Main Menu Top Menu

مساهمة غلام علي آزاد البلغرامي في الأدب العربي

                                                                                     د. طفيل أحمد خان

التقديم:

تطورت اللغة العربية في الهند منذ القرن السابع الميلادي وإن التجار العرب لعبوا دورا قياديا في نشر هذه اللغة في سواحل الهند الغربية والجنوبية، وبذلوا جهدا جهيدا لنشر العربية والإسلام. فظلت اللغة العربية وآدابها من أهم المواد في المناهج الدراسية الإسلامية عبر العصور مدفوعة بدوافع دينية واقتصادية وسياسية. فكان المسلمون ولايزالون يحتاجون إلى تعلم هذه اللغة من أجل فهم القرآن الكريم والحديث الشريف. فلذلك انتشرت اللغة العربية وتطورت الفنون الإسلامية والأدبية في معظم أنحاء الهند. فتأسست فيها مدارس عربية ومراكز ثقافية، ومازالت الهند وكذلك لاتزال من أكثر البلاد غير العربية تطورا وازدهارا في مجال الثقافة العربية الإسلامية حتى يضاهي عدد كبير من العلماء الهنود كبار العلماء العرب. وقد أنجبت الهند المئات من الشخصيات البارزة من العلماء والأدباء والمصلحين الذين حملوا الأقلام خدمة للعلوم العربية كما أنهم حملوا السلاح دفاعا عن وطنهم، ومنهم: أبو عطاء السندي، وعلي بن حسام الدين المتقي البرهانبوري، والشيخ عبد الحق الدهلوي، والملا محمود جونبوري، والشاه ولي الله الدهلوي، والأمير صديق حسن خان وغلام علي آزاد البلغرامي وفضل حق خيرآبادي، وعبد الحي الحسني، وعبد الرحمان المباركفوري، وعبيد الله المباركفوري، وحميد الدين الفراهي، وأنورشاه الكشميري، وأبو الحسن علي الحسني الندوي وغيرهم. ولكن في هذه العجالة سأركز عنايتي على أحوال غلام علي آزاد البلغرامي ومساهمته في الأدب العربي.

حياته ونشأته (1116ه 1704م-1200ه 1786م)

هو أشهر شعراء العربية ومن كبار أدبائها في الهند وكذلك أول مؤرخ للثقافة العربية والفارسية في الهند.

ولد غلام علي آزاد البلغرامي في قرية بلغرام في أترابراديش في سنة 1116ه ونشأ بها. وشب في بيئة علمية، قرأ الكتب الدراسية على السيد طفيل محمد الأترولوي ثم أخذ اللغة والحديث والسير عن جده لأمه السيد عبد الجليل البلغرامي، وسافر بعد ذلك إلى دلهي في عام 1134 الهجري حيث كان جده لأمه يشتغل لدى السلطان المغولي محمد شاه وأقام بها لمدة عامين يدرس خلالها العلوم العربية والإسلامية المختلفة، ثم سافر وتوجه إلى لاهور في عام 1143 الهجري حيث لقي بأحد كبار الشعراء وهو ” فقير الله آفرين”[1] وهناك بدأ يكتب كتابه في تراجم شعراء الفارسية بإسم “يد بيضاء”، وخرج في سنة 1150 الهجرية لسفر الحج ماشيا على الأقدام ودون أن يخبر بذلك أسرته، وبقي في الحرمين الشريفين نحو سنتين ودرس الحديث الشريف في المدينة المنورة على الشيخ محمد حيات السندي، ثم ذهب إلى مكة المكرمة، ودرس الحديث على الشيخ عبد الوهاب الطنطاوي المصري، وسر الشيخ عبد الوهاب بتخلصه الشعري “آزاد” وأشاد به قائلا: “يا سيدي أنت من عتقاء الله”[2]

ثم رجع غلام علي آزاد إلى الهند فلم يذهب إلى بلغرام بل توجه إلى مدينة أورنغ آباد وسكن فيها، وقامت بينه وبين الأمير نظام الدولة أواصر الصداقة والوداد والمحبة والاحترام المتبادل، وظل في تلك المدينة إلى أن وافته المنية في عام1200 الهجري- 1786 الميلادي.[3]

مساهمته في النثر العربي

كان غلام علي آزاد البلغرامي ورعا زاهدا مقتنعا بما أعطاه الله من متاع الدنيا، لم يستغل أبدا منصبه ومكانته لكسب المال وإدخاره بل قضى حياته مكبا على المطالعة وعاكفا على التأليف والتصنيف، هو بلا شك كان شاعرا أديبا ومؤرخا، إنه كتب كتبا عديدة قيمة في المواضيع المختلفة ولكنه ركز على تاريخ الثقافة الإسلامية في الهند، وكتب كثيرا عن أحوال ومساهمات أدباء الهند وشعرائها وعلمائها باللغتين العربية والفارسية وأشهر مؤلفاته: سبحة المرجان في آثار هندوستان، وأسماء آثاره العربية الأخرى كما يلي:

  • ضوء الدراري شرح صحيح البخاري (2) تسلية الفؤاد في قصائد آزاد (3) شفاء العليل (4) يد بيضاء (5) غزلان الهند (6) خزانة عامرة (7) روضة الأولياء (7) مآثر الكرام في تاريخ بلغرام (8) السبعة السيارة (9) مرآة الجمال (10) مظهر البركات (11) سند السادات في حسن خاتمة السادات (12) الشجرة الطيبة في أنساب السادة من أهل بلغرام (13) سرو آزاد (14) شمامة العنبر فيما ورد في الهند من سيد البشر.

نالت هذه الكتب كلها شهرة واسعة في أوساط العلماء والأدباء خاصة كتابه سبحة المرجان في أثار هندوستان، يعد هذا الكتاب من أهم مؤلفاته وألفه العلامة في عام 1177 الهجري، ويحتوي هذا الكتاب على أربعة فصول، يتضمن الفصل الأول كل ما جاء من ذكر الهند في كتب التفسير والحديث، والفصل الثاني يحتوي على تراجم عدد ملحوظ من العلماء والأدباء والشعراء الذين ولدوا في الهند أو هاجروا إليها في أزمنة مختلفة كما أنه أيضا بحث في حياتهم ومؤلفاتهم وفي ترقية الثقافة الإسلامية. والفصل الثالث في محسنات الكلام، فالهنود كالعرب ساهموا في إثراء علم البديع كما يقول السيد غلام علي آزاد في مقدمة سبحة  المرجان: “هم أيضا دونوا علم البديع في لسانهم وصاغوا حليا من إبريز بيانهم فعطروا المجافل بعرف الصنادل، وأرجوا المجامع بأرج المنادل، فأحببت أن أنقل بعض بديعهم إلى لسان العرب العرباء وأضيف صوت الكوكلاء إلى سجع الورقاء”.[4] والفصل الرابع يتناول ذكر المعشوقات والعشاق، في هذا الفصل بحث غلام علي آزاد أبعادا مختلفة وجوانب متننوعة للحب والحبيب.

على كل حال فإن كتاب سبحة المرجان في آثار هندوستان كتاب قيم وله أهمية كبيرة، وفي الحقيقة أول كتاب ألف في تراجم علماء الهند وعلومها باللغة العربية بل يمكن لنا أن نقول إن هذا الكتاب هو الذي خلد إسمه وجعله في صفوف الكتاب والمنشئين العمالقة في الهند، ويحتوي هذا الكتاب على 45 ترجمة بجانب ترجمة صاحب الكتاب الذاتية المشتملة على 12 صفحة. وأما كتابه ضوء الدراري شرح صحيح البخاري، فهو يبتدأ من الكتاب ” كيف بدأ الوحي” وينتهي بـ”كتاب الزكاة”، إنه كتبه على نفس المنهج الذي اختاره أحمد القسطلاني في شرحه للبخاري كما يقول عبد الحي الحسني: “ملخص من شرح القسطلاني، ألف البلغرامي هذا الكتاب خلال إقامته في الحجاز”.[5] وكتابه شمامة العنبر فيما ورد في الهند من سيد البشر، ألف هذا الكتاب سنة 1162ه وذكر فيه الأحاديث التي ورد فيها إسم الهند وكذلك ذكر أقوال المفسرين والمحدثين المتعلقة بفضائل الهند.

العلامة غلام علي آزاد لم يكن كاتبا فحسب بل كان أيضا ناقدا قديرا، فإنه كتب “شفاء العليل” في اصلاحات كلام أبي طيب المتنبي، وكان يكتب نثرا جيدا بليغا مرسلا خاليا عن التكلف والصنعة التي غلبت على عامة مؤلفي الهند إلا أنه استخدم في بعض الأحيان الأسلوب المسجوع المقفى ولكنه كان من باب الزينة يرصع بها كلامه.

مساهمته في الشعر العربي

لم يكن غلام علي آزاد البلغرامي كاتبا فقط بل أيضا كان شاعرا بارعا قادرا على نظم الكلام باللغات العربية والفارسية والسنسكرتية وهو حسان الهند ومداح النبي صلى الله عليه وسلم تبدو شاعريته بكل وضوح لايوجد فيها غموض ولا تعقيد، أنه وفق لمدح النبي صلى الله عليه وسلم، فأوجد في مدحه معاني كثيرة نادرة وأجاد فيها وله عشرة دواوين يشتمل هذا الكتاب على سبع عشرة حكاية في صورة المزدوجات وكذلك ” مرآة الجمال” الذي يعتبر من أجمل شعر الوصف لشعراء الهند، يحتوي هذا الكتاب على 105 أبيات في وصف المعشوقة من الرأس إلى القدم.

لاشك في أنه أشعر شعراء الهنود وأعلى مكانة في الشعر فهو فريد دهره في هذا المجال ولم تنجب الهند شاعرا أشعر منه ولا مادحا أمدح منه ولا متغزلا أغزل منه ولا ناعتا أنعت منه ولا مبدعا أبدع منه في الفنون الشعرية.

توجد في قصيدته جزالة اللفظ وفخامة المعنى ورشاقة التركيب ورصانه الأسلوب وفصاحة الألفاظ، إنه مبدع في المدح مجيد في التشبيه، وإنه جمع بين تعمق في الفكر وتفوق في الخيال وبين دقة في التصور وقوة في التصوير، وامتاز بتوليد المعاني واستقصائه كما يقول:

برق أضاء من الزوراء يشجيني          يا رب ما له يبكي ويبكيني

أنى لسان يؤدي شكر أنعمه              بالماء والنار يرويني ويوريني

هويت حسناء أسعى في إراحتها          وتلك في غاية الإيذاء تؤذيني

لا يذهب الغل ماء  المزن من كبدي     بل ماء يا قوته للماء يرويني

تبكي وتذكرني بعد الوفاة فهل            بكاؤها بعدما قويت يجديني[6]

ويقول في كان آخر:

لواحظها التي تعمى الرمايا               سهام لاتدافع بالتروس

ومن لدغته طردتها تفضى               هلا المرء لدغ القطربوس

تلوث ذيلها بدمي فقالت                  دم الشهداء مسك في اللبوس

مواعدها هباء أو سراب                  تؤكدهن بالقسم الغموس[7]

فالمدائح النبوية التي جرت على لسان شعراء الهند صدرت عن طبعهم الصادق وهذه المدائح ثروة أدبية من أغنى الثروات الثقافية والإنتاج الشعري، ولم يستطع أي شاعر أن يرقى بفنه الشعري في مدح النبي صلى الله عليه وسلم إلى الدرجة التي رقيها حسان بن ثابت رضي لله عنه، وأن غلام علي آزاد البلغرامي هو حسان الهند لم يبلغ شاؤه كثير من الشعراء المفلقين واالمكثرين، فهو من أكبر شعراء المديح وأكثرهم قصيدة وشعرا في شبه القارة الهندية، وإذا أنعمنا النظر في قصائد البلغرامي وجدنا أن جل قصائده في مدح النبي صلى الله عليه وسلم لم تخرج عن الأسلوب الجاهلي، فقد بدئت بالنسيب والتشبيبب الذي تعود عليه الشعراء الجاهليون فهو يقول:

        لمحت إلي بعينها الكحلاء              فمرضت طول العمر بالسوداء

ولقد ثملت بلحظة سمحت بها            من نرجس ريان بالصهباء

ما للعواذل هل أطيق قطيعه            عن يانة هي أعرقت بحشائي

ضاءت غدائرها بنور جبينها            فيهن حس اللليلة الغمراء

والثغر في فمها وميض كامن             يبدو إذا ابتسمت على الحضراء

ولقد أتتني ليلة فحسبتها                 ماء الحياة يسيل في الظلماء[8]

وبعد التشبيب والنسيب بدأ البلغرامي ببيان صفات الرسول صلى الله عليه وسلم بحيث أنه برهان رب العالمين وخير من وطئ الأرض وخير من صعد السماء ثم أشار إلى بعض المعجزات التي صدرت على أيدي الرسول صلى الله عليه وسلم فهو يقول:

برهان رب العالمين حبيبه              في الأمة الأمية العرباء

هو خير من وطئ التراب وبكفه         ضم السماء وخيرة الشرفاء

نطق المسيح بمعدة وبكفه                صعد السماء وخيرة الشرفاء

غرس النخيل فأثمرت من عامها         بعتاق مملوك سبحن كالأحياء

رجعت ذكاء إلى الكفاء بأمره             وانشق صدر البدر بالإيماء[9]

ومن بين كافة قصائد آزاد اشتهرت إحدى قصائده بلامية الهند، وهي من أروع قصائده وأبدعها، بدأها كعادته بالنسيبب ثم عطف عنان القلم عن التغزل كما يقول بتمهيد المخلص:

فانظر إلى من تجلى فظاهره             سبحانه وتعالى منتهى الأمل

غرست لله تسبيحا وأرقب أن             أنال أثماره في أقصر المهل

بجاه من أثمرت أشجاره عجلا            عونا لعبد عتيق حارفي العمل[10]

فالقصائد كلها لغلام علي آزاد مليئة بالقوة والروعة والعاطفة الإيمانية، إنه صرف كل مؤهلاته الشعرية وطاقاته الفنية ومواهبه في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم وأجاد فيها وصار من الشعراء الكبار الذين لاتوجد في كلامهم شائبة العجمة ولوثة الأعجام، ولأجل ذلك لقب بـ حسان الهند، ومن أجمل أشعاره:

شأن المحب عجيب في صبابته         الهجر يقتله والوصل يحييه

لولاه ماساقه عرف الصبا سحر           ولم يكن بارق الظلماء يشجيه

أيا صواحب أكباد مقطعة                فذلكن الذي لمتنني فيه[11]

على كل حال كان غلام علي آزاد أديبا وناقدا وشاعرا مطبوعا مجيدا في اللغتين العربية والفارسية، وكانت له القدرة الفائقة على قرض الشعر وكان يتمتع بخيال خصب وإحساس مرهف، وهو مبتكر في المعاني ومبدع في الوصف وإما نثره فهو سلس وبليغ ومرسل ومن هنا هو يعد من العلماء والأدباء الذين أضافوا رصيدا قيما إلى ثروة العلم والأدب العربي في الفنون المختلفة ولكن ظهر إبداعه بوجه خاص في قصائده في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم خاصة.

الهوامش

[1]  نفحة الهند، د- أشفاق أحمد ص 20

[2]  نفس المرجع ص 21

[3]  نزهة الخواطر ج6 ص 208-213

[4]  مقدمة سبحة المرجان ص 4

[5]  سبحة المرجان ج 6 ص 200

 والنواظر (الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام)، ص 773 نزهة الخواطر وبهجة المسامع    [6]

[7] نفس المرجع،  ج 6، ص 969

[8]  نفس المرجع، ص 970

السبعة السيارة، الديوان الأول، ص:2-3.[9]

[10]   نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر، ج 6، ص 972

[11]  نفس المرجع، ص 970

المراجع والمصادر:

  • سبحة المرجان في آثار هندوستان، لغلام علي آزاد البلغرامي
  • نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر (الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام)، لعبد الحي الحسني، دائرة المعارف العثمانية حيدرآباد
  • الثقافة الإسلامية في الهند، للسيد عبد الحي الحسني، دمشق، 1965م
  • المدائح النبوية في الهند، للكتور، محمد صدر الحسن الندوي المدني، أومية بريس أورنك آباد، 2007م
  • نفحة الهند، للدكتور أشفاق احمد، 2006م
  • الآداب العربية في شبه القارة الهندية، للدكتور زبيد أحمد
  • نشوة السكران من صهباء تذكار الغزلان، محمد صديق حسن خان القنوجي
2