الدكتور مقصودالحسن قاسمي
محاضر اللغة العربية بمدرسة الجامعة الملية الاسلامية
محمود درويش (١٩٤١-٢٠٠٨) هو شاعر فلسطين الوطني وأيقونة تعبيرية جعلت من كلماته صوتًا للنضال الفلسطيني من أجل الهوية والكرامة والحرية. يُطلق عليه كلمة”صوت شعبه”، حيث استطاع تحويل تجربته الشخصية في المنفى ومعاناة شعبه الجماعية إلى شعر عميق . وتحكي أعماله الشعرية قصة النكبة (كارثة ١٩٤٨)، والاحتلال، والتهجير، والصمود.. فهو لم يكن مجرد شاعر عظيم، بل كان أيضًا رمزًا للمقاومة الثقافية والسياسية. قال ذات مرة: “كل قصيدة جميلة هي فعل مقاومة.” من خلال لغة جميلة، وسخرية، صادق، وحرص درويش على ألا تُمحى القصة الفلسطينية و أن تبق هذه القضية قائمة وحية كقضية دولية عالقة .
طفولته وحياته المبكرة
وُلد درويش في ١٣ مارس ١٩٤١ في قرية البروة بالجليل)، في عائلة فلاحية بسيطة. وفي عام ١٩٤٨، أثناء النكبة، احتلت القوات الصهيونية قريته ودمرتها، مما أجبر عائلته على الفرار إلى لبنان. ثم عادت هذه العائلة سرًا بعد عام، ولكنها عاشت كـ”مفقودة حاضرة” تحت الحكم العسكري الإسرائيلي— ومهجرة في وطنها
بدأ محمود دريش كتابة الشعر في طفولته، مستلهمًا التقاليد الشفوية والأساطير والأغاني العربية. في سن الثانية عشرة، ألقى قصيدة تنتقد احتفالات الفلسطينيين بقيام إسرائيل، مما أدى إلى أول مواجهة له مع السلطات. اعتُقل عدة مرات وهو مراهق بسبب إلقائه الشعر أو سفره دون تصريح. شكلت هذه التجارب أسلوبه الشعري المباشر والجريء والمقاوم..
نشر مجموعته الشعرية الأولى “عصافير بلا أجنحة” عام ١٩٦٠ وعمره ١٩ عامًا. وفي عام ١٩٦٤، نشر “أوراق الزيتون”، التي تضمنت قصيدته المقاومة الشهيرة “بطاقة هوية” (“سجل أنا عربي”)، والتي أصبحت نشيدًا احتجاجيًا :
سجل
أنا عربي
ورقم بطاقتي خمسون ألف
وأولادي ثمانية…
أيغضبك؟(1)
بسبب هذه القصيدة، وُضع قيد الإقامة الجبرية من ١٩٦٧ إلى ١٩٧٠، مما عزز سمعته كـ”شاعر المقاومة”. رأت السلطات الإسرائيلية في كلماته خطرًا، لكنها ألهمت الفلسطينيين وحولت الشعر إلى سلاح ضد النسيان
المنفى والنضال والنمو الأدبي
في السبعينيات، غادر درويش إسرائيل وعاش في المنفى متنقلًا بين موسكو والقاهرة وبيروت وتونس وباريس وعمّان. في بيروت، انضم إلى منظمة التحرير لفلسطين، وعمل في لجنتها التنفيذية (١٩٨٧-١٩٩٣)، وساعد في صياغة وثائق مهمة مثل إعلان الاستقلال الفلسطيني عام ١٩٨٨.
مع مرور الوقت، تخطى شعره الاحتجاج السياسي المباشر لاستكشاف موضوعات أعمق مثل المنفى والحب والذاكرة والهشاشة الإنسانية. و مجموعات مثل “عاشق من فلسطين” (١٩٦٦)، و”آخر الليل” (١٩٦٧)، وأعمال لاحقة مثل “للأسف، كانت جنة” (٢٠٠٣) و”جدارية” (٢٠٠٠) مزجت الأشكال الكلاسيكية العربية بالأساليب الحديثة.
تأثر بكتّاب عالميين مثل بابلو نيرودا، وفيديريكو غارسيا لوركا، ويهودا عميحاي، لكن صوره الشعرية ظلت فلسطينية بعمق—أشجار الزيتون، والجروح كرموز للأرض، ورائحة الخبز عند الفجر، والخرائط المفقودة
وقصائده مثل “أحن إلى خبز أمي” (١٩٦٦) تحولت إلى أغانٍ محبوبة تحتفي بالصمود اليومي :
أحن إلى خبز أمي
وقهوة أمي
ولمسة أمي(2)…
وفي قصيدته “على هذه الأرض:
على هذه الأرض ما يستحق الحياة
تردد نيسان،
رائحة الخبز عند الفجر(3)…
حتى في سنواته الأخيرة، بعد استقالته من منظمة التحرير احتجاجًا على اتفاقيات أوسلو (التي اعتبرها غير عادلة)، ظل ملتزمًا بالعدالة. انتقد الانقسامات الداخلية وأصر على أن على الشعر أن يرتفع فوق السياسة دون التخلي عن الإنصاف
إرثه كرمز للمقاومة
نشر درويش أكثر من ٣٠ مجموعة شعرية و٨ أعمال نثرية، تُرجمت إلى عشرات اللغات. حصل على جوائز مثل جائزة لينين للسلام ووسام فارس الفنون والآداب الفرنسي. لكن تأثيره الأكبر كان ثقافيًا: تُتلى أبياته في الاحتجاجات، ويغنيها العمال والأطفال، وتشكل جزءًا من الهوية الفلسطينية.
وربط بين المعاناة الشخصية والجماعية، محولًا المنفى إلى استعارة عالمية. وصفته الشاعرة نعومي شهاب ناي بأنه “النفس الأساسي للشعب الفلسطيني، الشاهد البليغ على المنفى والانتماء”.(4)
توفي في ٩ أغسطس ٢٠٠٨ في هيوستن بعد عملية جراحية في القلب. حزن عليه العالم العربي وخارجه. حضر الآلاف جنازته في رام الله، حيث قالت أمه: “أنت ابن الجميع”.
واليوم، وسط التحديات المستمرة، تبقى كلماته مقاومة حية. في غزة وعبر الشتات، يلهم شعره الأجيال الجديدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والشعر المنطوق، والصمود الهادئ. ذكّر العالم بأن فلسطين تعيش في الذاكرة والمجاز وفي صوت لا يُقهر, وجعل استعارة فلسطين أقوى من واقع فلسطين
محمود درويش لم يكتب المقاومة فقط بل عاشها.وأثبت قوة الشعر في الحفاظ على شعب، ومواجهة الظلم، وتأكيد الإنسانية رغم كل الصعب. يبقى إرثه كشاعر المقاومة الفلسطينية عصيًا على الانكساروان شاعر فلسطين الكبير – لم يكتب شعره من أجل الجمال أو الحب فقط، بل كان معظم ما كتبه كله تقريبًا يحمل هدفًا واضحًا وعميقًا في الدفاع عن فلسطين، والمقاومة ضد الاحتلال، والحلم بتحريرفلسطين، والحفاظ على الهوية الفلسطينية والمنفى والألم والخسارة إلا أننا لا نستطيع سرد كل القصائد لأنها كثيرة جدًا وأكثر من 30 ديوانًا، فنختار فقط أشهرها وأقواها تأثيرًا كأمثلة توضح هذا الهدف الكبير
الامثلة البسيطة للتوضيح
قصيدة “على هذه الأرض”(4)
تقول هذه القصيدة:
“على هذه الأرض ما يستحق الحياة”، وتؤكد أن فلسطين تستحق الصمود والحياة رغم الاحتلال.
صمت من أجل غزة
تعني هذه القصيدة بأن غزة تقاوم الاحتلال بجسدها ودمها، فكل انفجار فيها ليس موتًا أو انتحارًا، بل طريقتها الوحشية والنبيلة في إثبات أنها تستحق الحياة، وتكسر أحلام العدو وتجعله يخافها رغم فقرها وبساطتها:
تحيط خاصرتها بالألغام.. وتنفجر.. “
لا هو موت.. ولا هو انتحار؛
إنه أسلوب غزة في إعلان جدارتها بالحياة،
وستستمر في الانفجار لا هو موت ولا هو انتحار،
ولكنه أسلوب غزة في إعلان جدارتها بالحياة”(5)
عاشق من فلسطين
ان الشاعر يعشق فلسطين كحبيبة، فيصف عيونها التي توجع قلبه ويحميها من الريح، ويؤكد أنها تبقى خضراء رغم المنفى والسجن والاحتلال، ويربط حبه لها بحبه للأرض والوطن، فهي ليست مجرد بلد بل حياة وذاكرة وأمل يتجدد حتى في أصعب الظروف :
“عيونك شوكة في القلب توجعني “
وأعبدها وأحميها من الريح” “
فلسطينية كانت.. ولم تزل ” ،”
(6)”أنا زين الشباب، وفارس الفرسان”
حاصر حاصرك (من ديوان “حالة حصار:
في وسط الحصار الشديد والجنود والدمار، يدعو الشاعر الإنسان الفلسطيني إلى مواجهة الواقع بقوة داخلية،
و يلتقط ذراعه المقطوعة ويضرب بها العدو، ويحول أشلاءه وجراحه إلى ذخيرة وجنون مقاومة، حتى يصبح حرًا حقًا رغم كل الخسائرفيقول:
“حاصر حصارك.. لا مفر! سقطت ذراعك فالتقطها واضرب عدوك.. لا مفر“
وسقطت قربك فالتقطني واضرب عدوك بي فأنت الآن حر حر وحر”، “
” أشلاؤنا أسماؤنا.. حاصر حصارك بالجنون! وبالجنون! وبالجنون “(7)
يوميات جرح فلسطيني
بعد هزيمة 1967، يصف الشاعر الجرح الفلسطيني الذي يبقى حيًا في الجسد والذاكرة، فالأرض موجودة فينا رغم المنفى والسلاسل، والشهداء يتحولون إلى قذائف ونجوم، والحب والمقاومة ينمو من الجرح نفسه، ونحن لحم البلاد ولا نكتب شعرًا بل نقاتل من أجله، ونرفض البكاء إلا من الفرح يوم النصر:
“نحن في لحم بلادي.. وهي فينا”
“نحن لا نكتب أشعارًا، ولكنا نقاتل مناسبتها”
(8)“آه يا جرحي المكابر“
قصيدة الأرض
يصف الشاعر الأرض الفلسطينية حية مثل الأم والحبيبة، تُقتل فيها الفتيات الصغيرات (كخمس بنات في آذار أمام المدرسة) لكنها لا تموت، بل تستمر في العطاء والاخضرار والانتفاضة، والشاعر يتوحد مع ترابها وحجارتها وعصافيرها، فيحول الجروح إلى أجنحة والحصى إلى أسلحة، ويؤكد أن الأرض لن تمر عليها الغزاة، فهي جسده وروحه وستظل تقاوم حتى التحرير:
” أنا الأرض.. والأرض أنتِ “
“خديجة ! لا تغلقي الباب لا تدخلي في الغياب سنطردهم من إناء الزهور وحبل الغسيل”،
“لن تمرّوا.. لن تمرّوا.. لن تمرّو”(9)
الهوامش
(1) https://www.aldiwan.net/search.php? بطاقة هوية – محمود درويش – الديوان 2/15/2026/page 1, at 1:47 AM.
(2)https://www.aldiwan.net/search. أحن إلى خبز أمي – اقتباسات محمود درويش – الديوان2/15/2026/page 1, at 1:59 AM.
(3)https://www.aldiwan.net/search. على هذه الأرض – محمود درويش – الديوان 2/15/2026/page 1, at:3 AM.
(4) https://www.aldiwan.net/search. 2/15/2026/page 1, at:3 AM(المرجع السابق)
(5) https://www.youm7.com/story18 /02 /20-26 صمت من أجل غزة at 11:41PM
(6) https://www.aldiwan.net/search.php عاشق من فلسطين – محمود درويش – الديوان
(02/ 18/2026 at 11:55 PM)
(7) https://www.tybaa.com/training/74962حاصر حصارك – محمود درويش (02/ 19/2026 at 12:25 AM)
(8) https://www.aldiwan.net/search.php
)محمود درويش الديوان يوميات جرح فلسطيني (02/ 19/2026 at 12:29 AM)
https://www.aldiwan.net/search.php (02/ 19/2026 at 12:45 AM) (9)
قصيدة الأرض – محمود درويش – الديوان) )
2
