محمد نياز عالم
يهدف هذا البحث الموسوم بــــ “ذاكرة المنفى وأزمة الهوية في رواية رجال في الشمس لغسان كنفاني” إلى الكشف عن تمثلات المنفى الفلسطيني وأثره في تشكل أزمة الهوية داخل البنية السردية للرواية، من خلال قراءة نقدية تستند إلى تحليل الشخصيات والأحداث والفضاءات السردية التي صاغها غسان كنفاني في تصويره لمعاناة الإنسان الفلسطيني بعد نكبة ١٩٤٨. وتنبع أهمية الموضوع من كون الهوية الفلسطينية تعرضت، بفعل التهجير والتشريد والاستعمار، إلى حالة من التمزق والانكسار، الأمر الذي جعل الذاكرة الجماعية للفلسطينيين فضاءً لاستعادة الوطن المفقود والبحث عن الذات المغتربة.
وتسعى الدراسة إلى إبراز الكيفية التي تحولت بها تجربة المنفى في الرواية إلى مأساة وجودية وإنسانية، انعكست في الشخصيات التي وجدت نفسها عالقة بين فقدان الأرض وضياع الانتماء، حيث تتجسد أزمة الهوية في الشعور بالعجز والاغتراب والانفصال عن الجذور. كما تكشف الرواية عن الصراع بين الأنا الفلسطينية والواقع القاهر الذي فرضته ظروف الاحتلال واللجوء، وهو ما جعل الذاكرة أداة للمقاومة وحفظ الهوية من التلاشي.
الكلمات المفتاحية: فلسطين، الاغتراب، الرمز، الهوية، الهجرة، المنفى، الحنين، الوطن.
غسان كنفاني ورواية رجال في الشمس
نبذة عن الكاتب
يعد غسان كنفاني من أبرز الشخصيات الأدبية والنضالية الفلسطينية، إذ شهد أحداث النكبة في طفولته وتأثر بآثارها العميقة على المستويين السياسي والاجتماعي. وقد انعكست هذه التجربة في إنتاجه الأدبي الذي اتخذ من المقاومة محورا أساسيا، حيث صور معاناة الشعب الفلسطيني وهمومه الوطنية، ملتزما بالدفاع عن قضية فلسطين مع التعبير في الوقت ذاته عن قضايا إنسانية أوسع نطاقا. تقول الكاتبة نجمة خليل “يدور أدب غسان كنفاني بأغلبيته حول موضوعي النفي والعودة، ولا تخلو أي من رواياته من رؤية في الموضوع حتى في الرواية البوليسية الشيء الآخر التي تبدو خارجة عن سياق المقاومة …… الروايات الأولى “رجال في الشمس” “ما تبقى لكم”، “وأم سعد” مثلت رؤية متسلسلة تكاملية للمنفى الفلسطيني، بينما خصصت رواية عائد إلى حيفا موضوعها بكليته لمسألة العودة[1].”
ولد غسان كنفاني في مدينة عكا الفلسطينية في التاسع من نيسان/أبريل عام [2]١٩٣٦ لأسرة متوسطة الحال، وكان والده يعمل في مهنة المحاماة. عاش طفولته في مدينة يافا إلى أن شهد أحداث نكبة عام ١٩٤٨، التي أجبرته مع أسرته على مغادرة وطنه والنزوح إلى لبنان، قبل أن تستقر العائلة في العاصمة السورية دمشق. وقد تركت تجربة اللجوء والاقتلاع من الوطن أثرا عميقا في شخصيته ووعيه، وانعكست لاحقا في أعماله الأدبية التي تناولت القضية الفلسطينية ومعاناة اللاجئين.[3]
تلقى كنفاني تعليمه في مدرسة الفرير الفرنسية بيافا، حيث أتقن اللغة الإنجليزية إلى جانب اهتمامه باللغة العربية وآدابها. وعلى الرغم من رغبة والده في أن يتجه إلى مجال التجارة، فقد اختار طريق الأدب والكتابة، فالتحق بجامعة دمشق ودرس الأدب العربي لمدة ثلاثة سنوات[4]. وقد تجلت اهتماماته الفكرية مبكرا من خلال بحثه الجامعي الذي حمل عنوان “العرق والدين في الأدب الصهيوني”، مما يدل على انشغاله بالقضية الفلسطينية منذ سنوات شبابه الأولى.
اضطر كنفاني بعد اللجوء إلى العمل في عدد من المهن لمساعدة أسرته، فعمل موزعاً للصحف وعاملاً في مطعم، كما اشتغل مدرساً في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين. ثم انتقل إلى الكويت للعمل في التدريس، قبل أن يستقر في بيروت ويبدأ مسيرته الصحفية والأدبية. وخلال سنوات قليلة استطاع أن يحقق مكانة بارزة في الأدب العربي، حيث كرّس أعماله الروائية والقصصية لتصوير معاناة الفلسطينيين في المنفى، مركزاً على قضايا اللجوء والهوية والاغتراب والتمسك بحق العودة.
تعريف بالرواية وسياقها التاريخي
كتب غسان كنفاني رواية “رجال في الشمس” عام ١٩٦٢ في ظروف صعبة، إذ كان يعيش متخفياً في لبنان بسبب عدم امتلاكه أوراق إقامة رسمية. وقد نُشرت الرواية في بيروت عام 1963، وسرعان ما أصبحت من أشهر الروايات الفلسطينية وأكثرها انتشارا.
ونتيجة لنجاحها الكبير، ترجمت الرواية إلى العديد من اللغات، مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية والسويدية والهولندية وغيرها، وهذه الرواية تلقب ’ بـ زينب فلسطين‘” فإذا كانت زينب لمحمد خسين هيكل تشكل البداية الحقيقة المؤرخة لأول رواية مصرية عربية، فإن رجال في الشمس تؤرخ أيضا (في تقدير أغلب النقاد) للبداية الفعلية للرواية الفلسطينية” مما ساعد على تعريف القراء في مختلف أنحاء العالم بالقضية الفلسطينية ومعاناة اللاجئين.
كما حولت الرواية إلى فيلم سينمائي بعنوان المخدوعون من إخراج توفيق صالح، وحصل الفيلم على عدد من الجوائز الدولية. كذلك تم إعدادها في شكل مسرحي وعرضت في أكثر من بلد، وهو ما يدل على أهمية الرواية ومكانتها في الأدب الفلسطيني والعربي.
مفهوم المنفى والهوية
يشكل الأدب في كثير من الأحيان مرآة عميقة تعكس التحولات الكبرى التي يعيشها الإنسان في علاقته بذاته وبالعالم من حوله. ومن بين القضايا التي برزت بقوة في الأدب العالمي المعاصر قضية الهُوية وما يرافقها من شعور بالاغتراب والانقسام الداخلي، خاصة لدى الكتّاب الذين عاشوا تجربة المنفى أو التهجير أو الصدام بين ثقافتين. وقد ظهرت هذه الإشكالية بوضوح في أعمال عدد من الأدباء الذين نالوا جائزة نوبل في الأدب، حيث تحولت الكتابة لديهم إلى مساحة للتأمل في أزمة الهُوية والبحث عن الذات في عالم متغير.
المنفى
المنفى: هو عدم وجود شيء، ومن معانيه التي وردت في المعجم العربي الجحد والطرد والإثارة والدفع: فيقال ” نفي شيء ” أي ما تبقى منه بعده تنقيه، واختيار الجيد منه، ويقال هو من نفايات القوم ونفاتهم أي أرذلهم.[5] يقول صاحب المعجم الوسيط “النفي عقوبة بإبعاد شخص خارج حدود بلاده لفترة غير محدودة”.[6]
المنفى في الاصطلاح:
المنفى في المكان الذي يتجاوز فيه المرء شخص ما بعد تجاوزه على الوطن، ويظل هناك خلف المحيط، وقد يتجاوز إلى الحياة، وقد يتجاوز أن يتجاوز الوطن دون أن يتجاوزه على ذلك، ويتجاوز هذا بما فيه الكفاية المنفى، وقد يتجاوز على وجود مجموعة من الأسباب التي تتجاوز الإنسان للمغادرة، مثل: تجاوز في الوطن.[7]
تمثل ذاكرة المنفى أحد المحاور الأساسية في رواية “رجال في الشمس” لغسان كنفاني، إذ تتجسد من خلالها معاناة الفلسطيني بعد اقتلاعه من أرضه إثر النكبة. فالمنفى في الرواية ليس مجرد ابتعاد مكاني عن الوطن، بل تجربة نفسية عميقة تظل حاضرة في وعي الشخصيات وسلوكها وأحلامها. وتظهر الذاكرة بوصفها وسيلة لاستحضار الماضي الفلسطيني بكل ما يحمله من صور الأرض والبيت والأسرة، كما تكشف عن الحنين المستمر إلى الوطن المفقود. ومن خلال هذه الذاكرة يحافظ الفلسطيني على هويته الوطنية ويقاوم محاولات التهميش والنسيان، لتصبح الذاكرة شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية والإنسانية.
الهوية
تعرف الهوية بأنها مجموعة من الصفات والخصائص التي تميز الفرد أو الجماعة عن غيرهم. وهي تعبر عن شعور الإنسان بالانتماء إلى وطنه ومجتمعه وثقافته. وتتكون الهوية من عناصر مختلفة مثل اللغة والدين والعادات والتقاليد والتاريخ المشترك. كما تتأثر بعوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية. وتساعد الهوية الإنسان على معرفة ذاته وتحديد مكانته داخل المجتمع. لذلك تعد الهوية جزءا مهماً من شخصية الفرد وحياته الاجتماعية.[8]
تعد أزمة الهوية من أبرز القضايا التي تعالجها رواية “رجال في الشمس” لغسان كنفاني، إذ تكشف عن الآثار العميقة التي خلّفتها النكبة في وعي الفلسطيني ووجوده. فبعد التهجير القسري وفقدان الوطن، وجد الفلسطيني نفسه في حالة من الضياع بين ماضٍ مفقود وحاضر غير مستقر، مما أدى إلى اهتزاز شعوره بالانتماء وتفاقم إحساسه بالغربة. وتظهر هذه الأزمة من خلال الشخصيات التي تعيش صراعاً مستمراً بين التمسك بالهوية الفلسطينية ومحاولة التكيف مع واقع المنفى. لذلك ترتبط أزمة الهوية في الرواية بفقدان المكان، والاغتراب النفسي والاجتماعي، وتشظي الذات الفلسطينية في مواجهة واقع اللجوء والتشرد.
ملخص الرواية
تدور أحداث رواية ” رجال في الشمس” للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني حول معاناة اللاجئين الفلسطينيين بعد نكبة عام 1948. وتحكي قصة ثلاثة فلسطينيين هم أبو قيس وأسعد ومروان، الذين يعيشون ظروفاً اقتصادية واجتماعية صعبة في مخيمات اللجوء، فيقررون السفر إلى الكويت بحثاً عن العمل وتحسين حياتهم.
يلتقون بالسائق أبي الخيزران، الذي يوافق على تهريبهم عبر الحدود العراقية الكويتية مقابل مبلغ من المال. وأثناء الرحلة يختبئ الرجال الثلاثة داخل خزان ماء فارغ في شاحنة أبي الخيزران لتجنب اكتشافهم من قبل رجال الحدود. تصبح الرحلة أكثر صعوبة بسبب حرارة الصحراء الشديدة وطول فترة الانتظار عند نقاط التفتيش. وعندما يصل أبو الخيزران إلى الجانب الكويتي ويفتح الخزان، يكتشف أن الرجال الثلاثة قد ماتوا اختناقاً بسبب الحر الشديد ونقص الهواء.
تنتهي الرواية بالمشهد الشهير الذي يصرخ فيه أبو الخيزران قائلاً: لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟[9] وهو سؤال يحمل دلالات سياسية وإنسانية عميقة، إذ يرمز إلى رفض الصمت والاستسلام والدعوة إلى المقاومة والفعل.
تعالج الرواية موضوعات المنفى واللجوء والهوية الفلسطينية والاغتراب، وتُعد من أهم الروايات الفلسطينية التي صوّرت مأساة الشعب الفلسطيني بعد النكبة بأسلوب رمزي وإنساني مؤثر.
تجليات المنفى في الرواية
تعدّ رواية رجال في الشمس لغسان كنفاني من أهم الأعمال الأدبية التي تناولت تجربة المنفى الفلسطيني وما خلّفته النكبة من آثار عميقة في حياة الإنسان الفلسطيني. وقد قدّم كنفاني في هذه الرواية صورة مكثفة لمعاناة اللاجئين الفلسطينيين بعد تهجيرهم من وطنهم عام 1948، حيث أصبح المنفى واقعاً قاسياً يفرض عليهم حياة مليئة بالفقر والاغتراب والبحث المستمر عن الأمان. لا يقتصر المنفى في الرواية على الابتعاد الجغرافي عن فلسطين، بل يتحول إلى حالة نفسية واجتماعية يعيشها الأبطال في كل تفاصيل حياتهم. كما قال غسان كنفاني ذات مرة “استوحيت كافة أبطال رواياتي من الواقع ليس من الخيال، لقد كانوا جميعهم من المخيم وليس من خارجه[10]“
تجسد الشخصيات الرئيسة، أبو قيس وأسعد ومروان، نماذج مختلفة من الفلسطينيين الذين اقتُلِعوا من أرضهم وأُجبروا على العيش في المخيمات. فكل شخصية تحمل جراح المنفى بطريقتها الخاصة؛ فأبو قيس يعيش على ذكريات الأرض وأشجار الزيتون التي فقدها، بينما يحاول أسعد الهروب من واقعه السياسي والاجتماعي، أما مروان فيتحمل مسؤولية أسرته بعد انهيار الروابط العائلية بسبب ظروف اللجوء. ويكشف هذا التنوع في الشخصيات أن المنفى لم يكن تجربة فردية، بل مأساة جماعية أصابت مختلف فئات الشعب الفلسطيني.
كما يصور كنفاني المنفى بوصفه فضاءً للضياع وفقدان الهوية، حيث يعيش الفلسطيني بين ذكريات الماضي القاسي وأحلام المستقبل المجهول. وتتحول رحلة الأبطال إلى الكويت إلى رمز لمحاولة الخلاص من حياة المخيمات، غير أن النهاية المأساوية داخل خزان الشاحنة تؤكد فشل الحلول الفردية في مواجهة قضية وطنية كبرى. ومن خلال هذه النهاية يبرز الكاتب أن المنفى ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل حالة من الاختناق والاغتراب لا يمكن تجاوزها إلا باستعادة الوطن والكرامة. وهكذا تصبح الرواية شهادة أدبية على معاناة الفلسطيني في المنفى، وصوتاً يعبّر عن مأساة شعب كامل اقتُلع من أرضه وظل يبحث عن طريق العودة.
الحنين إلى الأرض والوطن
يشكل الحنين إلى الأرض والوطن أحد أهم التجليات الإنسانية في رواية رجال في الشمس، حيث يبرز بوصفه شعوراً دائماً يرافق الشخصيات ويؤثر في قراراتها ونظرتها إلى الحياة. فالشخصيات الفلسطينية في الرواية تعيش حالة من الاغتراب النفسي نتيجة فقدانها لوطنها، ولذلك تظل مشدودة إلى فلسطين رغم مرور السنوات على النكبة. ويظهر هذا الحنين بوضوح في شخصية أبي قيس الذي لا يتوقف عن التفكير في أرضه وأشجار الزيتون التي كانت جزءاً من هويته ووجوده.[11]
ويربط كنفاني بين الأرض والكرامة الإنسانية، لذلك لا تبدو فلسطين مجرد مساحة جغرافية، بل تمثل معنى الحياة والاستقرار والانتماء. ومن خلال الذكريات المتكررة التي تراود الشخصيات، يبرز الحنين بوصفه قوة تدفعهم إلى التمسك بماضيهم حتى وهم يسعون إلى الهجرة نحو الكويت بحثاً عن الرزق. فمحاولة الوصول إلى الكويت لا تعني التخلي عن الوطن، وإنما هي محاولة للهروب من ظروف المنفى القاسية التي فرضتها النكبة.
كما يعكس الحنين في الرواية شعوراً جماعياً يشترك فيه الفلسطينيون جميعاً، إذ تتكرر الإشارات إلى القرى والأرض والأسرة والذكريات الجميلة التي فقدوها. ومن خلال هذا الحنين يؤكد كنفاني أن الوطن يظل حاضراً في وجدان أبنائه مهما طال زمن الغربة، وأن الانتماء الحقيقي لا يمكن أن يُمحى بالتهجير أو البعد المكاني.
الذاكرة بوصفها وسيلة للحفاظ على الهوية
تؤدي الذاكرة في رواية رجال في الشمس دوراً أساسياً في الحفاظ على الهوية الفلسطينية في مواجهة التهجير والتشرد. فالشخصيات التي فقدت أرضها وبيوتها لم تفقد إحساسها بالانتماء، لأن الذاكرة ظلت تحفظ تفاصيل الوطن وتمنع اندثارها. ومن خلال استرجاع الأحداث الماضية والأماكن المفقودة، تؤكد الرواية أن الهوية الفلسطينية ليست مرتبطة بالمكان فقط، بل تستمر في الوعي الفردي والجماعي حتى في ظروف المنفى.
وتتجلى هذه الفكرة في تمسك الشخصيات بذكريات فلسطين رغم قسوة الواقع الجديد. فأبو قيس يستعيد باستمرار صور قريته وأشجار الزيتون[12]، بينما تحمل الشخصيات الأخرى آثار الوطن في أحاديثها وأحلامها وتطلعاتها. وتصبح هذه الذكريات وسيلة لمقاومة النسيان، إذ تمنح الشخصيات شعوراً بالاستمرارية وتربطها بجذورها التاريخية والثقافية.
كما يوضح كنفاني أن المنفى يهدد الهوية عندما يفرض على الإنسان حياة جديدة بعيدة عن بيئته الأصلية، لكن الذاكرة تعمل على مواجهة هذا التهديد من خلال إعادة إنتاج صورة الوطن داخل الوجدان. لذلك تتحول الذكريات إلى شكل من أشكال المقاومة، لأنها تحفظ الرواية الفلسطينية وتنقلها من جيل إلى آخر. ومن هذا المنطلق يمكن القول إن الذاكرة في الرواية ليست مجرد استرجاع للماضي، بل أداة للحفاظ على الهوية الوطنية وصون الوجود الفلسطيني من الذوبان أو الضياع في المنافي المختلفة.
فقدان الانتماء المكاني
يُجسّد فقدان الانتماء المكاني أحد أهم مظاهر أزمة الهوية في رواية رجال في الشمس إذ فقدت الشخصيات الفلسطينية المكان الذي شكّل أساس وجودها وهويتها الاجتماعية والثقافية. فقد أدّت النكبة إلى اقتلاع الفلسطينيين من قراهم ومدنهم وتحويلهم إلى لاجئين يعيشون في المخيمات، الأمر الذي جعلهم يشعرون بأنهم غرباء في الأمكنة الجديدة التي انتقلوا إليها. ويظهر هذا الإحساس بوضوح في شخصية أبي قيس الذي لا يستطيع الانفصال عن ذكريات قريته وأرضه وأشجار الزيتون، ويشعر بأن المكان الجديد لا يمنحه الإحساس بالأمان أو الانتماء الذي كان يجده في وطنه.
فأبو قيس يشعر بأنه فقد مكانته وحياته السابقة بعد أن تحوّل من مالك للأرض إلى لاجئ يعيش في المخيم، الأمر الذي ولّد لديه إحساساً عميقاً بالهزيمة واليأس. أما أسعد فيعاني من فقدان الثقة بالآخرين نتيجة التجارب القاسية التي مرّ بها خلال محاولات الهجرة، في حين يعيش مروان شعوراً بالخذلان بعد تخلي والده وأخيه عن الأسرة وتحميله مسؤوليات تفوق سنّه.[13] كذلك تجسد شخصية أبي الخيزران صورة الإنسان الذي فقد توازنه النفسي بعد خسارة الوطن وما رافقها من خسائر شخصية عميقة.
وترى نظريات الاغتراب في الأدب أن الإنسان يصبح مغترباً عندما يشعر بانفصاله عن ذاته ومجتمعه وقيمه الأساسية، وهو ما ينطبق على شخصيات الرواية التي تبدو عاجزة عن تحقيق ذاتها أو بناء مستقبل مستقر. وهكذا يتحول الاغتراب في الرواية إلى تجربة جماعية تعبّر عن الحالة النفسية والاجتماعية للفلسطيني في المنفى، وتكشف عن عمق المأساة التي خلّفها التهجير القسري.
الشخصيات وتجسيد تجربة المنفى
تُعدّ الشخصيات في رواية رجال في الشمس الوسيلة الأساسية التي اعتمد عليها غسان كنفاني لتجسيد تجربة المنفى الفلسطيني وما رافقها من معاناة إنسانية ونفسية واجتماعية. فقد اختار الكاتب شخصيات تنتمي إلى أجيال مختلفة من الشعب الفلسطيني، بحيث تمثل كل شخصية جانباً من آثار النكبة واللجوء. ومن خلال أبو قيس وأسعد ومروان وأبي الخيزران، تتجلى مظاهر الفقر والتشرد والبحث عن الأمان وفقدان الوطن، كما تتكشف أزمات الهوية والاغتراب التي يعيشها الفلسطيني في المنفى. وبذلك تتحول الشخصيات إلى نماذج رمزية وواقعية تعكس مأساة شعب كامل لا مجرد معاناة أفراد متفرقين. “نجح غسان كنفاني تصوير شخصياته، استطاع تقديمها بطريقة مناسبة، دون أن يتلاشى عن أذهان القراء، واصف أبو الشباب فيلاحظ عن الرواية أنها وضعت الملامح الواضحة لشخصية الإنسان الفلسطيني المشرد الذي يبحث عن الرزق، ولذلك جاءت هذه الرواية على صورة قاسية جدا، قسوة حياة الإنسان الفلسطيني المشرد في المخيمات.[14]
أبو قيس
تمثل شخصية أبي قيس الجيل الفلسطيني الأكبر الذي عاش النكبة بصورة مباشرة وفقد أرضه وبيته ومصدر رزقه. ويجسد أبو قيس معاناة المنفى من خلال ارتباطه العميق بالمكان الذي اقتُلع منه، إذ تظل ذكريات القرية وأشجار الزيتون حاضرة في وعيه طوال أحداث الرواية. يعيش أبو قيس حالة من الحنين الدائم إلى الوطن، ويشعر بأن سنوات اللجوء الطويلة لم تستطع أن تمحو إحساسه بالانتماء إلى فلسطين.
كما تعكس شخصيته الآثار النفسية للمنفى، فهو رجل أنهكته الحياة في المخيمات وأفقدته الثقة بالمستقبل. وعلى الرغم من رغبته في البقاء قريباً من أرضه، فإن الظروف الاقتصادية القاسية تدفعه إلى التفكير في الهجرة إلى الكويت بحثاً عن حياة أفضل لأسرته. غير أن هذه الرحلة تكشف عن حجم المأساة التي يعيشها اللاجئ الفلسطيني، إذ يجد نفسه مضطراً إلى ترك ما تبقى من ذكريات الوطن سعياً وراء لقمة العيش.
ويرمز أبو قيس إلى جيل كامل عاش تجربة الاقتلاع وفقدان الاستقرار، وبقي أسيراً للماضي وذكرياته. ومن خلال هذه الشخصية يبرز كنفاني أن المنفى لا يسلب الإنسان أرضه فقط، بل يحرمه أيضاً من الشعور بالأمان والاستقرار النفسي. لذلك تبدو شخصية أبي قيس تجسيداً واضحاً لمعاناة الفلسطيني الذي يعيش بين ألم الماضي وقسوة الحاضر، دون أن يفقد حلم العودة إلى وطنه.
أسعد
يجسد أسعد في رواية رجال في الشمس فئة الشباب الفلسطيني الذين وجدوا أنفسهم بعد النكبة في مواجهة واقع سياسي واجتماعي معقد. فهو شاب مناضل طاردته الظروف والصعوبات، مما دفعه إلى التفكير في الهجرة إلى الكويت بحثاً عن مستقبل أفضل. وتمثل شخصيته نموذجاً للفلسطيني الذي يحاول تجاوز واقع المنفى من خلال العمل والاعتماد على الذات، إلا أنه يظل محاصراً بآثار التهجير وفقدان الوطن.
وتكشف تجربة أسعد عن جانب مهم من معاناة المنفى يتمثل في فقدان الثقة والاستقرار. فقد تعرض للخداع خلال محاولات الهجرة السابقة، الأمر الذي جعله أكثر حذراً وتشكيكاً بالآخرين. كما يعيش صراعاً بين رغبته في تحقيق حياة كريمة وبين القيود الاجتماعية التي تحاول فرضها عليه، مثل فكرة الزواج التقليدي من ابنة عمه. وهذا الصراع يعكس رغبة الجيل الشاب في التحرر من القيود وبناء مستقبله بنفسه.
ومن خلال أسعد يوضح كنفاني أن المنفى لا يقتصر على الفقر والتشرد، بل يشمل أيضاً الإحساس بعدم اليقين والخوف من المستقبل. فالشخصية تمتلك طموحاً وإرادة قوية، لكنها تواجه واقعاً يحدّ من قدرتها على تحقيق أحلامها. ولذلك تمثل تجربة أسعد صورة للشباب الفلسطيني الذي وجد نفسه مضطراً إلى البحث عن فرص جديدة خارج وطنه، بينما بقيت جذوره وهويته مرتبطة بفلسطين رغم كل محاولات الابتعاد عنها.
مروان
تمثل شخصية مروان الجيل الفلسطيني الأصغر الذي نشأ في ظل اللجوء وتحمل نتائج النكبة دون أن يعيش تفاصيلها المباشرة. ويظهر مروان في الرواية شاباً يافعاً اضطر إلى ترك دراسته والعمل من أجل إعالة أسرته بعد تخلي والده وأخيه عن مسؤولياتهما. ومن خلال هذه الشخصية يصور كنفاني كيف أجبرت ظروف المنفى الشباب الفلسطيني على تحمّل أعباء تفوق أعمارهم، مما أدى إلى حرمانهم من حياة طبيعية ومستقرة.
ويجسد مروان جانباً من الاغتراب الاجتماعي الذي نتج عن اللجوء، حيث تعاني أسرته من التفكك والضغوط الاقتصادية. ومع ذلك، يتميز بروح التفاؤل والإصرار على تحسين واقعه، فيقرر السفر إلى الكويت بحثاً عن العمل ومساعدة أسرته. وأخوه يعمل بالكويت وكان يرسل إلى الأسرة حوالي مائتي روبية شهريا، لكنه لما تزوج أوقف عن إرسال نقود، بل أرسل رسالة إلى مروان يقول له فها: ” لا أعرف معنى أن أظل أنا أعمل وأنفق على الأسرة بينما تذهب أنت إلى المدرسة السخيفة التي لا تعلم شيئا… اترك المدرسة وغص في المقلاة مع من غاصوا.[15]“
ويكشف هذا القرار عن حجم المسؤولية التي ألقتها النكبة على عاتق الأجيال الجديدة، والتي وجدت نفسها مطالبة بمواجهة أزمات لم تكن سبباً فيها.
كما ترمز شخصية مروان إلى استمرار القضية الفلسطينية عبر الأجيال، إذ يحمل هموم الوطن والمنفى رغم صغر سنه. فهو لا يبحث فقط عن المال، بل يسعى أيضاً إلى استعادة الكرامة والاستقرار المفقودين. ومن خلال مروان يبرز كنفاني صورة الجيل الفلسطيني الجديد الذي نشأ في ظروف قاسية، لكنه ظل متمسكاً بالأمل رغم كل أشكال الحرمان والمعاناة التي فرضتها تجربة المنفى.
أبو الخيزران
تُعد شخصية أبي الخيزران من أكثر الشخصيات تعقيداً في رواية رجال في الشمس، إذ تجسد جانباً مختلفاً من تجربة المنفى الفلسطينية. فهو لا يمثل اللاجئ البسيط الباحث عن الرزق فحسب، بل يرمز إلى التحولات النفسية والاجتماعية التي أصابت الفلسطيني بعد النكبة. كان أبو الخيزران مقاتلاً سابقاً فقد رجولته أثناء الحرب، ثم تحوّل إلى سائق يعمل في تهريب الفلسطينيين عبر الحدود سعياً وراء المال وتحسين ظروفه المعيشية.
ويعكس هذا التحول حجم الخسائر التي خلّفتها النكبة في حياة الأفراد. ففقدان الوطن ترافق مع فقدان الثقة بالمستقبل والإيمان بجدوى التضحيات السابقة. ولذلك يبدو أبو الخيزران شخصية تعيش صراعاً داخلياً بين ماضيه النضالي وحاضره القائم على السعي وراء المكاسب الفردية. كما أن علاقته بالرجال الثلاثة تكشف عن هشاشة الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون في المنفى واعتمادهم على وسائل غير آمنة لتحقيق أحلامهم.
حمل شخصية أبي الخيزران معنى رمزيا في كثير من الدراسات النقدية، إذ يرى بعض النقاد أنها تمثل حالة الضعف والعجز التي أصابت القيادات العربية والفلسطينية بعد النكبة. ومع ذلك، فإن الشخصية تمثل أيضا الإنسان الفلسطيني الذي فقد وطنه واستقراره، وأصبح يعيش حياة صعبة في المنفى. وفي نهاية الرواية، يطرح أبو الخيزران سؤاله الشهير “لماذا لم تدقوا جدران الخزان”. ولا يقصد بهذا السؤال الرجال الثلاثة فقط، بل يوجه رسالة إلى كل من يلتزم الصمت أمام الظلم. ومن خلال هذا السؤال، يدعو غسان كنفاني إلى رفض الاستسلام، ويؤكد أهمية المقاومة والعمل من أجل استعادة الحقوق والكرامة.
دلالة النهاية وسؤال لماذا لم يدقوا الخزان؟
تُعدّ نهاية رواية “رجال في الشمس ” من أكثر النهايات تأثيرا في الأدب الفلسطيني، إذ يختتم غسان كنفاني الرواية بسؤال أبي الخيزران: لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟ لا يقتصر هذا السؤال على تفسير موت الشخصيات الثلاث، بل يحمل دلالات سياسية ونفسية ورمزية عميقة. وقد اعتبره العديد من النقاد صرخة تدعو الفلسطيني إلى رفض الصمت والاستسلام، والانتقال من حالة السلبية إلى الفعل والمقاومة.
البعد السياسي
يحمل السؤال بعداً سياسياً واضحاً، إذ يوجّه كنفاني نقداً للحالة الفلسطينية والعربية بعد النكبة، حيث ساد الانتظار والاعتماد على الآخرين لحل القضية الفلسطينية. فعدم دق جدران الخزان يرمز إلى غياب المبادرة والمقاومة الفعالة. ويرى عدد من النقاد، مثل: د. سليمان صالح يقول: “كان السؤال صرخة يمكن أن توقظ أمة لا تقل حالها سوءا عن معاناة وآلام أولئك الرجال الفلسطينيين الذين بحثوا عن حل لمشكلتهم الفردية بالهرب إلى الكويت في خزان شاحنة يقودها أبو الخيزران الذي فقد رجولته”. يقول أيضا: ” إن الواقع الكتيب الكربة الذي يصنعه الطغاة والاستعمار والاحتلال لا يختلف عن خزان شاحنة “أبي الخيزران”، فإن دقت الشعوب بعنف على جدرانه وصرخت وهتفت فإنها تكون جديرة بالعيش والحرية والكرامة الإنسانية وتستحق الحياة، وقد يموت كثير من الناس وهم يهتفون ويدقون الواقع الآسن الفاسد المتعفن”[16]
البعد النفسي
من الناحية النفسية، يكشف السؤال عن حالة الخوف واليأس التي سيطرت على الشخصيات الثلاث. فقد أدى الإحساس بالعجز والاغتراب إلى فقدان القدرة على رد الفعل حتى في لحظة الخطر. ويعكس ذلك ما يسميه علماء النفس “الاستسلام النفسي”، حيث يتوقف الإنسان عن المقاومة نتيجة تراكم الإحباطات والصدمات. لذلك فإن صمت الرجال داخل الخزان يعبر عن التأثير العميق للمنفى والنكبة في النفس الفلسطينية، وليس مجرد خطأ فردي ارتكبته الشخصيات.
تصوير معاناة حياة المنفى للشعب الفلسطيني في الرواية
إن الرواية “رجال في الشمس” خير نموذج للعمل الأدبي الذي رسم معاناة الشعب الفلسطيني في المخيمات والمنفى، يعتبر الناقد أفنان قاسم أنها إشارة متطورة نحو تفهم أشمل وأعمق المرحلة المنفى التي تجتازها القضية الفلسطيني، وأنها تمثل المرحلة الانتقالية التاريخية ذاتها.
من عدم الاستقرار الاجتماعي والإيديولوجي إلى الاستقرار الاجتماعي والإيديولوجي”[17]. “تأثير النكبة الفلسطينية عميق في نفوس أبطال الرواية، فحركتهم في الرواية دافعها هو أثر هذه التكية. وتقدم الرواية صورة الفلسطيني المنفي التي قدمها غسان كنفاني في رواياته اللاحقة وأهمها رواية عائد إلى حيفا، تحاول الشخصيات الثلاثة الهروب إلى الكويت عن طريق مهرب كل لوحة من لوحات الرواية مملوثة من عناصر رواية المنفى هي كما نعلم الحنين إلى الوطن. ذكريات الوطن أو القرية البحث عن الهوية البكاء على ذكريات الوطن والأقارب الحب المفقود الطغيان الذي أجبره على الفرار ومحو ماضيه المعاناة التي يواجهها في المنفى وغيرها، قد نجح كنفاني لتعبير عنها بأسلوب جذابة.
الرجل الأول “أبو قيس” وهو زوج وأب عاش حياة بائسة، هو الذي يتحسر كل يوم على أيام خلت، ويملأ قلبه الشعور بالأسى والغربة وذكريات قريته في يافا، وكان حاسد على موت أستاذ سليم قبل أن يرى حالة الهوان والذل التي عاشها أهل القرية ولم يعش مرحلة التهجير القسري التي عاشوها، ألقى باللوم على نفسه ذات مرة قائلاً ” ماذا تراك تنتظر أن تثقب الثروة سقف بيتك.. بيتك؟ إنه ليس بيتك، رجل كريم قال لك اسكن هنا هذا كل شيء وبعد عام قال لك أعطني نصف الغرفة فرفعت أكياس مرقعة من الخيش بينك وبين الجيران الجدد”[18]. يرى أبو قيس الذل في الحياة في الأرض المحتلة، ويظهر في مخيلته دائما ذكريات ولادة ابنتها الصغيرة، وماتت ابنتها بعد شهرين من الولادة بقلة الفيتامينات فيها.
وكانت جميع شخصيات الرواية يعانين معاناة قاسية خلال السفر إلى الكويت، وفي الطريق هم يتفكرون عن أحلامهم وعائلاتهم ومطامحهم وآمالهم وبؤسهم ويأسهم وقوتهم وضعفهم وماضيهم ومستقبلهم. يستخدم الكاتب التقنية الاسترجاع لتقديم أفكارهم، نرى في اللوحة الأخيرة موت مأساوي لجميع أبطال الرواية، وهم يفشلون بعد محاولتهم الشديدة للتخلص من الخزان الذي يسترون، كما يفشلون الفلسطينيون في حياتهم التعسة، يحلل الناقد أفنان قاسم هذه الرواية ويقول: تصور الرواية قسوة المنفى تحت بكافة أشكاله، وهي تمثل نقدا ذاتيا للفلسطينيين يكشف عن عدم القدرة على حل بؤس المنفى، يثبت كنفاني أن هذه الرواية تمثل من وجهة نظر ايديولوجية فهما عميقا لحقيقة المنفى، وتشير من وجهة نظر بنيوية إلى دراية كبيرة بعالم المنفى، وبالمبادئ التي ينتظم بها هذا العالم، وبالتعبير عنها تحت شروط تاريخية معينة”.[19]
الخاتمة
تناولت هذه الدراسة موضوع ذاكرة المنفى وأزمة الهوية في رواية “رجال في الشمس” لغسان كنفاني، وبينت كيف صور الكاتب معاناة الفلسطيني بعد النكبة. فقد أوضحت الرواية أن المنفى لم يكن مجرد الابتعاد عن الوطن، بل كان تجربة صعبة أثرت في حياة الإنسان وشعوره بالانتماء والهوية.
كما أظهرت الدراسة أن الذاكرة كان لها دور مهم في الحفاظ على الهوية الفلسطينية، إذ ظلت الشخصيات متمسكة بذكريات الوطن رغم سنوات اللجوء والتشرد. وكشفت أيضاً أن الشخصيات الرئيسة جسدت صورا مختلفة لمعاناة الفلسطيني، وأن الرموز مثل الخزان والشمس والطريق حملت دلالات عميقة عن الاغتراب والضياع والأمل في حياة أفضل.
وأبرزت الدراسة أن النهاية المأساوية للرواية، وسؤال أبي الخيزران: “لماذا لم تدقوا جدران الخزان”، لم يكن مجرد سؤال عن موت الرجال الثلاثة، بل كان دعوة إلى رفض الصمت والاستسلام، والتمسك بالأمل والعمل من أجل استعادة الحقوق والكرامة.
وفي النهاية، تؤكد رواية “رجال في الشمس” أن قضية المنفى لا تتعلق بفقدان المكان فقط، بل ترتبط أيضاً بالهوية والذاكرة والانتماء. وقد نجح غسان كنفاني في تقديم عمل أدبي مؤثر عبّر بصدق عن معاناة الشعب الفلسطيني، وجعل من الرواية رسالة إنسانية ما زالت تحتفظ بقيمتها وأهميتها حتى اليوم.
الهوامش
[1]نجمة خليل حبيب: رؤى المنفى والعودة في الرواية العربية الفلسطينية، (المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، ٠١-٠١-٢٠١٤، ص،٢٣
[2] غسان كنفاني، رجال في الشمس (منشورات الرمال) ط١، ١٩٦٣، ص ٤
[3] صبحية عودة زعرب، غسان كنفاني: جماليات السرد في الخطاب الروائي (عمان: دار مجدلاوى، ط١، ١٩٩٦)، ص ١١
[4] حيدر توفيق بيضون، غسان كنفاني: الكلمة والجرح ( بيروت: دار الكتب العلمية ط١، ١٩٩٥م، ص ١٦
[5] ابن منظور، لسان العرب، باب نفي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ج١٥، ط٢، ٢٠٠٣م، ص ٣٣٧
[6] ابن منظور، لسان العرب، تحقيق: أمين محمد عبد الوهاب، ومحمد الصادق العبيدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط٢، ١٩٩٧، ج١٤٫ ص ٢٤٧-٢٤٨
[7] مجد خضر، خصائص شعر المنفى https://mawdoo3.com/، ١٠/٠٥/٢٠١٦م
[8] Leen Aghabi, Dr Neven Bondokji, Alethea Osborne, and Kim Wilkinson (2017), SOCIAL IDENTITY AND RADICALISATION, Amman, Jordan : WANA Institute., Page 4-6. Edited.
[9] غسان كنفاني، رجال في الشمس (منشورات الرمال) ط١، ١٩٦٣، ص ١٠٩
[10] نجمة خليل حبيب: رؤى المنفى والعودة في الرواية العربية الفلسطينية، (المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، ٠١-٠١-٢٠١٤، ص،٢١٠
[11] غسان كنفاني، رجال في الشمس (منشورات الرمال) ط١، ١٩٦٣، ص ١٥
[12] غسان كنفاني، رجال في الشمس (منشورات الرمال) ط١، ١٩٦٣، ص ١٥
[13] غسان كنفاني، رجال في الشمس (منشورات الرمال) ط١، ١٩٦٣، ص ٤١
[14] واصف أبو شباب، صورة الفلسطينية المعاصرة من ١٩٤٨ إلى ١٩٧٣، ص ٢٢
[15] غسان كنفاني، رجال في الشمس (منشورات الرمال) ط١، ١٩٦٣، ص ٨٤
[16] سليمان صالح، سؤال كنفاني الأخير، موقع الجزيرة
[17] قاسم أفنان، غسان كنفاني: طريق الكاتب والمناضل الثوري، ص ٤٨
[18] غسان كنفاني، رجال في الشمس، ص ٤٣
[19] قاسم أفنان، غسان كنفاني: طريق الكاتب والمناضل الثوري، ص ٥٤
المراجع المصادر
١. حبيب، نجمة خليل، النموذج الإنساني في أدب غسان كنفاني، الطبعة الأولى بيروت: بيسان للنشر والتوزيع والإعلام، ١٩٩١م
٢. دراج، د. فيصل، غسان كنفاني برقوق نيسان القميص المسروق وقصص أخرى، الناشر: وزارة الثقافة والفنون التراث – دولة قطر، الطبعة الأولى ٢٠١١م.
٣. زعيتر، أكرم، القضية الفلسطينية، دار المعارف بمصر طبعة سنة ١٩٥٥م
٤. السمان، غادة أحمد، رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان، دار الطليعة للطباعة والنشر ببيروت، الطبعة الخامسة ٢٠٠٥م
٥. عاشور، د. رضوى، الطريق إلى الخيمة الأخرى: دراسة في أعمال غسان كنفاني، ط٢ (بيروت: دار الآداب،١٩٨١م)
٦. عباس، د. إحسان، وفضل النقيب وإلياس خوري، غسان كنفاني إنسانا وأديبا ومناضل، بيروت، منشورات الاتحاد، الطبعة الأولى، ١٩٧٤م
٧. عباس، ذ. إحسان، مقدمة الآثار الكاملة لغسان كنفاني: الروايات، ج ١ الطبعة الأولى (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية ٢٠٠٥م)
٨. عبد الغني، د. مصطفى، المقاومة والمنفى في الرواية الفلسطينية، دارة الكرز القاهرة، طبعة ٢٠١٢م
٩. كنفاني، عدنان، معارج الإبداع ما لم ينشر من الكتابات الأولى للشهيد الأديب غسان كنفاني ما بين ١٩٢٠- ١٩٥١
١٠. اليوسف، يوسف سامي، غسان كنفاني: رعشة المأساة، دار الكنعان، ٢٠٠٤م.
