نديم أحمد
الباحث في مركز الدراسات العربية والإفريقية
جامعة جواهر لال نهرو، نيو دلهي
الملخص: تعتبر قضية الوحدة العربية من أبرز القضايا الفكرية والسياسية التي اهتم بها الأدب العربي الحديث، والرواية السورية واكبت التحولات الكبرى التي شهدها المجتمع العربي خلال القرن العشرين. تناول نبيل سليمان هذه القضية في روايته الشهيرة “هزائم مبكرة” وصوّر فيها تجربة الوحدة بين سوريا ومصر (1958–1961) وما أعقبها من الانفصال، وكشف أثر تلك المرحلة في الوعي الوطني والقومي للشعب السوري. ولم يكتف الراوي بتسجيل الأحداث التاريخية، بل سعي إلى توضيح تأثيرها في حياة الأفراد والمجتمع، وربط بين الحلم القومي العربي والهزائم السياسية التي واجهتها الأمة. وتهدف هذه الدراسة إلى بيان كيفية تناول نبيل سليمان لقضية الوحدة العربية في روايته، وتحليل رؤيته للأسباب التي أسهمت في نجاح تجربة الوحدة في بدايتها، ثم العوامل التي أدت إلى فشلها وانهيارها، وآثار ذلك في المجتمع السوري.
الكلمات المفتاحية: نبيل سليمان، هزائم مبكرة، الوحدة العربية، الانفصال، الجمهورية العربية المتحدة، الرواية السورية، القومية العربية، الاستقلال، العدوان الثلاثي.
مقدمة: الوحدة العربية حصلت مكانة بارزة على الفكر العربي الحديث وإنها ارتبطت بطموحات الشعوب العربية في التحرر من الاستعمار وبناء مستقبل يقوم على التضامن السياسي والاقتصادي والثقافي. وقد ظهرت هذه الفكرة بصورة واضحة بعد استقلال سوريا عام 1946، وهدفت إلى تحقيق تعاون عربي أوسع يحمي الاستقلال ويواجه التدخلات الأجنبية. وفي هذا السياق، أُعلنت الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958، واستقبلتها الجماهير العربية بفرح وحماس كبير، وعدّتها خطوة مهمة نحو تحقيق المشروع القومي العربي، قبل أن تنتهي بالانفصال عام 1961.
اهتم الأدب السوري بهذه المرحلة التاريخية كثيرا، لأنها شكّلت نقطة تحول في التاريخ السياسي والاجتماعي. فقد وجد الروائيون في تجربة الوحدة والانفصال مادة غنية لتحليل آمال المجتمع العربي وإخفاقاته. ويأتي نبيل سليمان في مقدمة هؤلاء الروائيين وانه جعل رواية “هزائم مبكرة” وثيقة أدبية تستعيد تلك المرحلة من خلال رؤية نقدية تجمع بين التاريخ والخيال، وتكشف أثر الأحداث السياسية في حياة الأفراد والمجتمع.
وتحاول هذه الدراسة إلى تحليل صورة الوحدة العربية في رواية “هزائم مبكرة”، وبيان الكيفية التي استخدم بها نبيل سليمان هذا الحدث التاريخي للتعبير عن رؤيته الفكرية والسياسية، وإبراز العلاقة بين السرد الروائي والتحولات التاريخية التي شهدها المجتمع السوري.
الوحدة العربية في روايات نبيل سليمان:
حصلت سوريا على استقلالها عام 1946 بعد سنوات طويلة من النضال والكفاح والجهاد ضد الاستعمار الفرنسي، وقد قدّم هذا الاستقلال بداية مرحلة جديدة في تاريخ البلاد، وسعى فيها الشعب السوري إلى بناء دولة مستقلة تتمتع بالسيادة والحرية. مهما كانت سوريا حازت الاستقلال السياسي ولكن آثار الاستعمار الفرنسي ما زالت باقية في المجتمع السوري، وحاولت بعض القوي الأجنبية بشكل مستمر أن تؤثر في الشؤون الداخلية لسوريا، لذلك واجهت الدولة الجديدة تحديات سياسية وأمنية عديدة أثرت في استقرارها.
شهدت هذه المنطقة العربية تطورات سياسية مهمة في تلك المرحلة، وكان من أبرزها العدوان الثلاثي[1] على مصر عام 1956، الذي كشف حجم التحديات التي كانت تواجه الدول العربية بعد الاستقلال. وقد عزّز هذا الحدث الشعور بضرورة التعاون بين البلدان العربية، وأكّد أن مواجهة الأخطار الخارجية تتطلب موقفا عربيا موحدا. لذلك ازدادت الدعوات إلى تحقيق الوحدة العربية، وعدّها كثير من السياسيين والمثقفين وسيلة لحماية الاستقلال، وتعزيز الأمن القومي، والدفاع عن مصالح الأمة العربية.
اتفقت سوريا ومصر على إقامة وحدة سياسية بينهما، وأُعلن قيام الجمهورية العربية المتحدة في الأول من شباط/فبراير عام 1958، وتولى الرئيس جمال عبد الناصر رئاسة الدولة الجديدة. قد استقبلت الجماهير العربية هذا الحدث بفرح وحماس كبير، ورأت فيه بداية مرحلة جديدة من العمل العربي المشترك، وخطوة مهمة نحو تحقيق حلم الوحدة العربية. وكان كثير من الناس يرجون أن تساهم هذه الوحدة في تقوية الدول العربية، وزيادة التعاون بينها، ومواجهة التدخلات الخارجية، وتحقيق التقدم والاستقرار، وبناء مستقبل أفضل للشعوب العربية كما أشار الدكتور محمد عزام في كتابه “فضاء النص الروائي” قائلا:
“هذه الوحدة بين سوريا ومصر لم تستمر إلا ثلاث سنوات، وانتهت عام 1961 بعد انقلاب عسكري أدى إلى إعلان الانفصال، وبذلك انتهت أول تجربة للوحدة العربية في التاريخ العربي الحديث قبل تحقيق أهدافها كاملة. وبعد الانفصال، شُكّلت حكومة جديدة برئاسة مأمون الكزبري، وانتُخب ناظم القدسي رئيسا للجمهورية العربية السورية”[2]. وأعادت هذه التطورات سوريا إلى مرحلة الاضطرابات السياسية، فتجددت الخلافات والصراعات بين القوى السياسية المختلفة، خاصة بين التيارات التقدمية والطبقة السياسية التقليدية، وهذا الأمر أسهم كثيرا في زيادة الاضطرابات السياسية وعدم الاستقرار في سوريا في تلك المرحلة.
اهتم عدد كبير من الروائيين السوريين بمرحلة الوحدة بين سوريا ومصر ثم الانفصال، لأنها كانت من أبرز الأحداث في التاريخ السوري الحديث، وتركت أثرا عميقا في حياة الناس، فجعل الروائيون هذه المرحلة موضوعا رئيسا في رواياتهم، وقدّموا من خلالها عن آمال الشعب العربي في تحقيق الوحدة العربية ثم صوّروا ما رافق انتهاء هذه التجربة من خيبة أمل وتحولات سياسية واجتماعية. ومن أشهر الأعمال التي تناولت هذه المرحلة رواية “قلوب على الأسلاك” لعبد السلام العجيلي، وروايتا “المهزومون” و”شرخ في تاريخ طويل” لهاني الراهب ورواية “الثلج يأتي من النافذة” لحنا مينا. وتبيّن هذه الأعمال أن قضية الوحدة العربية لم تكن مجرد موضوع سياسي، بل أصبحت جزءاً من التجربة البشرية التي عاشها المجتمع السوري خلال تلك المرحلة.
أمّا رواية هزائم مبكرة لنبيل سليمان فهي تناولت قضية الوحدة العربية وركّزت على مرحلة الوحدة بين سوريا ومصر وما أعقبها من الانفصال. وتمتد أحداث الرواية على نحو ثلاثين عامًا، تبدأ من عام 1956، وهي فترة شهدت أحداثا سياسية مهمة وهزائم متتالية تركت آثارا واضحة في حياة الناس. يصوّر الراوي فيها تلك المرحلة بالتفصيل ويربط بين التجارب الشخصية للشخصيات والتحولات السياسية التي عاشها أفراد المجتمع العربي، ويقدّم رؤية نقدية لمرحلة اتسمت بكثرة الآمال والإخفاقات. وقد أوضح الراوي سبب تأليفه للرواية في مقدمتها تحت عنوان “هوامش” وبيّن الظروف التي دفعته إلى تأليفها والفكرة التي أراد تقديمها أمام القارئ. أشار الناقد السوري الشهير الدكتور سمر روحي الفيصل إلى أهمية هذه المقدمة:
“مفاد هذه المقدمة أن له صديقا صدوقا مسكونا بالهزائم التي عرفتها الأمة العربية. هذا الصديق – واسمه خليل – يتزوج وينجب ولدا – هو نصري – مسكون هو الآخر بتغيير تاريخ الهزائم العربية. وقد استشهد خليل، ورجا – قبل استشهاده -صديقه نبيل سليمان أن يكتب سيرة حياته لتكون درسا لابنه نصري”[3]. ويظهر ذلك بوضوح في الرواية عندما يقول بطل الرواية خليل لصديقه:
“اسمع يا أخي.. أنت تعرفني منذ الطفولة. صحيح أننا انقطعنا عن بعض فترة، لكننا عشنا معا بعد ذلك كل هذا العمر. هل تستطيع أن تكتب عن حياتي شيئا …؟ لا.. عن حياتنا جميعا. ربما لا يعجبك هذا الطلب، ولكن من أجل نصري أمل أن تفعل لقد تمنيت كثيرا أن أموت في الحرب، وها هي أمنيتي قد تحققت”[4].
يمكن للقارئ أن يصف عن رواية “هزائم مبكرة” كرواية شمولية باعتبار مضمون الرواية، لأنها تجمع فيها أنواعا مختلفة للأدب مثل السيرة الذاتية والرواية التاريخية والاجتماعية والسياسية. وهذا التنوع منح الرواية قيمة فنية وفكرية، وجعلها تقدم صورة واسعة عن المجتمع السوري والعربي في تلك المرحلة.
والرواية قريبة من السيرة الذاتية، لأن نبيل سليمان يذكر الأحداث الكثيرة بضمير المتكلم، ويستفيد من بعض تجاربه الشخصية في رسم الشخصيات وبناء الأحداث. وفي الوقت نفسه، تُعتبر رواية تاريخية، لأنها تتناول أحداثا حقيقية شهدتها سوريا والعالم العربي قرب ثلاثين عاما، بدءا من منتصف خمسينيات القرن العشرين حتى أوائل الثمانينيات. ولا يكتفي الراوي بذكر هذه الأحداث، بل يؤضح أثرها في حياة الناس وكيف غيرت واقع المجتمع.
وتبرز الرواية أيضا كرواية اجتماعية، لأنها تصور تفاصيل الحياة اليومية، مثل حياة الطلاب، والعلاقات الأسرية، والصداقات، وما يمر به الناس من أفراح وأحزان وآمال وإحباطات وهموم وصراعات وتغيرات اجتماعية. يقدم نبيل سليمان صورة قريبة من الواقع خلال هذه التفاصيل، ويفسّر كيف أثرت الأحداث السياسية في حياة الأفراد والمجتمع.
وأمّا الجانب السياسي للرواية فله أهمية كبيرة عن الجوانب الأخرى، والراوي يناقش موضوعات مثل الوحدة العربية، والانفصال، والصراعات الحزبية، والهزائم التي مرت بها الأمة العربية، ويقدّم رؤيته لهذه الأحداث من خلال الشخصيات والحوار والسرد، دون أن يفصل السياسة عن حياة الناس. ولذلك يشعر القارئ أن الأحداث السياسية ليست خلفية للرواية فقط، بل هي جزء من حياة الشخصيات اليومية وتؤثر في قراراتها ومستقبلها.
وتصوّر الرواية الترتيب الزمني لفترة الوحدة والانفصال السورية المصرية بكل تدقيق “فمضمون الرواية يشير إلى حاضرها وهو الفترة الممهدة للوحدة وفترتا الوحدة والانفصال حتى ثورة آذار. وبين هذا الحاضر (١٩٦٣ وما قبل) وتاريخ كتابة هزائم مبكرة (۱۹۸٤) نحو من عشرين سنة”[5].
يتضح للقارئ أن هذه الرواية تكتسب أهمية كبيرة لأنها تسجّل نضال الشعب العربي من أجل تحقيق الوحدة العربية، وإنها عمل روائي تخييلي، ولكن تستند إلى أحداث تاريخية حقيقية أيضا، مثل “زيارة الرئيس جمال عبد الناصر إلى اللاذقية، والاتفاق الذي جرى بين البعثيين والناصريين، وموقف الشيوعيين والقوميين السوريين المعارض للوحدة، واستقالة صانعي الوحدة من البعثيين لعدم رضاهم عن الممارسات الخاطئة التي ترتكب باسم الوحدة”[6]. وكذلك تقدّم الرواية أيضا قرار عبد الناصر بتسريح عدد كبير من الضباط السوريين، ونقل كثير منهم إلى وظائف مدنية أو إلى الإقليم الجنوبي دون توفير عمل مناسب لهم، وتسليط الضوء على حملات اعتقال الشيوعيين والقوميين، وإنشاء الاتحاد القومي كحزب فوقي شكلي يسد الكلمات ويجمع المتناقضات بين الأحزاب الأخرى.
عندما نمعن النظر في نص الرواية “هزائم مبكرة”، نجد فيها أحلام الشعب السوري وآمالهم وفرحهم وسرورهم في تحقيق الوحدة السورية المصرية، ويمكن للقارئ أن يعثر على كثير من المقاطع الروائية في هذا الصدد. هنا يستعيد خليل ذكرياته الجميلة المرتبطة بإعلان قيام الوحدة بين سوريا ومصر:
“كانت الفرحة بالوحدة مع مصر في أوجها حين ظهر عمي شفيق يستدعي الوالد. كنت أدور مع الآخرين كل ليلة في الدريكيش حتى تكل أقدامنا. نحمل صور عبد الناصر بالبذلة العسكرية.. نغني.. نصرخ[7]. تكشف السطور القادمة عن حجم الحماس والفرح الذي أبداه السوريون تجاه مشروع الوحدة، وتصور الأجواء الاحتفالية التي رافقت زيارة الرئيس جمال عبد الناصر إلى سوريا. فقد ازدانت المدن والشوارع بالزينة، وخرجت الجماهير لاستقباله والتعبير عن فرحتها بقيام الوحدة. ويذكر الراوي هذه المشاهد قائلا:
“كانت طرطوس تفوز بالبشر، كانت الأعلام واللافتات والزينات تملأ كل مكان. كان ثمة يقين أيضا لدى الجميع بأن عبد الناصر سوف يأتي إلى طرطوس، وبح صوتي منذ الساعة الأولى”[8]. وفي موضع آخر، يصور الروائي كيفية استقبال الطلبة وأساتذة الكليات وموقفهم لهذه الزيارة:
“الدريكيش الصغيرة التي لا تعادل حارة من طرطوس أو اللاذقية، ومع ذلك كانت تفور بالبشر. كانت صور عبد الناصر في كل مكان. كان الكثيرون من زملائي وأساتذتي أيضا يحملون الصور، وأنا ألوب على واحدة منها. كان الجميع يهتفون، يلوحون”[9]. وفي الوقت نفسه، تكشف الرواية اختلاف المواقف السياسية عن الوحدة بين سوريا ومصر، فقد عارضها الشيوعيون والقوميون، بينما أيدها البعثيون والناصريون. ولم يقتصر هذا الاختلاف على القوى السياسية بل ظهر بوضوح بين الطلبة، حيث يناقش بطل الرواية خليل وزملاءه يوسف ومنصور وطلال وهم هذه القضية، ويعبّر كل واحد منهم عن رأيه في موقف البعثيين والشيوعيين نحو المشاكل التي ظهرت بين العراق والكويت خلال فترة الوحدة السورية المصرية:
“ها أنتم مع عبد الناصر من جديد، ولكن هل تضحي بالوحدة لأن الشيوعيين يريدونها هذه المرة؟
كنت أحاور في حل تلك العقد: العراق يضم الكويت بالقوة هذه وحدة أم اغتصاب؟
الشيوعيون ضد الوحدة هنا ومعها هناك. يوسف يؤكد أنهم معهم هنا وهناك، وأنهم فقط ضد المباحث وضد الدكتاتورية، ومنصور يقاطعه دوما:
بل قل ضد عبد الناصر. هل أنت خائف…؟ أم أن ما في العراق ليس دكتاتورية؟
وطلال ومنصور مع الوحدة هنا، ضدها هناك. هما مع عبد الناصر وضد عبد الناصر، هما مع الاتحاد السوفياتي وضد حكام العراق. والاتحاد السوفياتي صديق لعبد الناصر ولحكام العراق، فكيف يفهم الإنسان أول هذه السلسلة من آخرها”[10].
وكما هو معروف في التاريخ السوري الحديث، قد انتهت الوحدة بين سوريا ومصر عام 1961، بعد أن استمرت من عام 1958 إلى عام 1961. وقد كانت هذه الفترة من أهم المراحل في تاريخ العرب، لأنها مثّلت حلم الوحدة العربية وسعت إلى تعزيز الأمن القومي العربي والحفاظ على كرامة الأمة العربية وشرفها. وتعكس رواية “هزائم مبكرة” أجواء الانفصال بين سوريا ومصر، وتصوّر مشاعر القلق والارتباك التي عاشها الناس، وتبرز حالة الحيرة والدهشة التي انتابت الشعبين السوري والمصري عند إعلان الانفصال:
“كان الغذاء قد أصبح جاهزا، ولكن أحدا لم يقترب منه. تحلقنا حول المذياع كان على رؤوسنا الطير. هذا هو صوت جمال عبد الناصر محمد ينفث الدخان، وأنا أغالب الدمعة في عيني حتى غلبتني بكيت بحرقة كاوية أمامهم جميعا. لم ينبس أحد منهم بحرف. وما إن انتهى الخطاب حتى وقفنا وقفة واحدة، كأنما كنا على اتفاق مسبق”[11].
يواصل خليل سرد تلك الذكريات المريرة، وما حدث لرفاقه، طلال وإبراهيم وعلي ومحمد ويوسف ومنصور، من تردد وحيرة، فيقول:
“خرجنا دون أن تمتد يد إلى الغذاء. تاهت أقدامنا وألسنتنا. تاهت آذاننا في الصمت الذي طالعنا في المدينة. لا جدوى من البيان 9 ولا سواه. الانفصال ليس فقط بين مصر وسوريا. الانفصال بين دمشق وحلب. وتاهت أعيننا في الشوارع التي قل الناس فيها كثيرا. لقد اقترب موعد منع التجول. وقبيل المغيب عاد طلال وإبراهيم وعلي إلى ذويهم، بينما قرر منصور ويوسف أن يقضيا الليلة عندي ومحمد، وكانت إذاعة دمشق قد سيطرت على سوريا كلها، وأنجزت الانفصال عن مصر”[12].
ويرتبط المستوى الأيديولوجي في هذه الرواية بالأفكار والقيم السائدة في المجتمع السوري حول قضية الوحدة والانفصال، يشير الدكتور سمر روحي الفيصل في هذا الصدد:
“ويستطيع القارئ ملاحظة حرص النص على تعدد الآراء وتباينها من مسألة الوحدة وجمال عبد الناصر استنادا إلى المكونات الأسرية خصوصا، والمفهومات الفردية عموما. وهذا المستوى ليس بسيطا وإنما هو مركب، تتداخل في مفهوماته المكونة للقيم السائدة عوامل تجعل رؤيا العالم خاصة بالشريحة الاجتماعية ذات الأصول الريفية في النص”[13].
وفي خاتمة الرواية يظهر الروائي الذي كان متواريا خلف شخصية خليل طوال أحداث الرواية، أي إن الضمير يعود إلى الشخصية التي أبدعها نبيل سليمان. ويكشف هذا التحول عن أسلوب فني استخدمه الكاتب، حيث لم يكتفِ بسرد سيرة خليل فقط، بل مزج بها شيئا من سيرته الذاتية وتجربته الشخصية أيضا. ويتضح ذلك من خواتيم مقدمة الرواية “هزائم مبكرة”، حيث يقول: “استعدت سنواتنا الأولى معًا… وتهت بين حياته وحياتي… كتبت ما كتبت بضمير المتكلم”[14]. إن التوحد في الآراء ووجهة النظر وإلغاء المسافة بين السارد وشخصية خليل يمثل تقنية فنية استخدمها الروائي في سرد أحداث شخصية خليل في نص الرواية، وهي نفس الأحداث التي مرت في حياة الروائي إلى حد كبير.
يمكن للقارئ أن يدرك ويفهم الرسالة التي أراد الروائي إيصالها إلى أبناء مجتمعه من خلال مقدمة رواية “هزائم مبكرة“، فالرواية لا تقدم نهاية مغلقة، بل تترك في ذهن القارئ كثيرا من الأسئلة والأفكار التي تدفعه إلى التفكير والتأمل. لذلك لا تنتهي سيرة خليل بوفاته، وإنما تستمر في وعي القارئ، الذي يصبح مطالبا بإكمالها من النقطة التي توقفت عندها الرواية كما بذكر الروائي:
“أنا لا أريد أن أتحدث عن ذلك الآن. لقد تراءى لي أيضا أن حياته التالية – حياتنا لم تكتمل بموته، وأن نصري هو الذي سيكملها”[15]. ويقدم الروائي توضيحا أكبر للمقطع السابق في السطور التالية، حيث يقول:
“إن خليل لم يمت…
إن اليقين بحياته يملأني، فكيف أكتب عنها من ألفها إلى يائها وهو حي…؟
حسب المرء يا نصري أن يكتب عن شطر من حياة الأموات فكيف الأحياء……؟”[16].
وأمّا الرسالة التي أراد الروائي إيصالها إلى القراء، فقد بيّنها الناقد الدكتور سمر روحي الفيصل بقوله:
“لأن هدف نبيل سليمان ترسيخ الوعي بالتاريخ الحديث المملوء بالهزائم ليحقّق من خلال ذلك قيمة مفقودة في الواقع، هي “النصر”. وهذا كله يدفع القارئ الناقد إلى القول إن عبارة (من وحي سيرة حياة صديقي خليل) كانت كافية لتؤدي الغرض الذي جهدت المقدمة طوال اثنتي عشرة صفحة لتحقيقه”[17]
الخاتمة: خلاصة القول، إن رواية هزائم مبكرة، تُعدّ رواية شمولية، وتقدّم للقارئ صورة متكاملة وواضحة عن مرحلة الوحدة والانفصال وما رافقها من أحداث وتحولات وتغييرات. يصور نبيل سليمان فيها معاناة الشعب السوري وما تعرض له من نكسات متتالية، ويبرز تطلعه إلى استعادة كرامته وهويته العربية، والتخلص من مشاعر الضياع النفسي والفقدان القومي. والوقت نفسه، تعبّر الرواية أيضا نضال الشعب السوري، حيث تتداخل فيها التجربة الفردية مع التجربة الوطنية، فيتحول الحدث الذاتي إلى حدث وطني، وتنتقل السيرة الذاتية إلى سيرة وطنية تعبر عن آلام المجتمع وطموحاته.
الهوامش
[1] حملة ثلاث دول استعمارية – بريطانيا وإسرائيل وفرنسا – على مصر، تعرف بأسماء مختلفة مثل حرب ١٩٥٦، وأزمة السويس وحملة سيناء، تعد من ثاني الحروب العربية الإسرائيلية. وكان أفول نجم فرنسا وبريطانيا كسلطة استعمارية في مصر، من أبرز نتائج هذه الحرب.
[2] محمد عزام، فضاء النص الروائي، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، ١٩٩٦، ص: ١٩٠.
[3] سمر روحي الفيصل، قراءات في تجربة روائية، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، ط ١، ١٩٩٣، ص: ٧٣.
[4] نبيل سليمان، هزائم مبكرة، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، ط ٥، ٢٠٢٠، ص: ١٩،٢٠.
[5] قراءات في تجربة روائية، المصدر السابق، ص:٧٨.
[6] فضاء النص الروائي، المصدر السابق، ص: ١٩٢.
[7] هزائم مبكرة، المرجع السابق، ص: ٤٠.
[8] هزائم مبكرة، المرجع السابق، ص: ٥٧.
[9] المصدر نفسه، ص: ٥٨.
[10] هزائم مبكرة، المصدر السابق، ص: ١١٨،١١٩.
[11] المصدر نفسه، ص: ١٦٩.
[12] المصدر نفسه، ص: ١٦٩،١٧٠.
[13] قراءات في تجربة روائية، المصدر السابق، ص: ٨٨.
[14] هزائم مبكرة، المصدر السابق، ص: ٢١.
[15] هزائم مبكرة، المصدر السابق، ص:١٢.
[16] المصدر نفسه، ص:١٣.
[17]قراءات في تجربة روائية، المصدر السابق، ص: ٨٢.
المصادر والمراجع:
- محمد عزام، فضاء النص الروائي، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، ١٩٩٦.
- نبيل سليمان، هزائم مبكرة، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، ط ٥، ٢٠٢٠.
- سمر روحي الفيصل، قراءات في تجربة روائية، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، ط ١، ١٩٩٣.
- محمد عادل العرب، المعالجة الفنية للتاريخ في مدارات الشرق، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، ط ١، ١٩٩٤.
- سمر سليم كمر كجي، تخييل التاريخ في أعمال نبيل سليمان الروائية، رسالة أعدت لنيل درجة الماجستير في اللغة العربية وآدابها لجامعة تشرين سوريا،
- سعيد يقطين، الرواية والتراث السردي، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط١، ٢٠٠٦.
- سمر روحي الفيصل، الاتّجاه الواقعي في الرواية العربية السورية، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ١٩٨٧.
- مجموعة من الكتاب، مجنون المجاز أو نبيل سليمان مبـدعا ًوناقـدا، دار الحوار، اللاذقية، ط ١، ٢٠٠٨.
- محسن يوسف، نحو ملحمة روائية عربية، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، ط١، ١٩٩١
