عبدالله سراج
باحث الدكتوراه في مركز الدراسات العربية والإفريقية
جامعة جواهر لال نهرو – نيودلهي
إن الروايات العربية عامة لم تتناول قضايا وحَكايا سكان أمريكا الأصليين بكثافة رغم كثرة ما كُتب من الروايات عن الهنود الحمر وحضارتهم في الغرب ونُشرت الدراسات التي محّص فيها النقاد بما اغبرّ عليها خطابات الإستعمار أو تلميحات التفوق على أساس العرق واللون والدين ونقحوها من كل شوائب الإمبريالية التفوقية الأوروبية التي أبادت حضارة كاملة وأسست على أنقاضها حضارة أمريكا الحالية وقدمت العقلية الاستيطانية الاستعمارية. والدراسات حول سكان أمريكا الأصليين موجودة بوفرة في الغرب منها: “Native americans, Indigenous peoples of Canada and United states” لـ “اليزابيث براين” وCenter for Native American and Indigenous Research التي نشرتها “American philosophical society” وAmerican Indian and Alaska Native Records in the National Archives التي نشرتها “Native American Heritage” وكذلك كُتبت روايات كثيرة عن الهنود الحمر في أمريكا منها:
١. There There لـ “Cheyenne”
٢. Ceremony لـ Leslie Marmon Silko
٣. The Lone Ranger لـ Sherman Alexie
٤. The Only Good Indians لـ Stephen Graham Jones
رغم شُحّ الروايات والدراسات عن الهنود الحمر في اللغة العربية إلا أن ثلاث روايات تحدثت عنهم وتناولت من تاريخهم وثقافتهم وتقاليدهم. أولها “هوشيلاجا” لـ سميح مسعود، وثانيها “أمريكانلي” لـ صنع الله إبراهيم وثالثها “شيكاجو” لـ علاء الأسواني، والأخيرة لم تتناول عن الهنود الحمر إلا قليلا في بدايتها.
وتناولت الروايتين الأوليين عن الإبادة الجَماعية المؤلمة التي تفجع القلوب وتدمي العيون لشعوب وقبائل سكان أمريكا الأصليين المختلفة المتكونة من المانكا والمايا والإيروكوا والموهوك وغيرهم. وتذكر الأول عن روح الاستيطانية الغربية المتجذرة في عروقهم هكذا: “وفي لحظة تصببت عَرَقا عندما تذكرت حروب الإبادة التي قامت بها إسبانيا مستخدمة كل وسائل المكر ضد السكان الأصليين أصحاب الحضارات الإنسانية، يثيرني ما فعلوه بهم، لقد اقتلعوهم من جذورهم، ولم يُبقوا منهم سوى فئة قليلة، وضعوا أفرادها في محميات مغلقة وفرضوا عليهم دينهم، ثم جاءهم مئات المبشرين الإسبان من كل حدب وصوب ليعلموهم لغة المحبة والإخاء، متناسين جرائم الإبادة التي قامت به حكومتهم.” وقال الثاني: “وسرعان ما توافد عليها آلاف المستعمرين كما يتدافع النمل على إناء العسل، وخلال مائة عام التالية: شن المستعمرون البيض حروب إبادة مروعة، قتلوا خلالها ما بين ٥ و١٢ مليون نفس من الهنود الحمر في كل أنحاء أمريكا… وقد ذهب كثير من المستعمرين البيض إلى أن الهنود الحمر، بالرغم من كونهم ضمن مخلوقات الله على نحو ما، فإنهم لم يخلقوا بروح المسيح، وإنما خلقوا بروح أخرى ناقصة شريرة. وأكد آخرون بثقة: أن الهنود الحمر مثل الحيوانات، مخلوقات بلا روح ولا ضمير وبالتالي فهم لا يحملون القيمة الإنسانية التي يحملها الرجل الأبيض.”
لقد يحير العقول عمى التفوق العرقي والحضاري الغربي على الشعوب الأخرى حتى تُباد المدن بأكملها وتقام عليها ناطحات السحاب، وتُنكل الشعوب بأسرها في أوج حضارتها لتتدحرج إلى محميات مغلقة ضيقة مخصصة لهم، وتُسلب منها حريتها لترضى على الحثالة والفقر والجوع والجهل. ونزلت كارثة إنسانية دامية على الشعب الهندي التي لم تعرفه البشرية من قبل حيث استخدمت شتى وسائل الإبادة من القتل والدمار والتعذيب بأساليب متنوعة مبتكرة من قطع الأنامل وصب الزيت المغلي والرصاص المذاب في جراحهم أو إحراق أحياء على مرأى الأسرى وتطهير عرقي ونشر الأوبئة المميتة والقتل باسم الدين والتجويع والاستيطان ونهب خيرات البلاد وما كان أول مكتشف يرغب إلا في الذهب: “لا أرغب في التوقف عن الذهاب إلى أماكن أبعد بل أرغب في اكتشاف الكثير عن الجزر والذهاب إليها، بحثا عن الذهب”. وبعد المأساة الدامية التي تعرض لها الهنود الحمر تناسى حكومات الأمريكيتين فأصبحوا كالغرباء في بلدهم كما ذكر ألِغ بلاتونوف عن معاناتهم بهذه الكلمات: “وبعد الاستيلاء على أراضي الهنود كان الغزاة يعلنون أن سكانها الأصليين هم أجانب، وحسب القوانين الأمريكية التي ظلت المفعول حتى عام ١٩٢٤، فإن الهنود الحمر لم يكونوا مواطني ولم يكونوا يتمتعون بأية حقوق.” وحسب الروائي سميح مسعود: “أعترف أن الإنجليز يستحقون بجدارة جائزة أهم شياطين الأرض لأنهم عبثوا بمصير مجموعة كبيرة من البشر في أمكنة كثيرة، سطوا على أملاك الغير وأبادوا في الأراضي، التي تسمى الآن الولايات المتحدة، نحو مائة مليون إنسان من سكانها الأصليين، تفننوا باستخدام كل وسائل الإبادة، من الأسلحة والجراثيم والأوبئة القاتلة”.
والمدن الحالية في بعض بلدان أمريكا التي تعج بالعمارات الشاهقة والأبنية الوطيدة قائمة على أنقاض مدن ابادتها الإمبريالية وأحالت عليها تربة من مجاهل النسيان، ومن أمثالها شيكاغو المدينة الزراعية الأمريكية الواسعة الصيت. وبدأ علاء الاسوانى روايته “شيكاجو” بقصتها: “قد لا يعرف الكثيرون أن شيكاجو ليست كلمة إنجليزية، وإنما تنتمي إلى لغة الألجنوكي، وهي إحدى لغات عديدة كان الهنود الحمر يتحدثون بها.. معنى شيكاجو في تلك اللغة (الرائحة القوية)، والسبب في هذه التسمية أن المكان الذي تشغله المدينة اليوم، كان في الأصل حقولا شاسعة خصصها الهنود الحمر لزراعة البصل، الذي تسببت رائحته النفاذة في هذا الإسم.” وذكر سميح مسعود بقدر من الإيضاح والتبيين: “على أنقاض قرية هوشيلاجا أقام المحتل الأبيض مدينة مونتريال الحالية بكل ما فيها الآن من مظاهر عصرية” وفي مكان آخر: “إن المستوطنين الفرنسيين الأوائل بنوا في البداية حصنا يسمى الآن مونتريال القديمة التي نجلس على أرضها، فأخذت تنمو مع الأيام في حلقات متتابعة حتى أصبحت على ما هي عليه في الوقت الراهن، ليس فيها من عناصر تركيبها الأولى أي شيء، أزالوا عنها كل ما علق بها من رواسب أيام أجدادنا.”
إن أمريكا الحالية التي اكتشفها كريستوفر كولومبوس سنة ١٤٩٨ للميلاد فكتب عن أول لقاء يجمعه مع قبائل تاينو القاطنة على جزر الكاريبي: “إنهم يدعونك إلى مشاركتهم بكل شيء يملكونه ويظهرون من المودة ما يجعل المرء يعتقد بأنهم يقدمون قلوبهم أيضا، وكان جهلهم المال والحديد وعريهم الكامل يوحي إلى كل اوربي مثقف أنهم من بقايا العصر الذهبي”. وكانت تعُمّ بزخارف حضارة راقية بلغت أوجها في الهندسة المعمارية والزراعة والرياضيات والفلك والفن والنحت والموسيقى والإدارة الحكومية والعائلية والسياسة الناجحة متزودة بناءها التحتي بالاحترام والتعايش والتكاتف والتعاون كما ذكر سميح مسعود في روايته: “وأنه بالنسبة لأجدادهم كان لا بد أن يكون الزعيم من الحكماء الملمّين بمعرفة الأساطير، له المقدرة على تحقيق الأمن والاستقرار لقبيلته، يوفي كل مشكلة تواجه شعبه حقها من الاهتمام، بالتعاون مع مجلس استشاري يتألف من عدد من كبار السن.” وفي مكان آخر: “إن رابطة قبائلهم الموحدة قد اعتمدت في تنظيم أمورها على دستور يعتبر من أقدم دساتير العالم وأنها عبرت عن نظامها بتشكيل برلمان يعتبر ثاني أقدم برلمان عرفته البشرية، كانت مقاعده تشغل من خلال انتخابات حرة ينتخب فيها أفراد من القبائل الست، يجتمعون في أوقات محددة، ويعملون معا حل مشاكلهم بحرية ضمن ما يمليه عليهم الدستور.”
لقد ذكر روجيه غارودي في كتابه عن مقتطفات من حضارتهم مثل: “أولا، لقد أوجدت هذه الشعوب زراعة الذرة ومضت بزراعتها إلى درجة متقدمة جداً. وهي تعرف، بصورة عميقة، عددا كبيرا من الأعشاب الطبية. وقد ازدهرت لديهم الكيمياء والأقرباذين ازدهارا عظيما” ثم يستأنف حديثه عن شعوب أمريكا الأصلية غير أن حكاياتهم تدارست بأيد الزمان وأحرقت محفوظاتهم بالمبشرين البيض: ” وعلى هذا فقد كان أولئك الناس يستخدمون تقويما أدق من التقويم الغريغوري بفارق ١٠٠٠٠/١ تقريبا! لقد كان المايا يستخدمون الحساب العشري قبل أن نعرفه، نحن في أوربة، وذلك بفضل الصينيين والعرب. وأن فنهم التشكيلي هو الشاهد الوحيد الذي لا يدحض مما وصلنا عنهم ولو جزئيا. وإنه فن يقترب اقترابا غريبا من فن الخمير والفن الصيني. إنه فن أسلوبي تعبيري، فن عظيم جدا”
قضايا الهنود الحمر في الروايات العربية:
إن الروايات غير ثرية في تناول قضايا سكان أمريكا الأصليين وكذلك الدراسات العربية عنهم لا تغني عن الجوع ولا تسد لهفات الباحثين. وإن شحّت الروايات عن الهنود الحمر غير أنه ثلاث روايات التي شملتها في هذه الدراسة وهي:
١. هوشيلاجا لـ سميح مسعود
٢. أمريكانلي لـ صنع الله ابراهيم
٣. شيكاجو لـ علاء الاسواني
سأحاول أن أتحدث عن أبرز قضايا الهنود الحمر عن طريق هذه الروايات الثلاث.
١. هوشيلاجا لسميح مسعود: الرواية هوشيلاجا تعد الأولى باللغة العربية عن الهنود الحمر بحسب الكاتب الدكتور سميح مسعود، الذي يستعيد فيها أرواح السكان الأصليين القاطنين في كندا الذين محا وجودهم الرجل الأبيض قبل نحو ٣٠٠ عاما، وفي الوقت نفسه يستعيد فيها حكايته كفلسطيني عاش المعاناة نفسها، باستحضار قضيته على لسان الهنود الحمر الذين طالهم ظلم المستوطن الأوروبي الذي جاء من وراء البحار. مقارنة المعاناة بين الهنود الحمر والشعب الفلسطيني فيها تماثل وتشابه إلى حد كبير لأن كلا منهما عاش نفس التجربة المريرة والإرهاق النفسي من الظلم والعدوان. والكاتب يستحضر هذا التقارن في عدة أمكنة: “مأساتنا واحدة، ثمة ترابط وثيق ما بين الذي عاش أجدادي في الماضي قبل إبادتهم، وما تعيشونه في الزمن الراهن من أيام عصيبة يسببها المحتل في فلسطين، ويدرك كل الذين تبقوا من شعبي حقيقة أيامكم المخضبة بالدماء.” وفي الصفحة نفسها: “أخشى أن يلقى شعبك في زماننا الراهن نفس مصير شعبي الذي لقيه في الزمن الماضي.” وكذلك يستحضر الكاتب معاناة ومأساة الشعب الفلسطيني: “يصعب علي في هذا الجانب من رواية السكان الأصليين أن أخرج من دائرة المكان والزمان، لأنني أرى مأساتهم في مزيج واسع من الأمكنة والأزمنة، أتذكرهم في كل الحروب القاتمة، وفي كل مظاهر الدمار والاستغلال والإبادة التي ظهرت منذ بدء الخليقة، وعندما أمسك قلمي للكتابة عنهم أتذكر طردي من مسقط رأسي، واحتلال غريب لبيتي الذي ولدت فيه وعشت فيه باكورة أيامي الأولى.”
ويستعيد سميح مسعود في روايته تاريخ الهنود الحمر الغابر وثقافتهم الثرية وتقاليدهم العريقة كأنه يستعرض شريط مرئي بتفاصيله الدقيقة واحتوائه جميع جوانبها فلا يكتب عن ثقافتهم إلا ما يرى بعينيه لكثرة الدعايات المختلقة الكاذبة حولهم لتغطية ضباب الافتراءات على روضة تقاليدهم وثقافتهم من أنماط حياتهم وحياة اجدادهم في حضن الطبيعة وتكاتف بعضهم ببعض وتعاونهم فيما بينهم بالمودة والحب، ولا يعلق على تاريخهم إلا بما متأكد منه لأن تاريخهم أغلبه مُسح بأيدي المستوطنين الإنجليز والإسبان والبرتغاليين والفرنسيين الذين طبقوا عليهم ثقافتهم ودينهم وايديولوجياتهم عنوة. والرواية هذه تتحدث بقدر من التفصيل عن ثقافتهم: “هالني منظر خيامهم الجلدية مخروطية الشكل، وأشرعة قوارب الكانو وهي ترفرف باتجاه الريح، فتح لي تاريخهم يديه على ملابس نسائهم المتوهجة بلونيها الأخضر والبرتقالي، وملابس الرجال ببريق خاص بها من جلود الحيوانات، وموتيفات من الريش الملون المكملة للباس التي يدل طولها على طولها على مقام من يعتمرها فوق رأسه. تزاحمت أمامي المقتنيات في نماذج كثيرة وتأليف متعددة الأشكال، أوان فخارية اختلطت بعضها ببعض. وأدوات حربية مختلفة من حيث التوظيف، لكنها كلها مصقولة من النحاس في صياغات تشكيلية عديدة، تلبي رغباتهم في مجال الصيد والدفاع عن النفس.”
ويذكر الروائي عن بعض مناسباتهم الدينية التي تشتمل على الأغاني والرقص حول النار أو إقامة الاحتفالات صاخبة للشمس كي تمنحهم السعادة والحياة الطويلة وعن معتقداتهم الإيمانية: “وأعلموني أنه حسب أساطيرهم يوجد كائن أعلى يؤمنون به، يسمع كل شيء، ويقوم مركز حكمهم فوق السحاب، أما السماء المرئية في مسكن للشمس والقمر والنجوم والكواكب والريح والرعد والبرق والمطر، يعبرون عن تقديسها وعبادتها بإشعال النار والرقص والغناء.” وفي مكان آخر: “وعن إيمانهم بأساطير كانت لهم بمثابة كتاب مقدس، تتحدث عن مجيء آلهة بيض من الشرق عبر أمواج المحيط، ستكون مخلصة لهم من جميع الشرور والخطايا. كانوا يجمعون قطع الذهب والمعادن النفيسة لتقديمها قرابين إلى هذه الآلهة حال ظهورها.”
وكان للرقص أنواع عدة عندهم منها: “رقصة الأعشاب التي كان المغني يتابعها بأصوات الطيور والحيوانات، وهناك رقصة الفجر التي تعتمد على الإيقاع الحركي للديك الرومي الذي يعلو صوته في الفجر، ثم هناك رقصة النسر الطائر التي يكتسي الراقص فيها بريش النسر، ومن الرقصات الأخرى، رقصة الطبيعة التي يؤديها الراقص على صوت آلة خشبية نفخية تشبه آلة الفلوت العصرية، وهناك أيضا رقصة الغابة التَي تقوم بها النساء، ورقصة الصيد.”
كانت قبائل الهنود الحمر منتشرة في كل نواحي قارة أمريكا شمالا وجنوبا يقتاتون بصيد البيسون البري والأسماك وزراعة أنواع من الخضراوات مثل الذرة الصفراء وعبادة الشمس والبطاطس والفاصولياء وقطع الأخشاب وتجميع النسغ السكري من جذوع شجر القيقب. وكانت الطبيعة مصدر روحانيتهم حيث حياتهم اليومية كانت تندمج اندماجا تاما مع الطبيعة حسب الروائي: “عاشوا حوله على الفطرة في مجرى الزمن الماضي، راضين بما يمتلكونه من الدنيا، تحملهم أقدامهم على مدار الفصول الدافئة إلى الغابات والحقول لجني الغلال وصيد الحيوانات البرية، وينعزلون في خيامهم في فصل الشتاء بكتلة الثلجية المتجمدة، ويلتحمون بفرش مبطنة بالفرو الدافئ، ويهمسون في لياليهم المظلمة بترانيم روحانية صافية.” وبين عن حبهم للطبيعة في مكان آخر: “ويتبعون على إيقاع نصوص تعاويذهم، التي تعكس في ثناياها عبادتهم للطبيعة، كالرياح والبرق والرعد والمطر، ويقفون خلفه رجالا ونساء يغنون أغاني ممطوطة وهم يمارسون عاداتهم وتقاليدهم في تقديس الشمس القمر والنجوم، ومواصلة الرقص للشمس والتحديق فيها لأطول مدة ممكنة حتى تمنحهم الحياة الطويلة والسعادة وطرد الأرواح الشريرة.” ويذكر الروائي مقتطفا من القصيدة التي يغنيها الهنود الحمر على أنقاض القرى البائدة ودموع الاشتياق تنهمر على وجنتي الذاكرة لتصفو وتصقل ذكراها مجددا ولكيلا ترجع ذكرياتهم إلى أودية النسيان. والقصيدة تشبه في صداها بما قالها محمود درويش الشاعر الفلسطيني في “خطبة الهندي الأحمر” لما بين الشعبين من القضايا المتقاربة والآلام المتشابهه والإبادة نفسها: “جاء الغزاة، في سفائن، من كل صوب. كتموا الأصوات بالحراب، وعم الخراب، سرقوا النهر، والغيوم والنجوم، والتراب. قُهر الموهاك، تاهوا في غياهب الأمواج. كيف يقتل الإنسان الإنسان؟ وترفع الرؤوس، فوق السنان. ويفقد المهزوم، صهوة الرياح. ومجداف الأمان.” قصيدة محمود درويش: “لن يفهم السيد الأبيض الكلمات العتيقة هنا، في النفوس الطليقة بين السماء وبين الشجر.. فمن حق كولمبس الحر أن يجد الهند في أي بحر، ومن حقه أن يسمى اشباحنا فلفلا أو هنودا، وفي وسعه أن يكسر بوصلة البحر كي تستقيم وأخطاء ريح الشمال، ولكنه لا يصدق أن البشر سواسية كالهواء وكالمَاء خارج مملكة الخارطة! وأنهم يولدون كما تولد الناس في برشلونة، لكنهم يعبدون إله الطبيعة في كل شيء… وتنقُصُكم حيرة المسدس: إن كان لا بد من قتلنا فلا تقتلوا الكائنات التي صادقَتنا، ولا تقتلوا أمسنا ستنقُصُكم هدنة مع اشباحنا في ليالي الشتاء العقيمة وشمس أقل اشتعالا، وبدر أقل اكتمالا، لتبدو الجريمة أقل احتفالا على شاشة السينما، فخذوا وقتكم لكي تقتلوا الله. “
والرواية لا تكتفي بالقضايا فقط بل تتناول التاريخ أيضا من تزويد ملك أسبانيا كولمبوس ومجيئه إلى سواحل أمريكا ثم عودته إلى إسبانيا باثنين من سكان أمريكا الأصليين: “على مستويات سرد متعددة بين جاك كارتيه في مذكراته أن مجيء الشابين معه إلى باريس على جانب كبير من الأهمية لمشاريعه الاستكشافية الجديدة، تدور حولهما مطالبه من الملك، ويترابط وجودهما معه بمشاعر شفافة على مدارج التفاخر لأنهما أول شخصين من العالم الجديد تطأ أقدامهما القارة الأوروبية… وكان الشابان يلبسان ألبسة المُوهاك التقليدية ويعتمر كل واحد منهما على رأسه قبعة جلدية موشاة بالريش الملون.” وتذكر الرواية شذرات من تاريخ المستوطنين الأوروبيين في أمكنة مختلفة، على سبيل المثال يذكر عن بحارة جاك كارتيه الذي جاء من فرنسا واستوطن كندا الحالية: “تشير المصادر إلى أن بحارة جاك كارتيه بدؤوا يتزوجون من نساء قبائلنا، وقد اتسعت هذه الظاهرة في مدارات واسعة، على مدى أجيال وفترات زمنية متلاحقة، وازداد عدد المتزوجين الفرنسيين من نسائنا، أنجبوا ذرية تشكلت منها فئة جديدة من السكان أطلقوا عليهم اسم شعب الميتي ينطقون بلغة فرنسية مختلطة بلغات أجدادنا”. وكذلك ذكر أيضا الواقع المعيش: “جمعوا على أساسه في محميات معزولة، كل قبيلة في محمية، ويتضح أن القرار كان عنصريا كريهاً يعبر عن برامج الإنجليز الوحشية التي طبقوها من قبل في الولايات المتحدة”.
أمريكانلي لـ صنع الله ابراهيم: الرواية هذه تفوح شهرتها على المدى الواسع بما تستوعب تجارب الروائي الشخصية للمجتمع الأمريكي بكل تفاصيله وتناقُضاته. ويسافر بنا «صنع الله إبراهيم» إلى أمريكا، من خلال شخصية الدكتور «شكري» الذي سافر إلى سان فرنسيسكو لتدريس مادة التاريخ المقارن بمعهدٍ يمتلكه ثَرِي عربي، وكان الفصل الذي يلقي فيه محاضراته يضمُّ ثمانية طلاب أمريكيين ذوي أعراقٍ مختلفة وخلفياتٍ ثقافية وعقَدية متباينة؛ فمنهم الأبيض والأسود والأصفر، واليهودي والمسيحي والمسلم. وكل منهم يملك ايديولوجيا يدافع عنه أو يعززه أو يهاجم على أيديولوجيات الآخرين من خلال الحوار الذي يجري في الرواية بين الشخصيات. ويتناول الحوار مواضيع عديدة ذا أهمية فائقة من السياسة والجيوسياسية والتاريخ والدين والفلسفة والأدب بشكل محترم وأكاديمي وتقرع الحجج بالحجج بدون غوغاء أو ضجيج. ويذكر تاريخ مصر من عصر الفراعنة أو من التسعينيات، أو تاريخ الإسلام في مختلف عصورها، أو فلسفة التاريخ والنظريات العامة حوله التي قدمها الفلاسفة عبر العصور، أو بعض المواضيع التي لها صلة بالمجتمع الأمريكي مثل العنصرية المتجذرة ضد السود والهنود الحمر والآسيويين وكثرة الإغتصاب والانحطاط الأخلاقي في الأمريكا وكثرة الجرائم في شوارعها وحرية التعبير والنظام السياسي السائد واللاجئون اللاتينيون غير شرعيين. وكذلك مقتطفات من تاريخ أو حاضر الهنود الحمر الذي هو جزء لا يتجزأ من تاريخ أمريكا رغم محاولات تشويهه أو تناسيه أو إبعاده عن الأذهان عن طريق رفض هوياتهم وتسليط العقلية الاستعمارية وتقليل مشاركتهم في الأنظمة السياسية تَنحِيهم من والمحطات الكبرى الثقافية الأوساط الرسمية المركزية من الادب والفن والسينما وغيرها.
وفي الرواية يتحدث صنع الله ابراهيم ساخرا متهكما بمن يعظ بالحقوق الإنسانية أو التفوق العرقي واللوني أو تحقير الجاليات الغير الأوروبية القاطنة في أمريكا و تقليل من شأنهم فيرد عليه بتعليقات لاذعة مثلما يعارض آراء المؤرخ بروديل الذي بالغ في الدور الحضاري لفرنسا في إنهاض مستعمراتها فيستطرد: “وتجاهله لما قامت به من نهب للشعوب الأخرى في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وتدمير حضارتها”. ووصف صنع الله إبراهيم كيف كان يتم احتجاز الهنود في حظائر أشبه بحظائر الكلاب لا يخرجون منها إلا للتغوط الجماعي في حفر مفتوحة أو للعمل الإجباري في الحقول والطواحين. فكانوا ينفقون بعد أسابيع قليلة من الإجهاد وسوء التغذية. أما من تمكنوا من الهرب فكان الجنود يطاردونهم كما يطارد رعاة البقر الجاموس البري. واعترف أيضا أن أكبر المدن في الأمريكتين شيدت جدرانها ورفعت ناطحاتها السحب فوق أنقاض مدينة مدمرة فيقول: “هناك أيضا قدر كبير من المبالغة في الحديث عن “سان فرنسيسكو” كمدينة التسامح والتعايش. فقد قامت المدينة عمليا فوق جثث الهنود الحمر”. وتعرض سكان المدن بالإبادة الجماعية بطرق مختلفة رغم طيبتهم تسامحهم وتسالمهم: “كما تعرفين الذي أمر ببناء “ميشان دولويس” كان يتلذذ بتعذيب الهنود الحمر وشنقهم بالجملة وكان صاحب الدعوة الشهيرة إلى ذبح كل العرق الهندي”. وأشار إلى قبيلة هندية “الأهلون” الذي تم سحقهم تماما: الأهلون ليسوا إلا قطرة في بحر من ١٢٠ مليون إنسان في أنحاء الولايات المتحدة تمت إبادتهم عن عمد في جريمة لم يعرف التاريخ الإنساني مثلها.” كذلك توماس جفرسون رسول الحرية الأمريكية وكاتب وثيقة الاستقلال إلى وزير دفاعه عبارة شهيرة: سنفنيهم ونمحو آثارهم من هذه الأرض. إننا مجبرون على قتل هؤلاء الوحوش أو طردهم مع وحوش الغابات إلى الحدود. وكشفت طبيبة هندية في سجلات المستشفى في ولاية أوكلاهوما عمليات تعقير تجري على نطاق واسع للهنديات بذرائع مختلفة. ولا يكتف بالبربرية الغربية في أمريكا هنا بل يزيد ويقول: “كان الاسبان يبقرون أجساد الحوامل ويتراهنون على من يستطيع فصل الجسد من وسطه بضربة سيف واحدة”. وفي نفس الصفحة تحدث عن التسامح عندهم: “كانوا مسالمين وأنتجوا ثقافة رقيقة موسيقية وغير حربية.
وكذلك يسوق الحديث عن أراضي الهنود الحمر التي سرقت منهم أو أخذت بالقوة حينما يتحاور مع إحدى تلاميذها: “أشارت إلى ساحة كبيرة مظلة تناثرت بها بضع شجيرات وقالت: كانت أرضا مهجورة تملكتها الجامعة فاحتلتها مجموعة منها أصبحت تلقب بـ”الحدائقين”. وأعلنا أن ملاكها الحقيقيين هم الهنود الحمر الذين سرقت منهم بالقوة قبل مائتي سنة.”
والروائي لا يكتف بما شاهد أو سمع عن الهنود الحمر بل يجلب أحداث الروايات الأخرى التي قرأها أيضا لأنه قارئ نهم. ويسرد أحداث الرواية التي فيها أن هنديا أحمر وزنجيا أحيلا إلى سجن صحراوي ولأن الأسود كان أوباشا والهندي طيب القلب ودخل في السجن في تهمة القتل لأنه تعرض لسخرية رعاة البقر البيض في المزرعة. والزنجي استغل طيبته وسذاجته فأراد حارس السجن تأديبه فقرأ لهما الإنجيل ولكنهما رفضا الإيمان به وبين الأحداث الرواية يقول المدير للهندي الأحمر: “وهناك شيء نبيل في قومك المتوحشين غير المتعلمين لا تجده لدى الكثيرين من البيض فلم يعرف أبدا عنكم الكذب أو النكث بالوعد. بل أن كلمة الكذب نفسها لا توجد في لغاتكم”.
ويقول مشيرا إلى كتاب آخر صدر عن جامعة “ييل” للمؤرخ شلدون واتس: “أمر قائد الجيش البريطاني عام ١٧٦٣ بإجراء مفاوضات سلام مع الهنود الحمر واهدائهم بطاطين ملوثة بميكروب الجدري لإستئصال هذا الجنس اللعين. وحسب قوله انتشر الوباء بين أربعة شعوب هندية وأتى على أكثر من مائة ألف طفل وشيخ وامرأة وشاب.”
شيكاجو لـ علاء الاسواني; تدور أحداثها في مدينة شيكاغو، واعتمد الكاتب في بناء روايته على نظرية الأقطاب أو الثنائيات المتنافرة المتضادة، وكانت الرواية في معظمها مفاهيم وصراعات مستقطبة بشدة مثل الخير والشر، والحياة والموت، والوفاء والخيانة. الرواية لم تتناول قضايا الهنود الحمر مثلما تناولت الروايتين السابقتين ذكرها لكن فيها مقتطفات من قضاياهم المهمة مثل تدمير مدن الهنود الحمر وبناء مدن شاهقة على أنقاضها وتخريب ثقافتهم وتبشيرهم ثم تحويلهم إلى المسيحية قسرياً.
المراجع والمصادر
١. هوشيلاجا، سميح مسعود، الآن ناشرون وموزعون، عمان، الطبعة الأولى،٢٠٢٠م.
٢. امريكانلي، صنع الله ابراهيم، مؤسسة هنداوي، الطبعة الثانية، ٢٠٢٤م.
٣. شيكاجو، علاء الأسواني، دار الشروق، مصر، الطبعة الأولى، ٢٠٠٧م.
٤. في سبيل حوار الحضارات، روجيه جاررودي، تعريب: الدكتور العوا عادل، عويدات للنشر والطباعة، بيروت/لبنان، ١٩٩٩هـ.
٥. إبادة الهنود الحمر أسوأ كارثة سكانية في التاريخ البشري، محي الدين ناصر ملوحي، دار الغسق للنشر، سورية، ٢٠١٧م.
٦. فتح أمريكا مسألة الآخر، تزڤيتان تودوروف ترجمة: بشير السباعي، سينا للنشر، مصر، الطبعة الأولى، ١٩٩٢.
٧. لهذا كله ستنقرض أمريكا الحكومة العالمية الخفية، بلاتونوف ألغ، ترجمة: نائلة موسى – إيرينا بونتشينسكايا، دار الحصاد للطباعة، دمشق، ط١ ٢٠٠٢م.
٨. خطبة الهندي الأحمر: ما قبل الأخيرة، أمام الرجل الأبيض، محمود درويش، شبكة الديوان. تاريخ الزيارة: ١٠/١٢/٢٠٢٤.
1
