرضاة الله تعالى، وذلك رحمة من الله بعباده‘‘. كما عرف الترهيب بأنه’’ وعيد وتهديد بعقوبة تترتب على اقتراف إثم أو ذنب مما نهى الله عنه، أو التهاون في أداء فريضة مما أمر الله به، وهو تخويف يقصد به تحذير العباد وإظهار صفة من صفات الجبروت والعظمة الإلهية ليكونوا دائما على حذر من الوقوع في المعاصي والهفوات‘‘[13]. ويذكر النحلاوي ثلاث ميزات للترغيب والترهيب في التربية الإسلامية هي أن الترغيب والترهيب القرآني والنبوي يعتمدان على الإقناع والبرهان وهذا يعني تربويا أن نبدأ بغرس الإيمان والعقيدة الصحيحة في نفوس الناشئين، ليتسنى لنا أن نرغبهم بالجنة أو نرهبهم من عذاب الله وليكون لهذا الترغيب والترهيب ثمرة عملية سلوكية، وثانيا أنهما يعتمدان على التربية الوجدانية للإنسان وهي مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية، وثالثا اصطحابهما بتصور فني رائع لنعيم الجنة ولعذاب النار بأسلوب واضح يفهمه كل الناس[14].
والترغيب والترهيب في القرآن الكريم والسنة النبوية لا يقومان على التخويف المجرد أو الوعد المجرد، بل يرتكزان على بناء الإيمان وترسيخ العقيدة في النفوس ما يقتضي تربويا أن يبدأ المربي بغرس الإيمان الصحيح في نفوس الناشئة، حتى يكون للترغيب بالجنة أو الترهيب من عذاب الله أثر فعلي في سلوكهم. ويسعى هذا الأسلوب إلى التأثير في مشاعر الإنسان وعواطفه، وهو ما يعد مقصدا مهما من مقاصد التربية الإسلامية، لأن إصلاح السلوك لا يتحقق إلا بإصلاح القلب والمشاعر. ويصحب الترغيب والترهيب في النصوص القرآنية والحديثية تصوير بديع لنعيم الجنة وعذاب النار، بأسلوب بياني واضح ومؤثر يفهمه عامة الناس، مما يزيد من قوة التأثير التربوي في النفوس.
ومن خلال هذا الأسلوب يستطيع الإنسان تقويم سلوكه وتعديله في ضوء معرفته بالنتائج الإيجابية أو السلبية التي تترتب على أفعاله؛ فالإدراك الواعي للعواقب يسهم في توجيه السلوك الإنساني نحو الخير والفضيلة، ويبعده عن الشر والانحراف. ولهذا يعد الترغيب والترهيب من الوسائل التربوية الفعالة التي تجمع بين التحفيز والتقويم والردع في آن واحد. ويظهر هذا الأسلوب بوضوح في القرآن الكريم، حيث يجمع بين الوعد والوعيد في مواضع كثيرة؛ قال الله تعالى:
﴿نَبئْ عِبَادِي أَني أَنَا الْغَفُورُ الرحِيمُ وَأَن عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ (الحجر: 49–50).
ففي هذه الآية يجمع القرآن بين الترغيب في رحمة الله ومغفرته والترهيب من عذابه، وهو ما يحقق التوازن النفسي والتربوي لدى الإنسان، فلا يطغى عليه الخوف فيقنط، ولا يغلب عليه الرجاء فيأمن مكر الله. كما يتجلى هذا الأسلوب في العديد من الآيات التي تصف نعيم الجنة وصفا مؤثرا يحفز المؤمنين على العمل الصالح، كقوله تعالى:
﴿إِن الْمُتقِينَ فِي جَنات وَعُيُون﴾ (الذاريات: 15)
وفي المقابل يصف القرآن عذاب النار تحذيرا من المعصية، كما في قوله تعالى:
﴿إِن الذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارا﴾ (النساء: 56).
وقد سارت السنة النبوية على هذا النهج التربوي المتوازن، فقد كان النبي ﷺ يستخدم الترغيب لتحفيز أصحابه على الأعمال الصالحة، كما في قوله ﷺ:
’’ من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة‘‘ (رواه مسلم).
وفي هذا الحديث ترغيب واضح في طلب العلم وبيان لفضله العظيم.
كما استخدم النبي ﷺ أسلوب الترهيب للتحذير من السلوكيات الخاطئة، كما في قولهﷺ; ’’ لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر‘‘(رواه مسلم).
وهذا تحذير شديد يهدف إلى تنقية النفس من صفة الكبر التي تفسد الأخلاق والعلاقات الاجتماعية.
أما من المنظور التربوي والنفسي، فيتماهى أسلوب الترغيب والترهيب مع أطروحات نظريات التعلم الحديثة، ولا سيما نظرية التعزيز السلوكي، التي تؤكد أن السلوك الإنساني يمكن توجيهه وتقويته من خلال المكافأة، أو إضعافه وتعديله من خلال العقاب أو التحذير من نتائجه السلبية. فالترغيب يمثل نوعا من التعزيز الإيجابي الذي يشجع على تكرار السلوك المرغوب، بينما يشبه الترهيب أسلوبا من أساليب العقاب التربوي أو التحذير من العواقب، مما يؤدي إلى كف السلوك غير المرغوب فيه وتقليله. غير أن لهذا الأسلوب ضوابط وأصول تؤكد على التزامها التربية الإسلامية منها ما يلي[15]:
- الاعتدال والتوازن في استخدام هذا الأسلوب، فلا ينبغي الإفراط في الترهيب حتى لا يؤدي إلى الخوف المفرط أو اليأس، كما لا ينبغي الاعتماد على الترغيب وحده حتى لا يؤدي إلى التهاون أو الاتكال. ولذلك كان المنهج القرآني قائما على التوازن بين الخوف والرجاء، وهو ما يسهم في بناء شخصية متوازنة تجمع بين الطموح الأخلاقي والالتزام السلوكي.
- ينبغي على المربي أن يراعي الفروق الفردية بين المتعلمين عند استخدام هذا الأسلوب، فبعض الأفراد يتأثرون بالترغيب أكثر من الترهيب، بينما يحتاج آخرون إلى قدر كبير من التحذير والتنبيه لضبط سلوكهم. ولذلك فإن الحكمة التربوية تقتضي استخدام الأسلوب المناسب في الوقت المناسب وبالقدر الذي يحقق الهدف التربوي دون إفراط أو تفريط. وقد صدق المتنبي عندما قال[16]:
| إذا أنت أكرمت الكريم ملكته | وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا | |
| ووضع الندى في موضع السيف بالعلى | مضر كوضع السيف في موضع الندى |
- ينبغي على المربي أ لا يلجأ إلى العقاب إلا إذا أخفقت وسائل الترغيب كلها في تقويم الاعوجاج وإصلاح السلوك، وأن يتدرج فيها متخذا بأصول الأخف إلى الأشد.
- أن يبحث المربي في الباعث الذي أدى إلى انحراف السلوك أو وقوع الخطأ وأن يراعي ثقافة الطفل والبيئة التي يكتسب منها قيمه وسلوكياته كي يفحص في أسباب الانحراف الحقيقية ما يساعده في تشخيص المشكلة ووصف العلاج التربوي الملائم النافع له. فهو يشبه في ذلك الطبيب الماهر الذي يعامل المريض بالرفق واللين ويجتهد في البحث عن علل المرض حتى يصف له الدواء النافع. وكذلك المربي لا يكتفي بملاحظة الخطأ أو الانحراف ويعجل في المعاقبة بل يسعى إلى معرفة الأسباب والدوافع قبل أن يصف له العلاج التربوي.
- ينبغي للمربي ألا يعاقب الطفل حال الغضب لأنه قد يزيد في العتاب ويؤدي إلى أذية الطفل جسديا أو نفسيا فيندم فيما بعد على فعله، كما أن العقاب في حالة الغضب يورث الطفل الجرأة والهجوم والعدوانية ويشعره بالكراهية والمهانة، ويجب عليه أن يتحلى بالرزانة والحلم وأن يبين للطفل أن العقاب بمصلحة لا حقدا عليه[17].
وفي ضوء ذلك يتضح أن أسلوب الترغيب والترهيب يمثل منهجا تربويا متكاملا يجمع بين تحفيز الدوافع الإيجابية لدى الإنسان وردع السلوكيات السلبية، ويستند في ذلك إلى فهم عميق لطبيعة النفس البشرية وحاجاتها النفسية والروحية. ولهذا ظل هذا الأسلوب حاضرا بقوة في التربية الإسلامية عبر العصور، لما له من أثر بالغ في بناء الشخصية المسلمة وتقويم سلوكها وترسيخ القيم الأخلاقية في المجتمع.
الخاتمة:
سعى هذا البحث إلى تقديم نظرة شاملة حول مؤسسات التربية وأدوارها المحورية في تنشئة الأطفال، مع تسليط الضوء على الأساليب التربوية التي تستند إليها كالقدوة والملاحظة، والتعويد، والترغيب والترهيب. وناقش الباحث أثر هذه المنظومة في تحقيق الرعاية المتكاملة للطفل (جسديا، وعقليا، وروحيا) لإعداده كفرد مؤهل وقادر على خدمة نفسه ومجتمعه.
الهوامش
[1] أ.د. أيمان أحمد السويد، تاريخ التربية الفنية ونظرياتها، الرياض: دار الزهراء للنشر والتوزيع، ط 1، 2013، ص 123.
[2] . منظمة الصحة العالمية، الرعاية في مرحلة التنشئة من أجل الطفولة المبكرة، جنيف، 2021، ص 1.
[3] . هناء حسين محمود الفلفلي وأمة الرزاق محمد الوشلي، مدخل إلى تربية الطفل، عمان: دار أمجد للنشر والتوزيع، 2017، ص 66.
[4] المصدر السابق، ص 90.
[5] .د. حامد عبد السلام زهران، علم نفس النمو’’ الطفولة والمراهقة‘‘، القاهرة: دار المعارف، 1986، ص 259.
[6] . عبد الله ناصح علوان، تربية الأولاد في الإسلام، دار السلام للطباعة وللنشر والتوزيع، ط 21، 1992، ج 2، ص 607.
[7] . د. كفاح يحيى صالح العسكري والآخرون، نظريات التعلم وتطبيقاتها التربوية، دمشق: تموزه، ط 1، 2012، ص 226-228.
[8] .حراثي ليلى ومانع بسمة، فلسفة التربية عند الغزالي، ص 80
[9] . عبد الله ناصح علوان، تربية الأولاد في الإسلام، دار السلام للطباعة وللنشر والتوزيع، ط 21، 1992، ج 2، ص 647.
[10] . أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، إحياء علوم الدين، بيروت، لبنان: دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1، 2005، ص 955.
[11] . المصدر السابق، ص 69.
[12] . محمد نور بن عبد الحفيظ سويد، منهج التربية النبوية للطفل، دمشق، بيروت: دار ابن كثير، ط 3، 2000، ص 184.
[13]. عبد الرحمن النحلاوي، أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع، دمشق: دار الفكر، ط 28، 2008، ص 230-231.
[14] . المصدر السابق، ص 231، 232.
[15] . يحيى محمد نبهان، أساليب تربوية في الثواب والعقاب، الأردن: دار أيله للنشر والتوزيع، ط 2، 2010، ص 19-21.
[16] . ديوان المتنبي، بيروت: دار بيروت للطباعة والنشر، 1983، ص 372.
[17] عبد الله ناصح علوان، تربية الأولاد في الإسلام، دار السلام للطباعة وللنشر والتوزيع، ط 1، 1992، ج 2، ص 727.
