د. محمد مدثر
الأستاذ المساعد (المؤقت) بجامعة خواجه معين الدين الجشتي للغات
المقدمة
يُعَدُّ الدرس النظامي من أبرز المناهج التعليمية في تاريخ العلوم الإسلامية في شبه القارة الهندية، ولم تكن في شبه القارة الهندية أية مدرسة الا وراج فيها هذا الدرس النظامي بكامله أو ببعض أجزائه وقد ارتبط هذا الاسم بالعالم الكبير الملا نظام الدين السهالوي (ت 1161هـ)، الذي لعب دورا أساسيا في تنظيم التعليم الديني ووضع منهج متكامل للدراسة. ولم يكن عمله مجرد جمعٍ للكتب، بل كان مشروعًا علميًا متكاملاً يهدف إلى إعداد الطالب إعدادًا راسخًا يجمع بين العلوم النقلية والعقلية.
التعريف بالملا نظام الدين السهالوي
الملا نظام الدين السهالوي هو أحد كبار علماء الهند في القرن الثاني عشر الهجري، “ولد بسهالي وتوفي والده مقتولا وهو في الرابع عشر أو الخامس عشر من سنه فانتقل إلى لكهنو مع صنوه الكبير محمد سعيد فأعطى عالمكير بن شاهجهان سلطان الهند قصرا بذلك المقام لأبناء الشيخ الشهيد يعرف بفرنكي محل لأنه كان من أبنية تاجر أفرنكي”[1].
نشأ في بيئة علمية متميزة، واشتهر بتدريسه في مدرسة فرنكي محل بمدينة لكهنؤ. وقد كان ذا عقلية تنظيمية متميزة، مما جعله يفكر في وضع منهج دراسي منظم للمدارس الإسلامية.
وقد عُرف عنه قوة النظر ودقة الفهم، حتى قيل إن منهجه يُكسب الطالب قوة المطالعة ودقة النظر والاستعداد لتحصيل الكمالات العلمية.
كان السهالوي مع غزارة علمه، وسعة اطلاعه، وتبحّره في أقوال المتقدمين ـ عارفًا بالله، زاهدًا ورعًا، مجاهدًا لنفسه، مواظبًا على العبادة والطاعة، متحلّيًا بمكارم الأخلاق، متواضعًا حسن المعاشرة، كثيرَ المواساة للناس والإحسان إليهم ولم يكن يهتمّ بالمظاهر والهيئات، فلا يتكلّف في تعظيم العمامة، ولا في إطالة الطيلسان، بل كان يميل إلى السكينة والبساطة على طريقة السلف الصالح[2]. كان مريداً للشيخ عبد الرزاق البانسي، وتلقى الإرشاد والتلقين من مير سيد إسماعيل البلكرامي خليفة الشيخ عبد الرزاق[3].
ومِن أظهَرِ الدلائلِ على سُمُوِّ تواضُعِ المُلَّا وعُلُوِّ هِمَّتِهِ في التجرُّدِ عن حظوظِ النفسِ: أنَّهُ لم يُدخِلْ في «الدَّرسِ النِّظاميِّ» الذي وضَعَ أُسُسَهُ شيئًا مِن مُؤلَّفاتِهِ، ولا مِن تَصانيفِ والِدِهِ الكريمِ، مع أنَّ آثارَهما العلميَّةَ كانت — بشهادةِ أعلامِ مُعاصِرِيهما ومَن جاءَ بعدَهُم — في ذُروةِ الإتقانِ، بالغةً الغايةَ في الرَّصانةِ والتحقيقِ، ساميةَ القَدْرِ رفيعةَ المنزلةِ بين مُصنَّفاتِ أهلِ العِلمِ[4] فهذا العالم الرباني “توفي يوم الأربعاء لثمان خلون من جمادى الأولى سنة إحدى وستين ومائة وألف في مرض حصاة المثانة وقد جاوز سبعين سنة، فقال بعضهم مؤرخاً لوفاته: ع ملك بود بيك حركت ملك شد، كما في رسالة قطبية”[5].
نظامُ الدرسِ في الهندِ وتطوُّرُه على يدِ الشيخِ نظامِ الدين السّهالوي
شهدت بلادُ الهند عبر العصور ازدهارًا ملحوظًا في علوم المنطق والحكمة، وكان العلماءُ والباحثون يضيفون في كلِّ قرنٍ جديدًا إلى مناهج التعليم وطرائق التدريس، حتى ظهر الشيخُ نظامُ الدين السَّهالوي رحمه الله، فقام بإصلاحٍ علميٍّ واسع، ووضع نظامًا تعليميًّا جديدًا امتاز بالدقّة والإحكام، فقبله العلماء والطلبة قبولًا حسنًا، وأصبح مع مرور الزمن أساسًا للدراسة في المدارس الإسلامية بالهند، وعُرف فيما بعد بـ«الدرس النظامي.
“ظهر الدرس النظامي في الهند خلال القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي)، ولم يكن امتدادًا مباشرًا للمدارس النظامية في بغداد، بل كان منهجًا مستقلًا نشأ في بيئة علمية هندية وقد قام الملا نظام الدين بوضع هذا المنهج وترتيبه ليكون نظامًا دراسيًا متكاملًا في المدارس الدينية، فانتشر سريعًا في شبه القارة الهندية.
يقول محمد واضح رشيد الندوي في المنهج التعليمي:
تغير المنهج التعليمي في آخر العهد الإسلامي وانقسم إلى مدرستين: مدرسة تتعلق بالشيخ ولي الله الدهلوي ومدرسة تنسب الى الملا نظام الدين “وهما ترجعان إلى عهد واحد إلا أنهما تختلفان في وجهة النظر التعليمية فقد اتخذت مدرسة الملا نظام الدين في أيام تلامذته صبغة كسب العلم للعلم، وتعدى هذا الاتجاه إلى حد العلم للنفس، لتأثير العلوم العقلية ولشغف العلماء الزائد بها، أما مدرسة ولي الله الدهلوي فإنها احتفظت بالصبغة الدينية والدعوية وخدمة العلوم الإسلامية” [6] .
” كان هناك في ذلك العصر كثير من الأساتذه الأكفاء ذوي المواهب السبب الذي جعل الطلاب ينجذبون الى الملا نظام الدين؟ والجواب المختصر عن ذلك هو أن شهرة طريقه في التدريس انتشرت بسرعة كبيرة، حتى إن فوائد منهجه التعليمي ظهرت بوضوح ولذلك صار هذا المنهج يعرف فيما بعد بالدرس النظامي نسبة اليه وكان من أعظم مزايا هذا المنهج كما أشار اليه الملا محمد علي عند حديثه عن سبب شهرة قطب الدين الشهيد أن الطلاب كانوا يتخرجون في مدة قصير ة ومن الأمثلة العجيبة على سرعة تخرج الطلاب في حلقات الملا نظام الدين ما نجده في أحوال تلميذه البارز الملا كمال الدين[7]
وقد اشتمل هذا النظام على علومٍ متنوّعة تجمع بين العلوم الآلية والشرعية والعقلية، فكان الطالب ينتقل فيها من مرحلةٍ إلى أخرى بصورةٍ متدرجة ومنظمة
ففي علم الصرف كتبٌ معروفة مثل: «فقيه الميزان»، و«المنشعب»، و«پنج گنج»، و«الزبدة»، و«صرف مير»، و«الفصول الأكبريّة»، و«الشافية
أمّا في علم النحو فقد اشتمل الدرس النظامي على : «نحو مير»، و«شرح المائة»، و«هداية النحو»، و«الكافية»، مع «شرح الجامي».
وفي البلاغة كتابان اشتهرا بـ «المختصر» و«المطوّل»،.
كما عني هذا النظام عنايةً كبيرة بعلم المنطق، فاشتمل على كتبٍ مشهورة مثل: «الصغرى»، و«الكبرى»، و«الإيساغوجي»، و«التهذيب»، و«شرح التهذيب»، و«قطبي»، و«مير قطبي»، و«سُلَّم العلوم»، ورسائل «مير زاهد».
ولم يقتصر المنهج على العلوم اللغوية والعقلية، بل توسّع ليشمل الحكمة والرياضيات والفلك، فدُرِّس «شرح هداية الحكمة» للمَيبُدي مع حاشية صدر الشيرازي، كما دُرِّست «خلاصة الحساب»، و«تحرير إقليدس»، و«تشريح الأفلاك»، وغيرها من الكتب العلمية التي كانت تُنمِّي العقل وتُعوِّد الطالب على التفكير الدقيق.
وفي العلوم الشرعية كان للفقه وأصول الفقة مكانةٌ مرموقة ؛ فـ «شرح الوقاية» و«الهداية» في الفقه، و«نور الأنوار»، و«التلويح»، و«مسلم الثبوت» في أصول الفقه. كما اهتم النظام بعلم الكلام من خلال «شرح العقائد النسفية» و«شرح العقائد للدواني»، إلى جانب دراسة التفسير من «الجلالين» و«البيضاوي»، والحديث من «مشكاة المصابيح»، والمناظرة من «الرشيدية[8]».
خصائص الدرس النظامي
وقد امتاز هذا النظام التعليمي بعدة خصائص جعلته من أنجح المناهج العلمية في عصره؛ لأن “الشيخ نظام الدين السهالوي المذكور أودع في نظامه هذا إمعان النظر وقوة المطالعة، ولذلك يحصل للطلبة بعد مدارستهم لذلك قوة المطالعة ودقة النظر والاستعداد لتحصيل الكمالات العلمية وإن كانوا لايكملون بالفعل”[9]
ولهذا ظلَّ «الدرس النظامي» قرونًا طويلة محورَ التعليم الإسلامي في الهند وما حولها، وأسهم في تخريج أعدادٍ كبيرة من العلماء والأدباء والفقهاء الذين كان لهم أثرٌ بارز في خدمة العلوم الإسلامية ونشرها ومن أبرز مزايا هذا النظام أنّه يقوم على التدرّج في تعليم العلوم من السهل إلى الصعب، مع العناية بالجمع بين المتون والشروح والحواشي؛ إذ يبدأ الطالب بدراسة المتن، ثم ينتقل إلى الشرح، ثم إلى الحاشية، حتى تترسّخ لديه المسائل العلمية على وجهٍ متين. كما امتاز هذا المنهج بالاهتمام بالعلوم العقلية، كعلم المنطق وعلم الكلام، الأمر الذي جعله مختلفًا عن كثير من المناهج التعليمية الأخرى
وقد حظي الدرس النظامي بنفوذ واسع وتأثير كبير، فانتشر في بلاد الهند وباكستان وأفغانستان، وأصبح المنهج الأساسي في معظم المدارس الدينية في تلك البلاد. ومع ما له من أهمية ومكانة، فقد وُجّهت إليه بعض الانتقادات، من أبرزها: الإفراط في الاعتماد على الحواشي، وضعف العناية بعلم الحديث في بعض المراحل الدراسية، إضافةً إلى غلبة جانب الحفظ على جانب التطبيق والممارسة العلمية. وقد دفعت هذه الانتقادات عددًا من المدارس إلى إدخال بعض الإصلاحات والتطويرات على هذا المنهج ومع تطوّر العصر، أُدخلت تعديلات متعدّدة على الدرس النظامي، فتمّت إضافة بعض المواد الحديثة، وزاد الاهتمام بالحديث النبوي والسنة المطهّرة، كما خُفّف الاعتماد على بعض كتب المنطق. غير أنّ الأصل الذي وضعه الملا نظام الدين ظلّ الأساس المتين الذي يقوم عليه هذا النظام التعليمي إلى يومنا هذا.
الخاتمة
يُعَدُّ الملا نظام الدين السهالوي من أبرز علماء الهند في القرن الثاني عشر الهجري، وقد اشتهر بوضع «الدرس النظامي» الذي أصبح من أهم المناهج التعليمية في المدارس الإسلامية. امتاز هذا المنهج بحسن الترتيب والتدرّج في تعليم العلوم من السهل إلى الصعب. كما جمع بين العلوم النقلية كالتفسير والحديث والفقه، والعلوم العقلية كالمنطق والحكمة. واعتمد النظام على دراسة المتون ثم الشروح والحواشي، مما ساعد الطلاب على تنمية قوة الفهم ودقة النظر.
وقد انتشر الدرس النظامي في الهند وباكستان وأفغانستان، وأصبح أساسًا للتعليم الديني في تلك البلاد. ورغم ما وُجِّه إليه من بعض الانتقادات، فقد حافظ على مكانته العلمية عبر القرون. ومع تطوّر العصر أُدخلت عليه بعض الإصلاحات، مثل زيادة الاهتمام بالحديث وتقليل بعض كتب المنطق. وبذلك ظلّ الدرس النظامي شاهدًا على الجهود العلمية الكبيرة للملا نظام الدين السهالوي في خدمة التعليم الإسلامي.
الهوامش
[1] . عبدالحي بن فخر الدين، نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر، ج6، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، 1999م، ص851
[2] . ينظر: الحسني، عبدالحي: الثفاقة الإسلامية في الهند، ط2، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق،1983م. ص852
[3] . بلكرامي، غلام علي آزاد، مآثرالكرام تاريخ بلكرام، (مترجم: المفتي يونس رضا) مركز الدراسات الإسلامية جامعة الرضا، رضا نكر، متهرا بور ، سي، بي، غنج بريلي شريف، الهند ص330
[4] .نظام الدين محمد، خالد رشيد، مشاهير علماء فرنكي محل، ط1، اسلامك سنتر أف انديا، لكناو، الهند، ص 35
[5] . عبدالحي بن فخر الدين، نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر، ج6، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، 1999م، ص852
[6] الندوي، واضح رشيد، حركة التعليم الإسلامي في الهنج وتطور المنهج، ط1، المجمع الإسلامي العلمي، لكناو، الهند،2006م، ص79
[7] . انصاري، محمد رضا، بانى درس نظامي، اكاديمية اترابراديش ، لكناو، 1973م ص77
[8] . ينظر: الحسني، عبدالحي: الثفاقة الإسلامية في الهند، ط2، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق،1983م. ص16-17س
[9] . الحسني، عبدالحي: الثفاقة الإسلامية في الهند، ط2، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق،1983م. ص17
المصادر والمراجع:
1.الندوي، واضح رشيد، حركة التعليم الإسلامي في الهنج وتطور المنهج، ط1، المجمع الإسلامي العلمي، لكناو، الهند،2006م.
2.الحسني، عبدالحي: الثفاقة الإسلامية في الهند، ط2، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق،1983م.
- انصاري، محمد رضا، بانى درس نظامي، اكاديمية اترابراديش ، لكناو، 1973م.
- بلكرامي، غلام علي آزاد، مآثرالكرام تاريخ بلكرام، (مترجم: المفتي يونس رضا) مركز الدراسات الإسلامية جامعة الرضا، رضا نكر، متهرا بور ، سي، بي، غنج بريلي شريف، الهند.
5.عبدالحي بن فخر الدين، نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر، ج6، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، 1999م.
- عبدالحي بن فخر الدين، نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر، ج6، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، 1999م.
- الحسني، عبدالحي: الثفاقة الإسلامية في الهند، ط2، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق،1983م.
- الحسني، عبدالحي: الثفاقة الإسلامية في الهند، ط2، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق،1983م.
9.نظام الدين محمد، خالد رشيد، مشاهير علماء فرنكي محل، ط1، اسلامك سنتر أف انديا، لكناو، الهند.
35