Main Menu

فرحانة صديقي وإسهاماتها في ترويج الدراسات العربية في الهند

د. عائشة شهناز فاطمة

نيو دلهي
fatma.shahnaz@gmail.com

(“إن المرأة ينبغي أن تتسلح بسلاح العلم الحديث وينبغي أن يعطي أهلها الحرية للتماشي مع مقتضيات عصرها…. إن المدارس الإسلامية بالفعل تلعب دورا هاما لتثقيف البنات علميا وثقافيا لكنها تحتاج إلى بعض التعديلات الجذرية في المنهج الدراسي في الأوضاع الراهنة”. فرحانة صديقي).

 

إن المرأة  كانت ولا تزال تقوم  بدور فعال في تطوير العلوم والفنون في الهند. فتاريخ الهند شاهد على أن  في العهد المملوكي والمغولي بالهند كانت كثيرة من عالمات وشاعرات مثل “غلبدن بنت ظهيرالدين بابر” التى تعرف كمؤرخة ممتازة وأديبة لامعة فى عصرها و”ممتاز محل” و”جهان آرا بيجوم” التي برعت في الأدب والشعر و”ستي خانم” و”زيب النساء بيجوم” وغيرهن .

 وفي العصر الحديث وعلى الأخص بعد ما حصلت الهند على استقلالها ظهر عدد كبير من العالمات والكاتبات اللاتي حصلن على التعليم والثقافة والتدريب وساهمن في ترويج الدراسات العربية والإسلامية في الهند، كما برزن في مجال التأليف وإنتاج الكتب باللغة العربية والدراسات الإسلامية. وعدد مؤلفاتهن في الموضوعات الدينية والفنون الأدبية يزداد يوما فيوما.

وأما فرحانة صديقي – التي نحن بصددها الآن – فهي  من مواليد عام 1958م في أسرة كريمة ومتوسطة في الهند. اهتم أهلها بعنايتها وتربيتها تربية سليمة. وبعد ما اكتملت دراستها لمرحلة الابتدائية والثانوية العامة التحقت بمرحلة البكالوريوس في قسم اللغة العربية وآدابها في الجامعة الملية الإسلامية بنيودلهي فأكملتها في عام 1978م. ثم حصلت على شهادة الماجستير عام 1980م في اللغة العربية بتقدير جيد جدا من نفس الجامعة. وقدمت أطروحة للحصول على شهادة الدكتوراه عام 1995م في  موضوع “نازك الملائكة كناقدة وشاعرة ورائدة للشعرالحر في الشعر العربي الحديث” من الجامعة الملية الإسلامية. وبالإضافة إلى هذه المؤهلات نالت  شهادة الدبلوم المتقدم لتعليم اللغة العربية عام  1981م والماجستير في الآداب من المعهد المركزي للغة الإنجليزية واللغات الأجنبية بحيدرآباد عام 1984 م. ومن الجدير بالذكر أنها فازت بجائزة الشاه ولي الله الذهبية تقديرا لحصولها على درجة الامتياز في مرحلة البكالوريوس وكذلك جائزة شاه فيصل الذهبية تقديرا لنيلها درجة الامتياز في مرحلة الماجستير.

الحياة العملية.

بدأت حياتها العملية والمهنية كأستاذ زائر في اللغة العربية في كلية اللغات الأجنبية التابعة لوزارة الدفاع للحكومة الهندية بنيو دلهي عام 1983م وعقب ذلك تم تعيينها كأستاذ مساعد بقسم اللغة العربية وآدابها في الجامعة الملية الإسلامية بنيو دلهي عام في 1984 م واستمرت في هذا المنصب حتى عام 1994م. وفيما بعد ترقت إلى منصب الأستاذ المشارك واستمرت في هذا المنصب حتى عام 2002م. وبعد ذلك احتلت منصب البروفيسور وبقيت في هذا المنصب حتى وافتها المنية عام 2011 م فانتقلت إلى جوار رحمة الله. وإنها كانت تقدم خدمات تعليمية وتدرس الطلبة والطالبات  بمستوى البكالوريوس والماجستير كما قامت بالإشراف على عدد من الباحثين في كتابة أبحاثهم العلمية. وبالإضافة إلى ذلك عملت كمترجمة في المؤتمرات الوطنية والدولية الهامة ومن أهمها مؤتمرلحركة عدم الانحياز(Non Alignment movement) والمؤتمر الدولي للشباب والمؤتمر الدولي للمرأة وغيرها التي انعقدت في دلهي.. قامت الأستاذ فرحانة صديقي بزيارة تعليمية وأكاديمية إلى كثير من البلدان مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا و كندا وفرنسا وألمانيا وأسبانيا.[1]

آثارها العلمية والأدبية:

صنّفت وألفت الأستاذ كتباً في اللغة العربية وآدابها. ومن مؤلفاتها “مساهمة المرأة في اللغة العربية وآدابها” و”نازك الملائكة وآثارها الأدبية والشعرية” و”دور المرأة في إثراء اللغة العربية وآدابها”. وشاركت في تأليف ثلاثة أجزاء من سلسلة الكتب المعروفة بـ “اللغة العربية الوظيفية مع دليلها” التي تمّ تأليفها بإشراف البروفيسور شفيق أحمد خان الندوي لمنهج الدبلوم الذي يديره المجلس القومي لترويج اللغة الأردية (NCPUL). وهي أدخلت في المقررات الدراسية للجامعة المفتوحة إندرا غاندي، الهند.

النشاطات الميدانية الأخرى:

شاركت في العديد من الندوات الوطنية والدولية وقدمت مقالتها فيها مثل “مساهمة المرأة في الأدب العربي الكويتي” في المعهد المركزي للغة الإنجليزية واللغات الأجنبية بحيدرآباد عام 2001 و”مشاكل تعليم اللغة العربية في الهند” في جامعة مومباى عام 2002م و”المدرسة الإسلامية والعربية للبنات في شمال الهند ودورها في نشر التعليم بين البنات” في ندوة وطنية حول التعليم المدرسي في الهند عقدها معهد للدراسات المتقدمة للتعليم بالتنسيق مع دار الثقافة الإيرانية في نيو دلهي عام 2002م و”الشعر الكلاسيكي” في جامعة مومباى عام 2002م و”الشعر العربي الحديث” في جامعة مومباى عام2003م م  وكذلك قدمت مقالتها حول “مولانا غلام علي آزاد البلغرامي وآثاره العلمية والأدبية” في جامعة دلهي عام 2004م و”الاتجاهات الحديثة في الشعر العربي الحديث” في جامعة عليجراه الإسلامية عام 2004 م و “ولاّدة بنت المستكفي” في جامعة عليجراه الاسلامية عام 2004 و قدمت مقالتها حول “النقد العربي” في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة علي كرة الاسلامية عام 2006 م و”الشعر العربي الحديث في سوريا” في جامعة دلهي عام 2006 و “مساهمة المرأة في النقد العربي القديم” في جامعة عليجراه الاسلامية عام 2006 و “أهمية تعليم المرأة في الاسلام” عقدتها دار الثقافة الايرانية بنيو دلهي عام 2007 و “المرأة في الشرق الأوسط” في الدورة التدريبية لمدرسي اللغة العربية عقدتها الجامعة الملية الاسلامية عام 2007. كما شاركت في دورة تدريبية (workshop) استغرقت ثلاثة أيام حول “مشاكل تعليم اللغة العربية في الكليات” في جامعة كشمير عام 2006م.

الأبحاث العلمية.

وبالإضافة إلى تقديم البحوث والمقالات في الندوات والمؤتمرات كتبت للصحف والمجلات المختلفة، وتناولت فيها مختلف الموضوعات الأدبية والاجتماعية والتعليمية. مثل  مقالاتها “نازك الملائكة: حياتها” ، مجلة رسالة جامعة، نيو دلهي عام 1993 و”سرد القصة”، مجلة ثقافة الهند، نيودلهي المجلد 46, العدد 1-4, عام 1995 و”مساهمة المرأة في الأدب الكويتي”، مجموعة مقالات الندوة العلمية نشرها المعهد المركزي للغة الانجليزية و اللغات الأجنبية، حيدرآباد عام 2002 و”ولادة بنت المستكفي”، مجلة البحوث السنوية. المجلد 2, العدد 2. جامعة كشمير, عام 2003 و”تطور الشعر الحرفي الشعر العربي الحديث”(الأردية) مجموعة مقالات الندوة العلمية نشرها جامعة مومباي, عام 2004 و”فدوى طوقان”, المجلة السنوية, قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة عليجراه الاسلامية, عام 2006 و”عمر ابو ريشة”, مجلة البحوث السنوية, جامعة كشمير, عام 2007. وكما قامت بترجمة العديد من المقالات من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية منها:

“الحديد الهندي قبل الثورة الصناعية” (ترجمة مقال كتبه ديليب كيه تشاكرابارتي) ثقافة الهند المجلد: 37 العدد: 1-2 عام 1986.

“العدالة” (ترجمة مقال كتبته انديرا بارثا سارتي) ثقافة الهند, المجلد: 37 العدد: 3 ، عام 1986.

“المروحة” (ترجمة مقال كتبه فيد نارايان) ثقافة الهند المجلد: 37 العدد: 3-4 عام 1986.

“رقص كاثاك” (ترجمة مقال كتبته نانديتا هاكسار) ثقافة الهند المجلد: 38 العدد: 1-2 عام 1987.

“الهندوسية في تايلاند” (ترجمة مقال إتش- بي- ساركار) ثقافة الهند المجلد: 41 العدد: 2 عام 1990.

“توسيع الآفاق” ( ترجمة مقال كتبه غلام رباني تابان) ثقافة الهند المجلد: 42 العدد:4 عام 1991.

“العلمانية والطائفية في الهند” (ترجمة مقال كتبه فاسانت ساتي) ثقافة الهند المجلد: 45 العدد: 2-4 عام 1994.

“اسهامات كشمير في الأدب السنسكريتي (ترجمة مقال كتبته فيد كوماري غاي) ثقافة الهند المجلد: 49 العدد: 1عام 1998.

“الهند في الخمسين” (ترجمة مقال كتبه بي في نارسيمها راو) ثقافة الهند المجلد:1 العدد: 1-2 عام 1999.

“وسائل الاعلام: المرأة والسوق” ( ترجمة مقال كتبه هيرا نماي كارليكا) ثقافة الهند المجلد: LI العدد: 2 عام 2000.

“العلوم والتكنولوجيا في الهند من القرن العاشر إلى القرن الثامن عشر” (ترجمة مقال كتبه إيه رحمن) ثقافة الهند المجلد:  LI  العدد: 3 عام 2000.

“انتظارللبوذا” (ترجمة القصة القصيرة لانيل تشاندرا) ثقافة الهند المجلد: LI  العدد: 4 عام 2000.

“ضاحية المدينة” (ترجمة القصة القصيرة ل إيم موكوندان) ثقافة الهند المجلد: LII العدد: 1 عام 2001.

الجوانب الاجتماعية الدينية للعلاقات الهندية والعربية” (ترجمة مقال كتبه الدكتور شيث محمد اسماعيل الآعظمي) ثقافة الهند المجلد: 52 العدد: 2 عام 2001.

ومما يلاحظ أن الأستاذ كانت تهتم بقضايا المرأة ومساهماتها وكما كانت لديها رؤية خاصة بما يتعلق بتعليم المرآة ووظيفتها الاجتماعية التي أبدتها من حين لآخر وبصفة خاصة أوضحت هي بنفسها شفهيا أثناء مقابلة شخصية أجريتُ أنا معها. وفي الرد على سؤال طرحتُ عليها حول مسألة تعليم المرأة وحريتها ومسؤليتها العائلية في ضوء التحديات الراهنة ،عبرت عن رأيها بشكل صريح وقالت: إن المرأة ينبغي أن تتسلح بسلاح العلم الحديث وينبغي أن يعطي أهلها الحرية للتماشي مع مقتضيات عصرها. وكذلك أوضحت أن المدارس الإسلامية بالفعل تلعب دورا هاما لتثقيف البنات علميا وثقافيا لكنها تحتاج إلى بعض التعديلات الجذرية في المنهج الدراسي في الأوضاع الراهنة.[2]

وبهذه المناسبة يحلو لي أن أقدم بعض الاقتباسات من كتاباتها الأدبية والعلمية ليتضح أسلوبها وفكرتها أمام القراء فهي تتحدث في العبارة التالية عن قضية المرأة في الأدب العربي: “نقلب صفحات تاريخ الأدب العربي ونصل إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر فنجد أن المرأة باستثناء قلة قليلة ما زالت محجبة جاهلة قعيدة بيتها عبر هذه الفترة الطويلة لم نسمع خلالها عن قضية لتحرير المرأة وإعتاقها من أغلال الفقر والظلم وقيود الحجاب  وأول صوت نسمعه دفاعا عن قضية المرأة هو صوت “رفاعة الطهطاوي” في مصر الذي دعا إلى تعليم المرأة وصوت “بطرس البستاني” في الشام الذي أولى شيئا من الاهتمام لهذه القضية………وبدأت الدعوة إلى تعليم المرأة  في مصر والشام منذ أواخر القرن الماضي بل أسست بعض المدارس للبنات. ولكن المرأة العراقية كانت أكثر تخلفا من المصرية. فلم يظهر الاهتمام بقضيتها هناك إلا بعد أن ألف قاسم أمين كتابيه “تحرير المرآة” و”المرآة الجديدة”.[3]

تناولت الأستاذة فرحانة صديقي موضوعات عديدة في تأليفها وتصنيفها باللغة العربية. وفيما يلي أقدم عرضا وجيزا لبعض كتبها لكي نطلع على أهميتها وقيمتها:

نازك الملائكة وآثارها الأدبية والشعرية:

هذا الكتاب كتاب مهم في  حياة الشاعرة  نازك الملائكة . ويقع هذاالكتاب في 344 صفحة من القطع المتوسط ونشر من مطبع غود وردبكس(Goodword Books ) في دلهي. من الجدير بالذكر أن الدكتورة فرحانة قد صرفت فترة طويلة في جمع المعلومات عن حياة الشاعرة والكاتبة الكبيرة نازك الملائكة والشعر الحديث والشعر الحر من خلال لقاءات مكثفة مع الأدباء والشعراء الذين لهم إلمام تام بهذا الموضوع. “وتمكنت من توثيق عرى النهل من المنهل الأصلي وصاحبة الموضوع السيدة نازك وهىي على الفراش مريضة في العراق، فرحبت بها وزودتها بمعلومات شخصية خاصة وهذه المعلومات جعلت الكتاب ذا أهمية كبرى وذا قيمة رفيعة غالية”.[4]

ويستهل هذاالكتاب بمقدمة شاملة ذكرت فيها الشاعرة الكبيرة ومساهمتها في مختلف مجالات الأدب من الشعر والنقد والقصة القصيرة. ثم تنتقل إلى الحديث عن تطور الشعر العربي المعاصر. وفي هذا الصدد قالت الدكتورة فرحانة: “إن تجربة الشعر المعاصر مرتبطة بالحضارة العالمية لعصرنا على الأصعدة الثقافية والاجتماعية والسياسية. والشاعر عصري لأنه يعبر عن عصرنا بكافة جوانبه الحضارية ولا يعبر عن أي عصر آخر. والشعر المعاصر بعد ذلك لا يقبل التراث كله ولا يرفضه كذلك بل يخلق فيما بينهما علاقة متينة يطل من خلالها على التراث بمنظور العصر. ويعتمد في جزء كبير على قيمه الجمالية وعلى صورته الموسيقية  أو التشكيل الموسيقى، إلا أن ثمة مجالا تبرز فيه موهبة الشاعر الشعرية يمكننا أن نسميه “الصورة”، فالشاعر أيضاً فنان يحاول أن يخلق نوعا من التوافق النفسي بينه وبين العالم الخارجي عن طريق التشكيل الموسيقي للشعر”.[5] ثم بينت الدكتورة فرحانة في الفصل التالي أحوال حياة نازك الملائكة الشخصية عن كافة مراحلها منذ ولادتها وسنوات طفولتها وصباها وشبابها في حضن عائلة يفيض منها الشعر حيث “كان جد أم نازك محمد حسن شاعرا وعالما دينيا كبيراً وكذلك جدة نازك ( والدة أمها) عرفت بحبها للشعر وقرضها له وغرست الجدة حب الشعر في أولادها. وفي هذه البيئة الشعرية الأدبية ولدت الشاعرة العراقية العظيمة السيدة نازك صادق جعفر في 23 من أغسطس 1923م في بغداد القديمة”[6]. وذكرت عيشة طفولتها وقرض شعرها وسير الزمن والتضلع من الثقافة وعن كافة مراحلها الدراسية سواء في العراق أو خارجه. “فقد أكملت نازك دراستها الابتدائية ثم الثانوية تدريجيا حتى نالت درجة الامتياز منذ المرحلة المتوسطة وتخرجت عام 1939م ، ثم دخلت دار المعلمين العالية ببغداد فرع اللغة العربية وتخرجت منها بليسانس اللغة العربية 1944م بدرجة ممتازة وهى اعلى مرتبة منحت في بغداد تلك الأيام. وكانت حريصة بالإضافة إلى ما تقدم حرصا شديدا على تطوير ثقافتها اللغوية فبدأت دراسة اللغة اللاتينية  ثم اللغة الفرنسية ثم اهتمت بالأدب الانجليزي. وفي 1950م غادرت العراق و وصلت إلى بريطانيا ثم سافرت إلى الولايات المتحدة للدراسة العليا”.[7]

ومما يجدر الاشارة أن الدكتورة فرحانة قد اعطت حيزا ملموسا للشاعرة نازك. و ذكرت بعض العوامل التي أثرت في شعر نازك وفي شاعريتها وفي ثقافتها النقدية “ونؤكد بأن النشاط الأدبي, كغيره هو وليد مجموعة من العوامل والمؤثرات…..ولعل أولى العوامل المؤثرة في نشاطاتها الأدبي والشعري, نشأتها في أسرة تعني بالأدب عناية فائقة, وهى أسرة شاعرة- كان من شعرائها أبوها صادق الملائكة وخالاها جميل الملائكة وعبد الصاحب الملائكة ووالد جدتها محمد حسن كبة وأمها سليمة عبد الرزاق وكانت أختاها سعاد واحسان تعنيان بالأدب والثقافة……ولقد كان في نشأة الشاعرة في ظل هذه الأسرة أثر في تطلعاتها الأدبية و في موافقها.”[8] و ذكرت أن نازك هي شاعرة كبيرة ذات ريادة في تكنيك الشعر الحر ودراسته ونقده . يتميز شعرها بالحساسية المفرطة وبالالم الحاد. ثم إنها قامت بتحليل مؤلفاتها الشعرية من مطولاتها ” مأساة الحياة” وقصائدها  “عاشقة الليل” و”شظا يا ورماد” و “شجرة القمر” و “قرارة الموجة”. وذكرت “أن ديوانها “شظايا ورماد” أثار ضجة عنيفة على الصعيد الثقافي داخل العراق وخارجه. وأكبر سبب لذلك أنها دعت فيه إلى “الشعر الحر” ووضعت الموازين وأسماء البحور له. فظهرت المقالات والدراسات ما بين مؤيدة ومعارضة ولكنها نالت الترحيب الحار لدى الشبان بوجه عام. وأصبحوا يعتبرونها شاعرة مجددة وصاحبة دعوة لتطوير الشعر العربي”.[9]

وتطرقت كاتبتنا فرحانة صديقي إلى “أن النزعة الرومانسية غلبت على أبيات نازك لأنها لا تصف المظاهر الخارجية للطبيعة وإنما تصف مشاعرها إزاء الطبيعة. ومجموعتها الأولى “عاشقة الليل” يمثل صورة صادقة لنفسيتها ومزاجها فاستطاعت نازك أن ترسمها وتدخلها في هذه القوالب الشعرية كما هو واضح من مطالعة ديوانها الذي تستهله الشاعرة بالأبيات التالية:

أعبر عما تحس حياتي وارسم احساس روحي الغريب
فأبكى اذا صدمتي السنين بخنجرها الأبدي الرهيب
وأضحك مما قضاه الزمان على الهيكل الآدمي العجيب
واغضب حين يداس الشعور ويسخر من فوزان اللهيب[10]

وأشارت إلى “أن الحب والبكاء والنزعة الإنسانية والنزعة القومية توجد في أحاسيس ومشاعر المرأة الشاعرة الكبيرة. وعلاوة على ذلك تحتل قضية المرأة مكانة ملموسة في أشعارها ومقالاتها. إنها كتبت مقالا ضخما وافيا تحت عنوان “المرأة بين الطرفين: السلبية والأخلاق” وتناولت نازك في تلك المقالة موضوع المرأة من مختلف جوانبه سواء كانت دينية أو أخلاقية أو اجتماعية وما إليها. وقد أثبتت آراءها وأفكارها بالأدلة الأكيدة”.[11]

وأوضحت الباحثة فرحانة في الفصل التالي”أن النشاط الأدبي لنازك الملائكة لا تنحصر في مجال الشعر ولا تتوقف شهرتها على ريادتها في مجال الشعر الحر فقط وإنما تمتد إلى مجال آخر وهو مجال النقد، “فهي أول  من حاول دراسة الشعر الحديث بجانبه العروضي وذلك في كتابها “قضايا الشعر المعاصر” الذي صدر عام 1962م وأثار ضجة في الأوساط الأدبية”[12]. وذكرت الباحثة رأي نازك الذي يؤكد على ضرورة القافية في الشعرمعتمدا على نص مقالها.

وفي نهاية المطاف إنها قامت بتحليل إبداعها النثري من خلال العديد من القصة التي فيها اهتمت نازك بالمشاكل والتعقيدات التي يعاني منها المجتمع العربي حيزا كبيراً. وتحللت قصة “الياسمين” و “ظفائر السمراء عالية” و “إلى حيث النخيل و الموسيقي” و “منحدر التل” و “قصة للعطاش: قناديل لمندلي المقتولة” و “الشمس التي وراء القمة” و “رحلة في الابعاد”.

هكذا حاولت أن ترصد التاريخ العريض للسيدة نازك الملائكة وإبداعها الشعري والنثري وتلقي أضواء جديدة على حياة الشاعرة العراقية كما تعكس في الوقت نفسه صورة نابضة عن الحياة الاجتماعية والظروف الحياتية التي نشأت فيها الشاعرة العراقية.

دور المرأة  في إثراء اللغة العربية عبر العصور:

رغم أن كتب التاريخ للأدب العربي تشمل مساهمات قيمة قدمتها نساء بارزات في مجال الأدب نثرا وشعرا ولكن الفراغ ما زال باقيا من حيث أن دراسة شاملة لا تزال تحتاج إلى الخوض في غمار البحث الجاد. فهذا الكتاب “دور المرأة في إثراء اللغة العربية عبر العصور” للدكتورة فرحانة صديقي يمثل حلقة من سلسلة المحاولات الجادة الرامية لسد هذا الفراغ الذي شعرتها المؤلفة والذي صدر في عام 2003م من مطبع غود ورد بكس (Goodword Books) بنيو دلهي، في 284 صفحة.

يحتوي هذا الكتاب على مقدمة شاملة بالإضافة إلى خمسة فصول عالجت فيها مباحث ترتبط بعضها مع بعض. وقامت الدكتورة من خلال دراستها بتصفح أوراق تاريخ الأدب العربي ابتداء من العصر الجاهلي ومرورا بالعصر الأموي والعباسي وانتهاء بالعصر الحديث، وأتت بالتعريف الموجز عن الشخصيات اللواتي يُعرفن بإنتاجاتهن في جميع الأصناف الأدبية المتداولة في تلك العصور.

ولا بد أن أشير إلى ما ذكرت المؤلفة في مقدمتها معللة بسبب اختيارهذا الموضوع حيث ذكرت فيما ذكرت “وهدفي من ذلك ليس إلا الكشف عن الشواهد التي تدل على أن المرأة ليست أقل أهمية في كافة مجالات الحياة بالنسبة إلى الرجل كما هو مذموم عند العامة، وكل من يزعم كذلك فهو بعيد عن الصواب. كما يثبت تاريخ الأدب العربي على اختلاف عصورها أن المرأة رغم افتقارها إلى الفرص والوسائل والموارد مازالت غنية في المواهب والقدرات الإبداعية بما ضمن لها مكانا أدبيا مرموقا على مر الدهر”.[13]

وذكرت في الفصل الأول مساهمة المرأة في العصر الجاهلي ومنزلتها كفرد من المجتمع البدوي المتجول وحقوقها وواجباتها في المجتمع وفي البيت وفي الحروب وفي السلم. وألحت “أن المرأة منذ العهد الجاهلي ظلت تساهم في بناء البيت وتنظيم الأسرة وتدبير أمورها مساهمة متأنية ملحوظة وكذلك كانت منذ قديم الزمان تمثل دورها مع الرجل في تدبير سياسة الأمة و ولاية الأمر وتنظيم العمل وشؤون الحياة”.[14] واستعرضت بعضا من النماذج في هذا المجال مثل الملكة بلقيس وسياستها الديمقراطية وإدارتها للبلاد بالحكمة والحزم وزينب ملكة “تدمر” العربية التي نهضت بآعباء بلدها وأدارت سياسته وقادت حروبه وخولة بنت الأزور التي قادت كتائب المحاربين والخنساء التي دفعت بأبنائها إلى الحرب وكذلك خديجة بنت خويلد زوجة النبي صلى الله عليه وسلم التي اشتهرت في الحزم والحكمة وسداد الرأي وغيرها من النساء.[15]

وانتقلت بعد ذلك إلى الحديث عن أصناف الأدب في العصر الجاهلي مثل الشعر والنثر والوصايا والأمثال والخطابة بالإضافة إلى ذكر المرأة التي أسهمت في هذه الأصناف الأدبية إسهاما بارزا. كما خصصت بالذكر في هذا الفصل االخنساء وليلى الأخيلية والنساء الشهيرات الأخريات مثل آمنة بنت وهب وأم حكيم وخولة بنت الأزور والزرقاء بنت عدي أروى بنت عبد المطلب وزرقاء اليمامة وصفية بنت عبد المطلب وغيرهن كثيرات ونقلت من نماذجهن الأدبية مثل نقلت خطابة الزرقاء بنت عدي:

“أيها الناس! إنكم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم, وجارت بكم عن قصد المحجة. فيالها من فتنة عمياء صماء, يسمع لقائلها ولا ينظر لسائقها. أيها الناس! أن المصباح لا يضيئ في الشمس, أن الكوكب لا ينفد في الفجر و ان البغل لا يسبق الفرس, وأن الزف لا يوازن الحجر,ولا يقطع الحديد إلاّ الحديد. ألا من استرشدنا أرشدناه, ومن استخبرنا أخبرناه, أن الحق كان يطلب ضالة فأصابها………………..ألا أن خضاب النساء الحناء, وخضاب الرجال الدماء, والصبر خير في الأمور عواقبا”.[16]

وفي الفصل الثاني حاولت إثبات مساهمة المرآة ونبوغها في المجال الأدبي في العصر الأموي وأوضحت كيف تغيرت الحياة كلها بعدما جاء الإسلام الذي منح المرأة جميع الحقوق التي كانت قد حرمت منها في العصر الجاهلي وفي حينه تأثر به الأدب الذي فيه قدمت المرأة مساهمة فعالة في النهوض بمستوى الأدب ونشر العلم والدين. وذكرت ” رفع الاسلام من منزلة المرأة مقارنة بالرجل إذ نادى وبحرف واحد على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم “الجنة تحت أقدام الأمهات” وبذا شعرت المرأة في تشكيل الأم لأول مرة في التاريخ البشري, أن لها كيانا وشخصية ممتازة بعد ما كانت في أول الأمر تعتبر عالة وثقلا على الأمة…….ونلاحظ أيضاً أن هناك بعض النساء المثقفات اللآتي كن يعقدن المجالس الأدبية ويتسابقن فيها مع الشعراء والأدباء ويتبادلن الآراء والأفكار معهم وينتقدن كلامهم.”[17]  وذكرت في هذا الصدد أسماء المحدثات والأديبات والفقيهات مثل عائشة بنت أبي بكر وسكينة بنت الحسين التي تثقفت بثقافة أدبية عالية وتزيّنت على الثقافة العالية التي تنعكس في كلامها وقد حفظت كثيراً من أشعار الشعراء العرب وكانت ترويها وتنقدها  وعائشة بنت طلحة وهى أيضاً كانت أديبة تروي الشعر وتستشهد يه في حديثها من الناس وغيرهن من النساء.

والفصل التالي يتناول اسهامات المرأة في العصر العباسي مع ذكر خصائص الأدب العباسي ويلقي الضوء على التعريف الموجز بالشخصيات اللواتي ساهمن في تطوير الأدب والفن في هذاالعصر  مع ذكر مساهمة الجواري فيه. وجاءت بذكر عريب وعزه الميلاء وعلية بنت المهدي بوجه خاص. وبالإضافة إلى ذكر الجواري يحتوي هذا الفصل على معلومات عن “رابعة البصرية” الصوفية التي تعتبر فريدة عصرها بما امتازت به من تقوى وورع  “وكانت أول إمرأة صوفية لها أثر بالغ في تاريخ المعارف الاسلامية والثقافة والأدب”[18]. ويشمل زبيدة بنت جعفر ومساهمتها في الدين والخدمة الاجتماعية.

وتناولت في الفصل الرابع العصر الحديث ابتداء من الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م إلى عام 1919م. وذكرت بداية النهضة التعليمية والثقافية وبالتالي حركة تحرير المرآة كما ذكرت العديد من الجمعيات النسائية على الساحة الاجتماعية بمصر مثل “جمعية المرأة الجديدة” التي أنشئت عام 1919م بهدف النهوض بمستوى المرأة المصرية عن طريق التعليم والثقافة و “لجنة سيدات الهلال الأحمر” التي أسست عام 1939م من قبل ناهد سري بهدف مساعدة المنكوبين بالآلام والأسقام و”جمعية تحسين الصحة” و “جمعية رعاية الأحداث” . وخصصت بالذكر رائدة النهضة النسوية السيدة هدى شعراوي التي كافحت طيلة حياتها لأجل قضية المرأة وتحريرها ورباب الكاظمي ووردة اليازجي وملك حفني ناصف ومساهمتهن الفعالة في الأدب والإصلاح الاجتماعي وقضية المرأة وماري بنت إلياس الزيادة التي “كانت خطيبة بارعة زجريئة وسليمة الذوق وصافية الذهن وتخطب أمام الجمهور بلسان الجمهور حتى يترسخ في أذهانهم……….وفي إحدى خطبها الشهيرة ذكرت مي (ماري) التضحيات التي قدمتها الرأة لمصلحة الوطن:

“أيها السادة والسادات!

وكم قالوا إنها لا عقل للمرأة, وإن حياتها سلسلة أهواء متتابعة, وتقلبات صبيانية تافهة, زها أننا نراها بعيدة النظر, ثابتة المصقاصد, مغرقة منفعتها الشخصية في بحر المنفعة العامة”.[19]

كما ذكرت عائشة التيمورية ورباب الكاظمي واسهاماتهما في الشعر والأدب.

وفي الفصل الأخير ذكرت إسهامات المرأة في العصر الحديث بعد عام 1919م إلى عام 2003م في الأدب العربي مثل عائشة عبد الرحمن التي تعتبر كاتبة وعالمة وصاحبة منهج جديد في التفسير مما جعلها مدرسة في موضوع إعجاز القرآن ونازك الملائكة رائدة الشعر الحر وتليها فدوى طوقان اللتان تعتبران من كبرى الشاعرات وحاملات لواء شعر الرومانسية وشعر المقاومة. ثم قامت بتحليل آثارهما الشعرية و الأدبية مثل من آثار فدوى طوقان “وحدي مع الأيام” و “وجدتها” و “أعطنا حبا” و “أمام الباب المغلق” و “الليل والفرسان”. ومن ديوان نازك الملائكة ” عاشقة الليل” و “شظايا ورماد” و”قرارة الموجه” و “شجرة القمر”.

[1] حصلت على هذه المعلومات من بيان سيرتها (CV) و خلال مقابلتي إياها شخصياً بتاريخ 15 سبتمبر 2010.

[2] حصلت على هذه المعلومات من بيان سيرتها و خلال إجراء مقابلتي إياها شخصيا بتاريخ 15 سبتمبر 2010.

[3] الدكتورة فرحانه صديقي، نازك الملائكة وآثارها الأدبية والشعرية، ص: 193

[4]  الدكتورة فرحانة صديقي، نازك الملائكة وآثارها الادبية والشعرية، ص: ج

[5]  نفس المصدر، 2-6

[6] الدكتورة فرحانة صديقي, نازك الملائكة وآثارها الأدبية والشعرية, ص: 42

[7]  نفس المصدر، ص: 42-56

[8] نفس المصدر, ص: 99

[9]  الدكتورة فرحانة صديقي، نازك الملائكة وآثارها الادبية والشعرية، ص: 108

[10]  نفس المصدر، ص: 123-124

[11]  نفس المصدر، 198-199

[12]  الدكتورة فرحانة صديقي، نازك الملائكة وآثارها الادبية والشعرية، ص: 252

[13] الدكتورة فرحانة صديقي، دور المرآة في إثراء اللغة العربية وآدابها  عبر العصور، ص: د

[14]  نفس المصدر, ص: 2

[15]  نفس المصدر، ص: 8-10

[16]  نفس المصدر، ص: 17

[17] نفس المصدر, ص: 65-70

[18] نفس المصدر, ص: 124

[19] نفس المصدر, ص: 204-205