Main Menu Top Menu

سيرة ملا قطب الدين الشهيد و مكانته العلمية

الدكتورة عائشه شهناز فاطمة

الأستاذ المساعد بجامعة خواجة معين الدين الجستي للغات

المقدمة:

إنَّ تاريخَ العلوم الإسلامية في شبه القارة الهندية زاخرٌ بأسماءٍ لامعةٍ كان لها أثرٌ بالغٌ في نشر العلم وترسيخ معالم الفكر الإسلامي، ومن بين تلك الشخصيات العلمية البارزة يبرز اسمُ الملا قطب الدين الشهيد السهالوي، الذي عُدَّ من كبار علماء عصره في العلوم العقلية والنقلية، وإمامًا من أئمة التدريس والتحقيق. فقد جمع بين التبحر في الفقه والأصول والتفسير والحديث، وبين التمكن في المنطق والفلسفة وسائر العلوم العقلية، حتى انتهت إليه رئاسةُ العلم في الهند، وصار أكثرُ علماء عصره وتلامذتهم ينتسبون إلى سِلْسلةِ تلمذته واستفادتهم منه.

وقد امتاز الملا قطب الدين الشهيد بغزارة العلم، وقوة الفهم، ودقة النظر، إلى جانب زهده وتقواه وانقطاعه إلى التدريس والتصنيف، فكان مثالًا للعالم الرباني الذي سخَّر حياتَه لخدمة العلم ونشره بين الطلاب. كما أسهم في تكوين جيلٍ من العلماء الذين كان لهم أثرٌ كبيرٌ في الحياة العلمية والدينية في الهند، مما جعل مكانته راسخةً في تاريخ الفكر الإسلامي.

ويهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على سيرة الملا قطب الدين الشهيد، وبيان نشأته ورحلته العلمية، وشيوخه وتلامذته، مع إبراز مكانته العلمية ليبقى نموذجًا خالدًا للعالم المخلص الذي جمع بين العلم والعمل والدعوة

 

الكلمات المفتاحية:

الملا قطب الدين الشهيد السهالوي، العلوم العقلية والنقلية، المدرسة الفرنكيَّة المحلّية، التدريس الإسلامي، التراث العلمي الهندي، علماء القرن الحادي عشر الهجري، التأليف والتحقيق، الحركة العلمية في الهند.

 

نشأته ورحلته في طلب العلم

كان الملا قطب الدين أنصاريَّ النسب، سهالويَّ السكن، مدنيَّ الأصل. وعلى الرغم من وجود بعض الاختلافات الجزئية بين نُسَخ شجرة النسب العائلية، فإنَّ المتفق عليه أنَّ الملا قطب الدين كان من ذرية الصحابي الجليل مضيفِ رسولِ الله ﷺ، أبي أيوب الأنصاري المدني رضي الله عنه، وهوأحد علماء المبرزين في المعقول والمنقول ولد ونشأ بسهالي قرية من أعمال لكهنو واشتغل بالعلم من صغر سنه وقرأ أكثر الكتب الدراسية على ملا دانيال الجوراسي أحد تلامذة المفتي عبد السلام بن أبي سعيد الأعظمي الديوي[1] وينتمي إلى أسرة علمية عريقة ساعدته على التوجه إلى طلب العلم منذ صغره، حيث حفظ القرآن الكريم، وتلقى العلوم الأولية على يد علماء عصره فكان سريع الفهم، قوي الحافظة، محبًا للمعرفة.

بدأ رحلته العلمية مبكرًا، فدرس العلوم الشرعية والعقلية، مثل: الفقه وأصول الفقه والتفسيروالحديث والمنطق والفلسفة، وقد تتلمذ على كبار العلماء، وتأثر بهم، ثم ما لبث أن أصبح هو نفسه من كبار العلماء الذين يُرجع إليهم في المسائل العلمية الدقيقة.

تلقى العلم على أيدي عدد من العلماء الكبار، الذين ساهموا في تكوين شخصيته العلمية. كما خرّج عددًا من التلاميذ الذين أصبحوا فيما بعد من أعلام العلم، مما يدل على قوة تأثيره في الساحة العلمية.

 “وكان صائم الدهر، قائم الليل يختم القرآن في التهجد كل ليلة ويشتغل بالتدريس كل يوم إلا يوم الثلاثاء والجمعة فانه كان يشتغل بالتصنيف في هذين اليومين”[2]

ظلَّ الملا قطبُ الدين طوالَ حياتِه ناشرًا لواءِ التدريس، حتى بلغَتْ على يديه طائفةٌ عظيمةٌ من الطلاب درجاتِ الكمال، وانتهى إليه سندُ الاستفادة عند أكثرِ علماءِ الهند في هذا العصر… وكان الملا قطب قد ألَّف حاشيةً دقيقةً نفيسةً على «شرح العقائد» للعلامة الدوائي، غير أنَّ أهلَ الفتنة لما أغاروا ليلًا أحرقوا دارَه فاحترقت تلك الحاشية مع سائر أثاثه ومتاعه[3]

شهادته

 لقد استُشهد الملا قطب الدين (رحمه الله) في التاسع عشر من شهرٍ ما من عام 1103 للهجرة (الموافق للسابع والعشرين من مارس/آذار 1692 للميلاد) في بلدة “سهالي” التابعة لمقاطعة “بارابانكي”؛ وذلك حين كان جالساً في “ديوان خانة” (غرفة الاستقبال) الذي كان يُعرفُ بـ “المدرسة، وذلك بعد شروقِ الشمس، حيث كان منشغلاً بالتدريسِ والتعليم، ولم يكن قد حضر من الطلبة في ذلك الوقت إلا عددٌ محدود ووفقًا لعادته اليومية، فرغ الملا قطب الدين رحمه الله من صلاة الفجر وأوراده، ثم توجَّه إلى مدرسته وانشغل بإلقاء الدروس على العلماء والفضلاء الحاضرين. وبعد مضيِّ نحو ساعتين من النهار داهمَ المكانَ فجأةً أسد الله ( وهو الإقطاعيُّ) وأعوانه وقامَوا بمحاصرةِ منزلِ الملا من كافةِ الجهات. ثم اقتحمَوا المنزلَ عن طريقِ إحداثِ ثقوبٍ في جدرانهِ من جميعِ النواحي. وقد أصابوا الملا قطب الدين بضربةٍ واحدةٍ بالفأس، وجرحٍ واحدٍ بطلقٍ ناري، وسبعةِ جروحٍ بالسيف في وجهه، حتى قتلوه شهيدًا. كما استُشهِدَ على أيدي هؤلاء الظالمين كلٌّ من الشيخ غلام محمد، من ذرية الشيخ نظام الدين المقيم بأميتهي وصاحب كتاب «زبدة الأولياء»، والشيخ عزت الله السنديلي، وكانا قد حضرا لقراءة «فاتحة الفراغ كذلك استُشهِدَ محمد آصف، (چودهري) من برغنة  سهالي، الذي كان  قدم مع جماعةٍ لنصرة الملا صاحب، واستُشهِدَ معه عددٌ من مرافقيه.

وأُصيب محمد سعيد، الابن الثاني للملا قطب الدين الشهيد، وبعضُ الطلبة، وكذلك فضل الله نائبُ القاضي عبد الله وأخو القاضي المذكور من ناحية سهالي، بجروحٍ أثناء هذه الحادثة[4]

لم تكن شهادةُ المولى قطب الدين حادثةً عابرةً أو واقعةً عادية، بل كانت حدثًا جللًا هزَّ أهالي سَهالي وما حولها من العامة والخاصة، والعلماء والأعيان، وكذلك المسؤولين الحكوميين. ولذلك أعدَّ أبناءُ المولى قطب الشهيد عريضةً مفصلةً لرفعها إلى السلطان القائم، طالبين الإنصاف وردَّ المظالم، وقد اشتملت هذه العريضة على جميع تفاصيل الحادثة وجزئياتها، وأسماء القتلة والمقتولين والجرحى، وسائر المعلومات المتعلقة بها. كما ذُيِّلت بتوقيعات خمسةٍ وسبعين من كبار شخصيات المنطقة ونواحيها، مصدِّقين على ما ورد فيها.

ثم حمل هذه العريضةَ الابنُ الأوسط للشهيد، المولى سعيد، وتوجَّه بها إلى حضرة السلطان أورنك زيب عالمكير، الذي كان آنذاك في إقليم الدكن. وكان السلطان قد اطَّلع مسبقًا على تفاصيل الحادثة عن طريق مراسليه وكتَّاب الوقائع، فأصدر أوامره الصارمة بقمع مثيري الفتنة ومعاقبتهم.

وقد ذكر المولى ولي الله الفرنكي محلي في هذا الشأن:

«لما رفع مُخبرو الدولة ورسُل الأخبار إلى السلطان عالمكير خبرَ استشهاد المولى قطب الدين، وكان يومئذٍ مقيمًا بالدكن، أصدر على الفور أوامره السلطانية إلى ولاة الأقاليم والمسؤولين في المنطقة بأن يُعجَّل بالقصاص من قتلة المولى قطب الدين، وأن تُهدم دورهم، وأن يُقتل كلُّ من يُقبض عليه من الجناة المشاركين في هذه الجريمة”[5].

 

تلامذته:

  الشيخ قطبُ الدِّين الشَّمس آبادي والحافظ أمانُ الله البنارسي، مؤلِّفُ كتاب محكم الأصول والقاضي مُحِبُّ الله البهاري، مؤلِّفُ سُلَّم العلوم ومُسَلَّم الثبوت والقاضي شهابُ الدِّين الـغوبامؤي  والحاجُّ صِفَتُ الله الخيرآبادي. وزينُ العابدين السَّنديلوي والقاضي دولت السَّهالوي والملك بهاءُ الدِّين البلغرامي ومير عبدُ الهادي بنُ مير عبدِ الواحد البلغرامي والملا محمد غوث الكاكوروي والمولوي إسماعيل الأورنك آبادي والملا محمد أسعد، الابنُ الأكبرُ للملا قطب الدِّين الشهيد والملا محمد سعيد، الابنُ الثاني للملا قطب الدِّين الشهيد[6]

مكانته العلمية:

 وهو “تلميذ الشيخ محب الله الاله آبادي ، صاحب رسالة التسوية في التصوف وشارح الفصوص بالفارسية وأكمل خلفائه. والملا قطب الدين إمام الأساتذة ومقدام الجهابدة معدن العقليات ومخزن النقليات صرف عمره في شغل التدريس وانتهت إليه رئاسة العلم في الفورب وسلسلة تلمذة أكثر علماء الهند تنتهي إليه”[7]

نال ملا قطب الدين الشهيد مكانة علمية مرموقة، إذ تميّز بعمق ثقافته الشاملة التي جمعت بين العلوم الشرعية والعقلية، وهو أمر نادر في عصره. اتسم بالدقة في البحث، لا سيما في تحليل المسائل، وامتلك فهمًا عميقًا جعله مرجعًا للعلماء كما تميز بقدرة فائقة على التدريس، فكان أستاذًا بارعًا رَبّى أجيالًا من العلماء. ولم يكن مجرد مقلّد، بل كان مجتهدًا يناقش الآراء ويوازن بينها بعناية.وترك ملا قطب الدين الشهيد عددًا من المؤلفات المهمة، التي تدل على سعة علمه وعمق تفكيره، تميزت مؤلفاته بالوضوح والتنظيم وقوة الحُجّة. اتبع منهجًا علميًا يجمع بين العقل والنقل، مستندًا إلى التحليل المنطقي الدقيق والنقد البناء للأفكار، مع الاعتماد على الأدلة القوية. كان يميل إلى الاعتدال، فلا يفرط في العقل ولا يتجاهل النقل. رحل رحمه الله بعد حياة زاخرة بالعطاء العلمي، مخلفًا إرثًا علميًا عظيمًا لا يزال موضوع دراسة واهتمام حتى اليوم... ولكن “مصنفاته ضاع أكثرها يوم شهادته غير أجزاء من حاشيته على الأمور العامة وحاشيته على التلويح وحاشيته على شرح حكمة العين كما في الرسالة القطبية وقال البلكرامي في سبحة المرجان إن له حاشية على شرح العقائد العضدية وحاشية على شرح العقائد النسفية وحاشية على المطول ورسالة في تحقيق دار الحرب”[8].

يقول مصنف فرحة الناظرين[9]

كان الملا قطب الدين الشهيد السهالوي متفوِّقًا على علماء عصره في العلوم العقلية والنقلية، وكان ملازمًا للعزلة والقناعة. ولم يكن يذهب إلى الأمراء والأغنياء، بل كان دائم الانشغال بتعليم الطلاب والسعي في تحصيل العلوم والمعارف ونشرها. وقد عاش في بلدة سهالي الواقعة في ضواحي لكهنؤ. وقد ألحّ الملك عالمكير على لقاء الملا صاحب مراراً، لكن الملا صاحب رفض قبول هذا الطلب. وقد رقى كثيراً من الناس من المرحلة الابتدائية في التلمذة إلى المراتب العليا من الفضل والكمال”.[10]

قال العلامة شبلي النعماني في مقاله «الدرس النظامي معبرًا عن تقديره وإجلاله للملا قطب الدين الشهيد: «لم تُمنح هذه الفضيلة حسب علمنا لأي شخصية أخرى، لا في الهند فحسب، بل ومن الإنصاف القول: لا في العالم الإسلامي بأسره، إذ حُصرت في تلك الذات المقدسة وحدها، حيث توالى العلماء من نسلها تعاقبًا مستمرًا ومتواترًا دون انقطاع على مدى مائتي عام، ولا يزال هذا السلسلة العلمية المباركة مستمرة إلى يومنا هذ[11].

الخاتمة.

إنَّ الملا قطب الدين الشهيد السهالوي يُعَدُّ واحدًا من أبرز أعلام النهضة العلمية الإسلامية في الهند خلال القرن الحادي عشر الهجري، فقد جمع بين التبحُّر في العلوم العقلية والنقلية، والتفرُّغ للتدريس والتأليف، حتى انتهت إليه رئاسة العلم في عصره، وأصبح مرجعًا لكبار العلماء والطلاب. وقد أسهم إسهامًا كبيرًا في بناء الحركة العلمية من خلال تخريج نخبة من العلماء الذين حملوا رسالته العلمية إلى الأجيال اللاحقة.

كما مثَّلت حياته نموذجًا للعالم الرباني الذي جمع بين العلم والعمل والزهد والورع، فلم تشغله الدنيا عن رسالته العلمية، وظلَّ منكبًّا على التعليم ونشر المعرفة حتى نال الشهادة وهو في مجلس الدرس. وعلى الرغم من ضياع كثير من مؤلفاته إثر الحادثة التي أدت إلى استشهاده، فإنَّ أثره العلمي بقي حيًّا من خلال تلامذته ومدرسته العلمية وما نُقل عنه من آثار ومصنفات.

 

 الهوامش

[1] . الحسيني، عبدالحي بن فخر الدين، نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر، ج6، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، 1999م، ص784

[2] . الحسيني، عبدالحي بن فخر الدين، نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر، ج6، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، 1999م، ص784

ـ بلغرامي، غلام علي آزاد، مأثر الكرام ( ترجمة: يونس رضا مؤنس)ناشر: مركز الدراسات الإسلامية جامعة الرضا، رضا نغر، بريلي شريف، الهند، 2008،  ص318.[3]

[4] . ينظر: فرنكي محلي ، محمد رضا انصاري باني درس نظامي، اتربرديش اكادمي لكناو، 2001م، الهند،  ص 21-22

.فرنكي محلي، خالد رشيد، مشاهير علماء فرنكي محل اور ان كي علمي خدمات، اسلامك سنثر آف انديا، فرنكي محل، لكهنو، 2011م، ص15[5]

[6] . ينظر: مصباحي، يس، ممتاز علماء فرنكي محل لكناو، اكبر بك سيلر، لاهور، 2017م، ص43

[7] . البلكرامي ، غلام علي آزاد، سبحة المرجان في آثار هندوستان ، تقديم: محمد سعيد الطريحي ، ط1، دار الرافدين، بيروت، لبنان، 2015م،  ص147

[8] . الحسيني، عبدالحي بن فخر الدين، نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر، ج6، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، 1999م، ص784

[9] . وهو مخطوطٌ محفوظٌ في مكتبة “آزاد بجامعة علي كره الإسلامية ، الهند

[10] . فرنكي محلي ، محمد رضا انصاري باني درس نظامي، اتربرديش اكادمي لكناو، 2001م، الهند،  ص24

[11] . فرنكي محلي، خالد رشيد، مشاهير علماء فرنكي محل أور ان كي علمي خدمات، اسلامك سنثر آف انديا، فرنكي محل، لكهنو، 2011م، ص14

المصادر والمراجع:

  1. .فرنكي محلي ، محمد رضا انصاري باني درس نظامي، اتربرديش اكادمي لكناو، 2001م، الهند.
  2. بلغرامي، غلام علي آزاد، مأثر الكرام ( ترجمة: يونس رضا مؤنس)ناشر: مركز الدراسات الإسلامية جامعة الرضا، رضا نغر، بريلي شريف، الهند، 2008م.
  3. البلكرامي ، غلام علي آزاد، سبحة المرجان في آثار هندوستان ، تقديم: محمد سعيد الطريحي ، ط1، دار الرافدين، بيروت، لبنان، 2015م.
  4. الحسيني، عبدالحي بن فخر الدين، نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر، ج6، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، 1999م.
  5. فرنكي محلي ، محمد رضا انصاري باني درس نظامي، اتربرديش اكادمي لكناو، 2001م، الهند.
  6. فرنكي محلي، خالد رشيد، مشاهير علماء فرنكي محل اور ان كي علمي خدمات، اسلامك سنثر آف انديا، فرنكي محل، لكهنو، 2011م.
  7. فرنكي محلي، خالد رشيد، مشاهير علماء فرنكي محل أور ان كي علمي خدمات، اسلامك سنثر آف انديا، فرنكي محل، لكهنو، 2011م.3
  8. مصباحي، يس، ممتاز علماء فرنكي محل لكناو، اكبر بك سيلر، لاهور، 2017م.