مهدي أحسن
إن الشريعة الإسلامية شريعة كاملة شملت جميع جوانب حياة الإنسان، فلم تقتصر على بيان أحكام العبادات والمعاملات والأخلاق، بل امتدت أحكامها وتوجيهاتها إلى ما يتعلق بصحة الإنسان وسلامة بدنه، تحقيقا لمقاصد الشريعة في حفظ النفس وصيانتها من أسباب الهلاك والضرر. وقد اشتملت السنة النبوية على جملة من التوجيهات المتعلقة بالتداوي والوقاية من الأمراض، حتى أفرد العلماء لهذه النصوص بابا مستقلا أطلقوا عليه اسم «الطب النبوي»، وألفوا فيه مؤلفات عديدة، من أشهرها كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد» للإمام ابن قيم الجوزية، وكتاب «الطب النبوي» للإمام أبي نعيم الأصبهاني، وغيرهما.
غير أن من القواعد المهمة التي ينبغي مراعاتها عند دراسة أحاديث الطب النبوي أن جميع التوجيهات الطبية الواردة عن النبي ﷺ ليست في مرتبة واحدة من حيث التشريع والإلزام؛ إذ إن منها ما يراد به تقرير قواعد عامة ومقاصد كلية تصلح لكل زمان ومكان، ومنها ما كان موافقا لما عُرف من وسائل العلاج في البيئة العربية آنذاك، ومنها ما صدر في ظروف خاصة ولحالات مرضية معينة، مراعاة لأحوال أشخاص مخصوصين، دون أن يكون المقصود منه تشريعًا عامًا لجميع أفراد الأمة في كل عصر.
ومن أكثر الأحاديث التي أثارت نقاشا واسعا قديما وحديثا حديث العرنيين، الذي ورد فيه أن النبي ﷺ أمر جماعة من قبيلتي عرينة أو عكل أن يشربوا من ألبان الإبل وأبوالها علاجا لما أصابهم من مرض بعد قدومهم إلى المدينة المنورة. وقد أصبح هذا الحديث في العصر الحديث محل جدل كبير، حيث يستند إليه بعض الطاعنين في الإسلام للزعم بأن الإسلام يأمر المسلمين بشرب البول على وجه العموم، بينما ذهب بعض المنتسبين إلى الإسلام إلى الاتجاه المقابل، فعدوا هذا العلاج سنة عامة يستحب العمل بها في كل زمان ومكان.
وكلا الاتجاهين يحتاج إلى مراجعة علمية دقيقة؛ إذ إن الفهم الصحيح لهذا الحديث لا يتحقق بمجرد الوقوف على ظاهره، وإنما يتطلب دراسته في ضوء علوم الحديث، وأصول الفقه، والقواعد الفقهية، ومقاصد الشريعة، وأقوال الأئمة، مع الاستفادة من المعطيات الطبية الحديثة، حتى يتبين المراد الشرعي من هذا النص النبوي بعيدا عن الإفراط والتفريط.
ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة، إذ تهدف إلى بيان حقيقة حديث العرنيين، والكشف عن دلالته الشرعية، وبيان ما إذا كان الأمر الوارد فيه عاما لجميع المسلمين أو خاصا بأولئك المرضى، مع عرض أقوال المحدثين والفقهاء والأصوليين، وتحليل الحديث في ضوء المقاصد الشرعية، ثم مناقشة ما توصلت إليه الدراسات الطبية الحديثة بشأن بول الإبل، وبيان مدى موافقتها أو عدم موافقتها لمفهوم الحديث، مع الرد العلمي على أبرز الشبهات المثارة حوله.
وتتمثل إشكالية البحث في السؤال الآتي:
هل يعد الأمر الوارد في حديث العُرنيين بشرب أبوال الإبل تشريعا عاما للأمة الإسلامية، أم أنه وصفة علاجية خاصة اقتضتها حالة مرضية معينة، ومن ثم لا يجوز تعميمها على جميع المسلمين؟
وينبثق عن هذا السؤال الرئيس عدد من الأسئلة الفرعية، من أهمها:
- ما مدى صحة حديث العُرنيين من جهة الإسناد والرواية؟
- ما السياق التاريخي الذي ورد فيه الحديث؟
- ما المراد بقول الراوي: «اجتووا المدينة»؟
- كيف فهم المحدثون والفقهاء هذا الحديث؟
- هل يدل الحديث على طهارة بول الإبل أو على جواز التداوي به عند الحاجة؟
- ما موقف الأصوليين من تعميم هذا الحكم؟
- ماذا تقول الدراسات الطبية المعاصرة حول بول الإبل؟
- وكيف يمكن الرد على الاعتراضات المثارة حول الحديث في ضوء المنهج العلمي؟
وتسعى هذه الدراسة إلى تحقيق جملة من الأهداف، من أبرزها بيان المعنى الصحيح للحديث، وإزالة ما أثير حوله من إشكالات، وإبراز منهج الشريعة الإسلامية في الجمع بين النصوص الشرعية والمقاصد الكلية والمعطيات العلمية، بما يحقق الفهم الصحيح للنصوص النبوية.
وقد اعتمدت الدراسة على المنهج الاستقرائي في جمع النصوص الحديثية والفقهية، والمنهج التحليلي في دراسة أقوال العلماء، والمنهج المقارن في عرض المذاهب الفقهية المختلفة، بالإضافة إلى المنهج النقدي عند مناقشة الدراسات الطبية الحديثة وربطها بالمفاهيم الشرعية.
ويقسم هذا البحث إلى عدة مباحث؛ يبدأ بعرض نص الحديث وسياقه التاريخي، ثم دراسة دلالاته الحديثية والفقهية، ثم بيان أقوال العلماء في حكم التداوي ببول الإبل، ثم مناقشة القضية في ضوء أصول الفقه ومقاصد الشريعة، وأخيرا دراسة الموضوع من المنظور الطبي الحديث مع مناقشة أبرز الشبهات المثارة حوله، وصولا إلى أهم النتائج والتوصيات.
المبحث الأول
نص حديث العُرنيين وسياقه التاريخي
يُعد حديث العُرنيين من الأحاديث الصحيحة المشهورة التي اتفق الإمامان البخاري ومسلم على إخراجها في صحيحيهما، ولذلك تلقاه علماء الأمة بالقبول، ولم يقع خلاف بينهم في صحة إسناده، وإنما انصب الخلاف على فهم دلالته، وطبيعة الحكم المستفاد منه، وهل هو حكم عام لجميع الأمة، أم واقعة عين ارتبطت بظروف خاصة.
المطلب الأول: النص الكامل للحديث
روى الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
«أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَلْحَقُوا بِرَاعِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا.»
(رواه البخاري، كتاب الطب، باب الدواء بأبوال الإبل، رقم: 5686، ومسلم، رقم: 1671).
ومعنى الحديث أن جماعة من قبيلة عرينة – وفي بعض الروايات من عكل – قدموا إلى المدينة المنورة، فلما أقاموا بها أصابتهم علة شديدة بسبب عدم ملاءمة مناخ المدينة لهم، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجوا إلى إبل الصدقة خارج المدينة، وأن يشربوا من ألبانها وأبوالها حتى يستعيدوا عافيتهم.
المطلب الثاني: السياق التاريخي للحديث
وقعت هذه الحادثة بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة المنورة، في وقت بدأت فيه الوفود العربية تفد إلى المدينة لإعلان إسلامها أو للتعرف إلى الدين الجديد. وكان القادمون من قبيلة عرينة يعيشون في بيئة صحراوية تختلف مناخا وغذاء ومياه عن المدينة المنورة، فلما انتقلوا إليها لم تستجب أجسامهم سريعًا لهذا التغير البيئي، فأصيبوا بحالة مرضية شديدة انعكست على صحتهم العامة.
وتشير الروايات إلى أنهم عانوا ضعفا شديدا، ونحولا في أجسادهم، واضطرابا في صحتهم نتيجة ما عبر عنه الراوي بلفظ «اجتووا المدينة»، وهو تعبير عربي معروف يدل على كراهية المقام في بلد بسبب عدم ملاءمة هوائه أو مياهه وما يترتب على ذلك من الإصابة بالأمراض.
ولما عرضوا حالهم على رسول الله ﷺ، لم يأمرهم بشيء على سبيل التعبد أو التشريع العام، وإنما وجههم إلى وسيلة علاجية تناسب حالتهم الصحية، فأمرهم بالخروج إلى مراعي الإبل، حيث الهواء الطلق والبيئة القريبة من طبيعتهم الأصلية، وأن يستعملوا ألبان الإبل وأبوالها علاجا لما أصابهم.
وتذكر الروايات أن هؤلاء القوم لما استعادوا صحتهم وعافيتهم، لم يثبتوا على الإسلام، بل ارتدوا، وقتلوا راعي إبل الصدقة، واستاقوا الإبل، فبعث النبي ﷺ في طلبهم، فأتي بهم، فأقام عليهم الحد جزاء لما ارتكبوه من الردة والقتل وقطع الطريق.
ومن خلال هذا السياق التاريخي يتبين أن محور الرواية ليس بيان حكم تعبدي يتعلق بشرب بول الإبل، وإنما سرد حادثة تاريخية اشتملت على جملة من الوقائع، كان العلاج أحد عناصرها، بينما انتهت الرواية ببيان العقوبة التي استحقها أولئك المعتدون بسبب جرائمهم.
المطلب الثالث: أهمية فهم السياق في تفسير الحديث
إن دراسة أسباب ورود الحديث وسياقه التاريخي تعد من أهم الوسائل لفهم السنة النبوية فهما صحيحا؛ لأن النصوص لا تفهم بمعزل عن ظروفها وملابساتها. ولذلك قرر علماء الحديث وأصول الفقه أن معرفة سبب الورود والسياق التاريخي تُعين على تحديد المراد من الخطاب النبوي، وتمنع من تعميم الأحكام الخاصة أو تخصيص الأحكام العامة بغير دليل.
ومن ثم فإن حديث العرنيين ينبغي أن يقرأ في إطار واقعة تاريخية محددة، ارتبطت بأشخاص معينين، بمرض معين، او علاج معين، وهو ما سيكون محل الدراسة والتحليل في المباحث اللاحقة من هذا البحث.
المطلب الرابع: الدراسة اللغوية والحديثية لقوله ﷺ: «فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ»
يعد لفظ «اجتووا المدينة» من أهم الألفاظ الواردة في حديث العُرنيين، بل هو المفتاح الرئيسي لفهم الحديث وتحديد المراد من الأمر النبوي الوارد فيه. إذ إن إدراك مدلول هذا اللفظ يبين أن القضية المطروحة في الحديث ليست تشريعًا تعبديًا عامًا، وإنما هي معالجةٌ لحالةٍ مرضيةٍ خاصة اقتضتها ظروف صحية وبيئية معينة.
وقد اتفق شُرَّاح الحديث وأئمة اللغة على أن مادة «الجوى» تدور حول معنى السقم والمرض الناتج عن تغير البيئة أو فساد الهواء أو عدم ملاءمة المكان لطبيعة الإنسان. قال أهل اللغة: يقال: اجتوى البلد إذا كره الإقامة فيه بسبب عدم ملاءمة هوائه أو مياهه أو مناخه، فأصابته العلة والمرض. ومن هنا فإن الاجتواء لا يراد به مجرد الكراهة النفسية، وإنما يراد به المرض الناشئ عن تغير البيئة واختلاف المناخ.
وقد بين الإمام النووي رحمه الله هذا المعنى عند شرحه للحديث فقال:
«اجتووا المدينة؛ أي كرهوا المقام بها لعدم موافقة هوائها لهم، فمرضت أجسامهم وضعفت.»
فالإمام النووي يربط بين عدم ملاءمة هواء المدينة لهؤلاء الأعراب وبين ما أصابهم من ضعف ووهن جسدي، مما يدل على أن المرض كان ناشئًا عن عامل بيئي، لا عن سبب تعبدي أو روحي.
وكذلك أوضح الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري أن الاجتواء هو المرض الذي يعرض للإنسان عند انتقاله من بيئة إلى أخرى تختلف في الهواء والماء والغذاء، فيتغير مزاجه، ويظهر عليه النحول وضعف البدن واصفرار اللون. وهذا التفسير يتفق مع ما عرفه الطب القديم والحديث من تأثير اختلاف المناخ والبيئة في صحة الإنسان، ولا سيما عند الانتقال المفاجئ من البيئات الصحراوية الجافة إلى البيئات الرطبة.
ومن ثم فإن استعمال هذا اللفظ في الحديث يدل دلالة واضحة على أن النبي ﷺ كان يتعامل مع حالة مرضية مشخصة، ولم يكن بصدد تقرير عبادة جديدة أو تشريع عام للأمة.
ويؤكد هذا الفهم أن الرواية لم تذكر مجرد شرب أبوال الإبل، بل جمعت بين ألبان الإبل وأبوالها، كما وجه النبي ﷺ أولئك المرضى إلى الإقامة في مراعي الإبل خارج المدينة، حيث الهواء الطلق والبيئة الأقرب إلى طبيعة حياتهم الأولى. وهذا يدل على أن العلاج لم يكن مقصورا على شرب البول، وإنما كان برنامجا علاجيا متكاملا اشتمل على تغيير البيئة، والاستفادة من لبن الإبل، وما رآه النبي ﷺ مناسبًا لحالتهم الصحية آنذاك.
وبناء على ذلك، فإن حمل الحديث على أنه أمر تعبدي دائم لجميع المسلمين يعد إغفال السياق اللغوي والتاريخي الذي ورد فيه النص، وهو ما يخالف منهج المحدثين والفقهاء في فهم السنة النبوية.
المبحث الثاني
المقصد الشرعي من أمر النبي ﷺ التداوي بألبان الإبل وأبوالها
المطلب الأول: الأمر النبوي باعتباره وصفة علاجية لا تشريعا عاما
يثير حديث العُرنيين سؤالا علميا بالغ الأهمية، وهو: ما المقصود الحقيقي من أمر النبي ﷺ لأولئك القوم بشرب ألبان الإبل وأبوالها؟ وهل يفهم من هذا الأمر أنه تشريع دائم للأمة، أم أنه توجيه علاجي اقتضته ظروف خاصة؟
والذي تدل عليه الرواية نفسها، وتؤيده أقوال الأئمة، أن المقصود الأول من هذا الأمر هو التداوي، وليس إنشاء حكم تعبدي عام.
فالنبي ﷺ لم يوجه هذا الأمر إلى جميع المسلمين، ولم يخطب به في الناس، ولم يحث الأمة على اتخاذه سنة مستمرة، وإنما خاطب جماعة مخصوصة أصابها مرض معين، فوصف لهم ما يناسب حالتهم الصحية. ولهذا جاء التعبير النبوي بضمير الخصوص، فقال الراوي:
«فأمرهم»
أي: أمر أولئك المرضى بعينهم، ولم يقل: أمر المسلمين، أو أمر الناس، أو أمر الأمة.
وهذا الفرق في غاية الأهمية من الناحية الأصولية؛ لأن الخطاب الخاص لا يجوز تعميمه إلا بدليل مستقل، وهو ما لا يوجد في هذه المسألة.
كما أن السنة النبوية تخلو من أي نص صحيح يأمر المسلمين عموما بشرب بول الإبل، أو يرغبهم في ذلك باعتباره سنة من السنن المستحبة، ولو كان الأمر كذلك لنقل عن الصحابة رضي الله عنهم نقلا متواترا، ولأصبح من الأعمال المشهورة بينهم، كما اشتهرت سائر السنن العملية.
ومن هنا يظهر أن الحديث يقرر علاجا خاصا، لا عبادة عامة، وأن مناط الحكم فيه هو المرض والحاجة، لا مجرد الرغبة في اتباع السنة.
المطلب الثاني: مراعاة اختلاف أحوال المرضى في العلاج
من المبادئ الراسخة في الشريعة الإسلامية أن الأحكام المتعلقة بالعلاج تدور مع المصلحة الطبية وجودا وعدمًا، وأن وسائل التداوي تختلف باختلاف الأشخاص، والأمراض، والبيئات، والأزمنة.
وقد جسد النبي ﷺ هذا المبدأ في مواقف كثيرة، فلم يكن يصف دواء واحدا لجميع الناس، وإنما كان يراعي اختلاف الطبائع والأحوال. فقد أوصى بعض المرضى بالحجامة، وأرشد آخرين إلى استعمال العسل، ووجه غيرهم إلى الحبة السوداء أو غيرها من وسائل العلاج، بحسب ما يناسب حالة كل مريض.
وحديث العرنيين يدخل في هذا الإطار؛ إذ لم يكن المرض الذي أصابهم مرضا عاما، بل كان ناشئا عن تغير البيئة والمناخ، ولذلك جاء العلاج متناسبا مع طبيعة المرض وأسبابه.
وهذا المنهج يتفق مع ما استقر عليه الطب الحديث، الذي يؤكد أن العلاج لا يُبنى على قاعدة واحدة تصلح لجميع المرضى، وإنما يعتمد على التشخيص الدقيق، ومعرفة الحالة الصحية، والعوامل البيئية، والخصائص الفردية لكل مريض.
ومن ثم فإن الحديث لا يدل على أن أبوال الإبل دواء لكل داء، وإنما يدل على أن النبي ﷺ وصف علاجا معينا لحالة معينة، وهو ما ينسجم مع القواعد الطبية قديما وحديثا.
المطلب الثالث: حفظ النفس باعتباره المقصد الأعلى في هذا التوجيه النبوي
إن من المقاصد الكلية التي جاءت الشريعة الإسلامية بتحقيقها حفظ النفس، وهو أحد الضروريات الخمس التي تقوم عليها أحكام الإسلام.
ولذلك أجازت الشريعة كثيرا من الرخص عند الحاجة حفاظا على حياة الإنسان، كإباحة أكل الميتة للمضطر، والتيمم عند فقد الماء أو الخوف من استعماله، والفطر للمريض في رمضان، وغير ذلك من الأحكام التي تدور مع تحقيق المصلحة ودفع الضرر.
وفي ضوء هذا الأصل الكلي، يمكن فهم توجيه النبي ﷺ للعرنيين؛ إذ كان الهدف منه إزالة المرض واستعادة الصحة، وليس تقرير عبادة مستقلة أو إنشاء حكم تعبدي دائم.
ومن هنا قرر الفقهاء أن وسائل العلاج ليست مقصودة لذاتها، وإنما المقصود هو تحقيق الشفاء أو تقليل الضرر، فإذا وُجد في عصر من العصور علاج آخر أكثر أمانا وأثبت نفعا، فإن مقصود الشريعة يتحقق باستعماله، لأن الأحكام الطبية مبنية على تحقيق المصالح ودفع المفاسد.
وعلى هذا الأساس، فإن حديث العرنيين يمثل تطبيقا عمليا لمقصد حفظ النفس، ويؤكد مرونة الشريعة الإسلامية في التعامل مع الوسائل الطبية، وأنها لا تحصر العلاج في وسيلة واحدة، وإنما تراعي تغير الأحوال واختلاف الوسائل ما دامت تحقق المقصود المشروع.
المبحث الثالث
آراء المحدثين والفقهاء في حديث العُرنيين ودلالته الفقهية
إن حديث العرنيين من الأحاديث التي تلقتها الأمة بالقبول، لاتفاق الإمامين البخاري ومسلم على إخراجه في صحيحيهما، ولذلك لم يقع بين علماء الحديث خلافٌ معتبر في صحة سنده وثبوت نسبته إلى رسول الله ﷺ. غير أن موطن الخلاف لم يكن في صحة الرواية، وإنما انصب على دلالتها الفقهية، وهل يستفاد منها حكم عام في جواز شرب أبوال الإبل، أو أنها واقعة خاصة صدرت في سياق علاج مرض معين، فلا يجوز تعميمها على جميع الأحوال.
وقد نشأ عن هذا الخلاف اتجاهان فقهيان رئيسان، لكل منهما أدلته وأصوله في الاستدلال، مع اتفاق الجميع على أن الحديث ثابت وصحيح، وأن إنكاره من حيث الثبوت لا يجوز.
المطلب الأول: مذهب القائلين بطهارة بول الحيوان المأكول اللحم
ذهب طائفة من كبار الفقهاء إلى أن بول الحيوان المأكول اللحم طاهر، ومن ثم يجوز الانتفاع به عند الحاجة، ومن أبرز من قال بهذا الرأي الإمام مالك بن أنس، والإمام أحمد بن حنبل في المشهور من مذهبه، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن قيم الجوزية، كما نقلت روايات في هذا الاتجاه عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني من فقهاء الحنفية.
وقد استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة، يأتي في مقدمتها حديث العرنيين؛ إذ رأوا أن النبي ﷺ لا يمكن أن يأمر بالتداوي بشيء نجس أو محرم على سبيل الإطلاق، لأن الشريعة قائمة على الطهارة والتنزه عن الخبائث، ولا يتصور أن يأذن الشارع في استعمال ما هو محرم لغير ضرورة معتبرة.
واستأنسوا كذلك بما رواه الإمام أحمد وغيره من حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال:
«إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حُرِّم عليها.»
وعلى هذا الأساس قرروا أن إباحة التداوي بأبوال الإبل تدل على أنها ليست نجسة في الأصل، لأن الأصل أن الشفاء لا يكون فيما حرمه الله تعالى على عباده.
وقد توسع الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله في مناقشة هذه المسألة في كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد، فعدَّ حديث العرنيين من أوضح الأدلة على جواز التداوي بأبوال الإبل، وذكر أن هذا العلاج كان معروفا عند العرب، وأن النبي ﷺ أقره لما علم ما فيه من منفعة لأولئك المرضى.
إلا أن المتأمل في كلام ابن القيم يجد أنه لم يجعل شرب بول الإبل سنة عامة أو عبادة مستقلة، وإنما قرر جواز استعماله في مقام العلاج عند تحقق المصلحة الطبية، وهو ما يدل على أن الاستدلال بالحديث عنده يدور في دائرة التداوي، لا في دائرة التعبد أو السنن العامة.
وكذلك قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الحديث يدل على مشروعية التداوي بما يحقق المصلحة، وأن اختلاف وسائل العلاج باختلاف الأشخاص والأمراض أمر مقرر شرعا وعقلا، ولم ينقل عنه أنه دعا إلى اتخاذ بول الإبل علاجا عاما لكل الناس أو لكل الأمراض.
ومن هنا يظهر أن أصحاب هذا الاتجاه وإن قالوا بطهارة بول الحيوان المأكول اللحم، فإنهم لم يفهموا الحديث على أنه تشريعٌ يلزم الأمة بشرب بول الإبل، وإنما رأوه دليلًا على جواز استعماله في موضع الحاجة إذا ثبتت منفعته وانتفت مضرته.
المطلب الثاني: مذهب جمهور الفقهاء القائلين بنجاسة الأبوال وحمل الحديث على حالة الضرورة
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية، وكثير من المتأخرين من مختلف المذاهب، إلى أن جميع الأبوال نجسة، سواء أكانت من الإنسان أم من الحيوان، وسواء كان الحيوان مأكول اللحم أم غير مأكول.
ومن أبرز القائلين بهذا الاتجاه الإمام أبو حنيفة، والإمام الشافعي، والإمام النووي، والإمام الرافعي، وجمهور الشافعية، وكثير من فقهاء الحنفية.
ومع ذلك فإن هؤلاء الأئمة لم يردوا حديث العرنيين، ولم يشككوا في صحته، وإنما سعوا إلى الجمع بينه وبين الأدلة العامة الدالة على وجوب اجتناب النجاسات، فقرروا أن الحديث يحمل على حالة الضرورة العلاجية، ولا يدل على الإباحة المطلقة لشرب الأبوال.
وقد أوضح الإمام النووي رحمه الله هذا المعنى في شرحه على صحيح مسلم، فقال:
«هذا الحديث محمول على التداوي عند الضرورة، وليس فيه دليل على إباحة شرب الأبوال مطلقًا.»
وهذا النص يعد من أهم النصوص في تحرير محل النزاع؛ إذ يقرر أن الحديث لا يفهم بمعزل عن سببه وسياقه، وأن الأمر الوارد فيه كان متعلقا بحالة مرضية استثنائية اقتضت هذا العلاج، فلا يصح جعله أصلا عاما ينسحب على جميع الناس.
كما نبه الإمام النووي إلى أن الاستدلال بهذا الحديث على استحباب شرب الأبوال في جميع الأحوال استدلال غير صحيح؛ لأن الفرق واضح بين الأحكام التعبدية التي يقصد بها التقرب إلى الله تعالى، وبين الوسائل العلاجية التي تتغير باختلاف الأحوال والأزمان.
المطلب الثالث: تفسير الحافظ ابن حجر العسقلاني للحديث
الحافظ ابن حجر العسقلاني معدد من أكثر العلماء تحريرا لمسائل هذا الحديث؛ إذ جمع بين الروايات المختلفة، وناقش أقوال الفقهاء، وربط الحديث بأصوله الحديثية والفقهية.
فقد بيَّن في فتح الباري أن الحديث يدل على جواز التداوي بالمباح، وأن وسائل العلاج تختلف باختلاف الأشخاص، والأمراض، والبيئات، والأزمنة، ولا يلزم من وصف علاج معين لشخص معين أن يكون ذلك العلاج مشروعا لجميع الناس.
كما أوضح أن الأمر النبوي في الحديث لم يكن مقصودا به التعبد، وإنما كان علاجًا اقتضته حالة أولئك المرضى الذين لم تلائمهم بيئة المدينة المنورة، ولذلك لا يجوز فصل الأمر الوارد في الحديث عن سببه الذي ورد من أجله.
ويفهم من كلام ابن حجر أن مناط الحكم هو الحاجة الطبية، وأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، فإذا انتفت الحاجة أو وجد علاج آخر أكثر نفعًا وأقل ضررا، لم يعد هناك موجب للقول بخصوص هذا العلاج.
المطلب الرابع: كلام الإمام ابن عبد البر وتحليل دلالته
أما الإمام ابن عبد البر رحمه الله فقد أكد أن حديث العرنيين لا يدل على أن المسلمين مأمورون بشرب الأبوال في الأحوال العادية، وإنما هو خبر عن علاج خاص اقتضته ظروف خاصة.
وبيَّن أن حمل الحديث على العموم يؤدي إلى معارضة النصوص الكثيرة التي جاءت بالأمر بالطهارة واجتناب النجاسات، ولذلك فإن الواجب هو الجمع بين الأدلة، بحمل حديث العرنيين على خصوص سببه، وإبقاء النصوص العامة على عمومها.
ويعد هذا المنهج من أهم المناهج الأصولية في الجمع بين النصوص الشرعية؛ إذ لا يُصار إلى إلغاء دليل بدليل آخر، وإنما ينظر في إمكان التوفيق بينهما بما يحفظ دلالة كل نص في موضعه.
المطلب الخامس: مناقشة مقارنة بين الاتجاهين
يتبين من مجموع أقوال العلماء أن الخلاف بينهم لم يكن في ثبوت الحديث، ولا في صدور هذا العلاج عن النبي ﷺ، وإنما كان في تفسير دلالته الفقهية.
فالقائلون بطهارة بول الحيوان المأكول اللحم استدلوا بالحديث على أصل الطهارة، مع إقرارهم بأن الأمر كان علاجا خاصا.
أما جمهور الفقهاء فقد حملوا الحديث على حالة الضرورة أو الحاجة الطبية، مع بقائهم على أصل القول بنجاسة الأبوال.
وعلى الرغم من اختلاف المسلكين، فإنهما يلتقيان في نتيجة مهمة، وهي أن حديث العرنيين لا يدل على أن شرب بول الإبل سنة عامة أو عبادة يُندب إليها المسلمون في كل زمان ومكان، وإنما هو علاج ارتبط بواقعة معينة وظروف مخصوصة.
ومن هنا فإن جعل الحديث أساسا للدعوة إلى استعمال بول الإبل استعمالا عاما، أو الزعم بأن الإسلام يأمر جميع المسلمين بشربه، لا ينسجم مع فهم الأئمة المتقدمين، ولا مع منهجهم في تفسير النصوص، بل يخالف ما قرره كبار شراح الحديث وفقهاء المذاهب من أن الواقعة كانت مرتبطة بالتداوي، لا بالتشريع العام.
المبحث الرابع
حديث العرنيين في ضوء أصول الفقه ومقاصد الشريعة
يعد علم أصول الفقه الميزان العلمي الذي تفهم به النصوص الشرعية وتستنبط منه الأحكام، إذ لا يقتصر دور الأصولي على النظر في ظاهر النص، وإنما يتجاوز ذلك إلى دراسة سبب الورود، وسياق الخطاب، وعلة الحكم، ومقاصد الشريعة، وطبيعة تصرفات النبي ﷺ، ومدى دلالة النص على العموم أو الخصوص. ومن ثم فإن دراسة حديث العرنيين في ضوء هذه القواعد الأصولية تعد ضرورة علمية لفهم دلالته على الوجه الصحيح، ولتجنب التوسع في تعميم الأحكام الخاصة أو تخصيص الأحكام العامة بغير دليل.
وقد قرر الأصوليون أن النصوص الشرعية لا تُفهم بمعزل عن سياقاتها، وأن الأحكام تختلف باختلاف أسبابها وعللها ومقاصدها. ومن هذا المنطلق، فإن حديث العرنيين يمثل نموذجا تطبيقيا مهما لبيان أثر القواعد الأصولية في تفسير السنة النبوية.
المطلب الأول: هل كل أمر نبوي يفيد العموم؟
من القواعد المقررة عند الأصوليين أن الأمر الصادر من النبي ﷺ لا يدل بمجرده على العموم في جميع الأحوال، بل يُنظر أولا إلى المخاطَب، وإلى سبب الخطاب، وإلى القرائن المحيطة به. فإذا دل السياق على أن الخطاب موجه إلى أشخاص معينين بسبب واقعة مخصوصة، فإن الأصل بقاؤه على خصوصه حتى يقوم دليل صحيح على تعميمه.
وقد ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية كثير من الأحكام التي كانت خاصة بأشخاص معينين أو بأحوال مخصوصة، ولم يقل أحد من العلماء بعمومها لجميع الأمة.
ومن أمثلة ذلك ما أذن به النبي ﷺ للصحابي كعب بن عجرة رضي الله عنه من حلق رأسه وهو محرم بسبب ما أصابه من أذى، وكذلك جعله شهادة خزيمة بن ثابت رضي الله عنه بمنزلة شهادة رجلين، وهي خصوصية لم تثبت لغيره من الصحابة.
وهذه النصوص تدل دلالة واضحة على أن بعض الخطابات النبوية تتعلق بأشخاص معينين أو بأوضاع خاصة، ولا يجوز إخراجها عن سياقها بغير دليل.
وعند تطبيق هذا الأصل على حديث العرنيين نجد أن النبي ﷺ لم يوجه الخطاب إلى الأمة كلها، وإنما قال الراوي:
«فأمرهم»
فالضمير في قوله «هم» يعود إلى أولئك المرضى الذين أصابتهم العلة، ولم يرد في الحديث أي لفظ يفيد العموم، كقوله: يا أيها الناس، أو يا معشر المسلمين، أو نحو ذلك من صيغ الخطاب العام.
وعليه، فإن حمل هذا الأمر على أنه تشريع عام لجميع المسلمين يخالف الأصل الأصولي في فهم الخطابات الخاصة.
المطلب الثاني: أثر سبب الورود في فهم الحكم الشرعي
من القواعد الأصولية المشهورة أن معرفة سبب ورود الحديث من أعظم الوسائل المعينة على فهم دلالته، لأن السبب يكشف عن المقصود من الخطاب ويبين حدود تطبيقه.
وقد نص العلماء على أن الحكم إذا كان مرتبطا بعلة معينة، فإن وجوده وعدمه يدوران مع تلك العلة، وهو ما عبَّر عنه الأصوليون بقولهم:
«الحكم يدور مع علته وجودا وعدما.»
وبالنظر في حديث العرنيين يتبين أن العلة التي من أجلها صدر الأمر النبوي كانت واضحة، وهي إصابة أولئك القوم بمرض شديد بسبب عدم ملاءمة مناخ المدينة المنورة لهم، حتى ضعفت أجسامهم واعتلت صحتهم.
فالعلة إذن ليست مجرد وجود الإبل، ولا مجرد شرب أبوالها، وإنما الحاجة إلى علاج حالة مرضية محددة.
ومن ثم فإن الحكم يبقى مرتبطا بهذه العلة، فإذا انتفت الحاجة، أو زالت العلة، أو وجد علاج آخر يحقق المقصود بصورة أكمل، لم يبق موجب للقول بلزوم هذا العلاج بعينه.
وهذا التطبيق يجسد مرونة الشريعة الإسلامية، ويؤكد أنها تربط الأحكام بالمصالح الحقيقية، لا بمجرد الصور والأشكال.
المطلب الثالث: قاعدة «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» وتطبيقها الصحيح
من أشهر القواعد الأصولية التي يُستدل بها في هذا الباب قولهم:
«العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.»
وقد وقع الخطأ عند بعض الباحثين في تنزيل هذه القاعدة على حديث العُرنيين دون مراعاة شروطها الأصولية.
فإن هذه القاعدة إنما تطبق إذا كان النص قد ورد بلفظ عام، ثم كان سبب وروده خاصا، فيبقى الحكم عاما لعموم لفظه.
أما إذا كان اللفظ نفسه خاصا، فلا مجال لتطبيق هذه القاعدة، لأن مناط العموم غير موجود أصلا.
وفي حديث العرنيين لم يرد لفظ عام، وإنما ورد خطاب خاص، حيث قال الراوي:
«فأمرهم أن يلحقوا براعي الإبل، فيشربوا من ألبانها وأبوالها.»
فالخطاب موجه إلى جماعة معينة، ولم يتضمن صيغة عامة تشمل جميع المسلمين.
وعليه، فإن الاستدلال بقاعدة «العبرة بعموم اللفظ» في هذه المسألة لا يستقيم من جهة الصناعة الأصولية؛ لأن شرط القاعدة، وهو وجود اللفظ العام، غير متحقق.
ومن هنا ذهب كثير من الأصوليين إلى أن حديث العُرنيين من قضايا الأعيان التي لا يجوز تعميمها إلا بدليل مستقل.
المطلب الرابع: حديث العُرنيين من قبيل «قضايا الأعيان»
من المصطلحات الأصولية المهمة التي لها أثر بالغ في هذه المسألة مصطلح «قضية العين»، ويقصد به الواقعة التي تقع لشخص معين أو لجماعة معينة في ظروف مخصوصة، فيصدر فيها حكم يناسب تلك الواقعة وحدها، ولا يعد تشريعا عاما إلا إذا دل دليل آخر على تعميمه.
وقد قرر العلماء أن قضايا الأعيان لا يبنى عليها عموم الأحكام؛ لأن العبرة فيها بخصوص الواقعة وما أحاط بها من ملابسات.
وعند دراسة حديث العُرنيين نجد أنه يجمع جميع أوصاف قضية العين؛ إذ إن الأشخاص معلومون، والمرض معلوم، والبيئة معلومة، والعلاج معين، ولم يرد بعد ذلك ما يدل على تعميم هذا العلاج لسائر المسلمين.
ولهذا السبب لم ينقل عن الصحابة أنهم فهموا الحديث على أنه سنة عامة، كما لم يرد عن الأئمة المتقدمين أنهم ألحقوا جميع المرضى بحكم أولئك القوم دون مراعاة اختلاف الأحوال والعلل.
المطلب الخامس: تصرفات النبي ﷺ بين التشريع والتدبير والاجتهاد البشري
من القواعد الدقيقة التي أصلها الأصوليون، ولا سيما الإمام شهاب الدين القرافي في كتابه الفروق، أن تصرفات النبي ﷺ ليست كلها على مرتبة واحدة، بل تختلف باختلاف الجهة التي صدر عنها الفعل.
فقد يتصرف النبي ﷺ بوصفه رسولا مبلغا عن الله تعالى، فيكون فعله تشريعا عاما للأمة.
وقد يتصرف بوصفه قاضيا، فيكون حكمه متعلقا بواقعة قضائية معينة.
وقد يتصرف بوصفه إماما للدولة، فيكون فعله من باب السياسة الشرعية وتدبير شؤون المجتمع.
وقد يتصرف بوصفه إنسانا في الأمور الجبلية والعادات اليومية.
وقد يتصرف بوصفه مرشدا إلى وسيلة علاجية تحقق مصلحة مريض معين.
ولهذا أكد القرافي ضرورة التمييز بين هذه الأنواع، لأن الخلط بينها يؤدي إلى تنزيل الأحكام في غير مواضعها.
وبتطبيق هذا الأصل على حديث العرنيين يتبين أن الأمر بشرب ألبان الإبل وأبوالها صدر في مقام التداوي والإرشاد الطبي، لا في مقام التشريع التعبدي العام.
ومن ثم فإن دلالته الشرعية تتعلق بإباحة وسيلة علاجية لحالة خاصة، ولا تدل بذاتها على استحباب هذا العلاج لكل مسلم في كل زمان.
المطلب السادس: مقاصد الشريعة وأثرها في فهم الحديث
قرر الإمام أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات أن جميع أحكام الشريعة ترجع إلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد، وأن الأحكام الجزئية ينبغي أن تفهم في ضوء المقاصد الكلية للشريعة.
ومن أعظم هذه المقاصد حفظ النفس، الذي يُعد أحد الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة برعايتها.
وبالنظر إلى حديث العرنيين نجد أن الغاية المقصودة من التوجيه النبوي كانت علاج المرضى والمحافظة على حياتهم وصحتهم، لا إلزام الأمة باتخاذ وسيلة علاجية معينة على وجه الدوام.
وعليه، فإذا ثبت في عصر من العصور أن وسيلة علاجية أخرى تحقق المقصود بصورة أكثر أمانا وأشد نفعا، فإن الأخذ بها ينسجم مع مقصد الشريعة، ولا يعد مخالفة للحديث؛ لأن المقصود هو تحقيق الشفاء وحفظ النفس، لا التزام وسيلة معينة في كل زمان ومكان.
ومن هنا يتبين أن مقاصد الشريعة تؤكد خصوصية هذا التوجيه النبوي، وتمنع من تحويله إلى حكم تعبدي عام، كما تمنع في الوقت نفسه من رد الحديث أو إنكار ثبوته، بل الواجب الجمع بين صحة النص وفهمه في إطاره الشرعي الصحيح.
خلاصة المبحث
تؤكد القواعد الأصولية أن حديث العُرنيين لا يمكن فهمه فهما صحيحا إلا من خلال مراعاة سبب وروده، وخصوصية المخاطبين، وعلّة الحكم، ومقاصد الشريعة، والتمييز بين التصرفات التشريعية وغيرها من تصرفات النبي ﷺ. وبناء على ذلك، فإن الأمر الوارد في الحديث يُعد توجيها علاجيا صدر لمعالجة حالة مرضية خاصة، ولا يصح جعله دليلا على تشريع عام يلزم جميع المسلمين بالتداوي ببول الإبل، كما لا يجوز اتخاذه ذريعة للطعن في السنة النبوية أو التشكيك في حكمتها، لأن الفهم الصحيح للنصوص لا يتحقق إلا بجمع الأدلة وربطها بقواعد الاستنباط المقررة عند أهل العلم.
