د. عبد المتين
الأستاذ المحاضر، بقسم اللغة العربية وآدابها
جامعة بردوان، الهند
الملخص: تناولت هذه الدراسة تمطهرات الطبيعة في شعر جماعة الديوان، ووصف الطبيعة فن أصيل ارتبط بالشعر العربي منذ نشأته، وجماعة الديوان هي حركة أدبية نشأت في أوائل القرن العشرين، والطبيعة في جماعة الديوان لم تكن مجرد عنصر جمالي أو خلفية للأحداث، بل كانت تعبيراً عن المشاكل الداخلية للشاعر، وتعكس فلسفته ورؤيته للحياة والحقيقة، وشعراء الديوان قد روا في الطبيعة ملاذاً للهروب من الواقع، حيث تعكس هدوء النفس أو اضطرابها، وكانت مصدر إلهام وتأملٍ. وهم استخدموا عناصر الطبيعة كالرياح، والأمطار والجبال والبحار للتعبير عن الأحاسيس الداخلية مثل الحزن والوحدة أو الأمل، ويهدف هذه الدراسة إلى بيان المظاهر الطبيعة عند شعراء الديوان.
الكلمات الدالة: الطبيعة، جماعة الديوان، تمظهرات، الشعر العربي.
Abstract: This study explores the manifestations of nature in the poetry of the Diwan group. The depiction of nature is an authentic artistic tradition that has been associated with Arabic poetry since its inception. The Diwan group was a literary movement that emerged in the early twentieth century. In the poetry of this group, nature was not merely an aesthetic element or a backdrop to events; rather, it served as an expression of the poet’s inner struggles and reflected his philosophy and vision of life and truth. The poets of the Diwan group saw in nature a refuge from reality, where it mirrored the tranquility or turmoil of the soul and served as a source of inspiration and contemplation. They employed elements of nature—such as wind, rain, mountains, and seas—to convey inner emotions like sorrow, loneliness, or hope. The aim of this study is to highlight the various manifestations of nature in the poetry of the Diwan group.
التمهيد: الشعر فن لغوي يعمد فيه الشاعر إلى مخاطبة العاطفة والخيال والفكر في المتلقي؛ بما يستعمل من ألفاظ موحية مشعة بالمعاني والظلال، وبما يوظف من صور أخاذة؛ وذلك من خلال “نمط خاص من العلاقات التي يقيمها بين الدال والمدلول من جهة وبين المدلولات من جهة أخرى”([1]).
وتعبير الشعر عن الوجدان، وعملية خلق يعمل الخيال فيها عمل القوة الفاعلة التي تحول موادَّ كثيرة في قلب الشاعر، والعالمَ الخارجي إلى فن يعبر تعبيراً عميقاً عما يختلج في أعماق الشاعر من مشاعر وأحاسيس([2]).
والشعر عالم شعوري موازٍ للعالم الواقعي أو متقاطعٌ معه، تشكل القصيدة فيه محاورة للوجود؛ بإعادة تشكيل القوى ضمن رؤيا تتجاوز الواقع وترسباته الاعتيادية، على وفق إنتاجية إبداعية ؛ وهي بذلك تقويم للوجود([3]).
أما الطبيعة؛ فهي العالم المحسوس الذي يحيط بالإنسان، ويشمل كل ما هو خارج ذات الإنسان، ويقع تحت مدركاته الحسية([4]). والطبيعة أيضاً “قسم من العالم قادر على أن يحرك في الإنسان إحساسه الفني”([5]). وهي؛ أدبياً “موضوع أثير ومتجدد مع الأزمنة، رائج في المذاهب النثرية والشعرية، كما هو شائع في الرسم. تناوله الأدب واستفاض فيه، وعبَّرَ عنه تعبيراً صُنعيّاً بارداً، أو استغرق فيه، وحوّله إلى كائن حي يتفاعل مع صاحب الأثر، ويندمج في مشاعره”([6]).
أقسام الطبيعة:
تنقسم الطبيعة بشكل عام على عناصر وظواهر، فالعناصر تشمل الكون المحسوس من شمس وقمر وجبال وأنهار ونحوها، والظواهر تتناول ما يرتبط بتلك العناصر ارتباطاً سببياً: كالليل والنهار، فهما متسببان عن حركة الشمس ودوران الأرض حولها، وكالرعد والبرق الناتجين عن اصطكاك السحب وحركتها في الجو([7]).
وهناك تقسيم آخر للطبيعة بعناصرها وظواهرها، يجعلها قسمين رئيسين هما: الطبيعة الحية، والطبيعة الصامتة.
والطبيعة الحية: هي ما اشتملت عليه من مختلف الحيوان والطير والحشرات، ولا يدخل في ذلك الإنسان.
والطبيعة الصامتة: هي عناصرها وظواهرها المتعددة، من أرض وسماء وبحار وأنهار وينابيع وجنات ورعد وبرق ونحوها([8]).
ومنهم من يقسم الطبيعة الصامتة على: طبيعة حقيقية؛ كالبحار والأنهار والجبال ونحوها، وطبيعة صناعية؛ وهي ما كان من صنع الإنسان، كالقرى والقصور والآبار والديار والرسوم والأطلال([9]).
علاقة الشعر بالطبيعة:
ومعرفة علاقة الشعر بالطبيعة تستدعي العودة إلى علاقة الإنسان منذ نشأته بالطبيعة، وعلاقة الفنون بالطبيعة؛ وكيف نشأت. وعلاقة الإنسان الأول بالطبيعة؛ كانت علاقة نفعية من جانب، وعلاقة روحية من جانب آخر؛ فضلاً عن كونها علاقة تعلم من جانب ثالث.
أما العلاقة النفعية فقوامها حاجة الإنسان للغذاء، وكون الطبيعة هي معينه الأول للحصول عليه؛ فقد كان يعتمد على جمع الثمار وصيد الحيوان البري، والمائي، والطير، ليكفي مؤونته ويسد جوعه، ثم انتقل في مرحلة متقدمة إلى الاعتماد على الزراعة وما تجود به عليه، وهي التي علمته الاستقرار.
أما العلاقة الروحية فمنشؤها خوفُ الإنسان الأول مما حوله من ظواهر الطبيعة؛ من عواصف، ورعد، وبرق، ومطر، وما ينشأ إثرها من فيضانٍ، أو هلاك للزروع، أو الدواجن، أو ما يصيبه من أذى منها بشكل مباشر؛ وشعورُهُ بالحيرة تجاه الأجرام السماوية، وما ينجم منها من ظواهر كونية، من ليل ونهار، وتقلب في الفصول، وما ينتج عنه من أثر في الحيوان والزرع. ولقصور عقليته البدائية عن تفسير كل ذلك، وفهم أسباب تلك الظواهر، فقد توجه بالعبادة إلى قوى الطبيعة، فعبد الماء والطعام والأشجار والكهوف والنار، ثم عبد الأجرام السماوية، كالشمس والقمر والنجوم، ثم اضطرته الحياة إلى الطوطمية([10])، فعبد الإنسان والحيوان والنبات والموتى، وتلا ذلك عبادته للأرواح الخيِّرة والشريرة والجن، كما عبد خوارق الطبيعة تجنباً لمصائبها ومآسيها التي كانت تفتك به([11]). فالدين عنده؛ استرضاء وتهدئة للقوى التي هي أعلى من الإنسان، والتي يعتقد أنها تدير مجرى الطبيعة والحياة البشرية وتقودها([12]).
أما علاقة التعلُّم؛ فيشير الباحثون إلى أن الإنسان الأول تعلم الفنون المختلفة، واللغة من محاكاة الطبيعة، بأشكالها، وأصواتها، وحركاتها. وليس لديهم ما يثبت تقدم فن من الفنون على الآخر؛ فقد يكون الرقص الذي كان يؤديه الإنسان البدائي عند صيده، أو تحضيره لما صاده على النار، وما يصاحب ذلك من إيقاعات موسيقية بسيطة، هو البادرة الأولى لهذه الفنون، أو قد تكون استعانته بأقنعة رؤوس الحيوانات التي صادها للاختفاء عند الصيد هي أولى بوادره الفنية، وربما تكون أعمال الفخار والطين والآنية الحجرية التي يستعملها في الشرب والأكل والخزن والنقل، هي التي بدأ بها حياته الفنية، وربما كانت الأعمال الزخرفية البسيطة ذات الطابع الهندسي المعتمدة على تقاطع الخطوط هي التي بدأ بها أعماله الفنية([13]). غير أن الزخرفة وهي الأساس الأول لظهور فن الرسم، قد كانت سابقة للكتابة التي عرفها الإنسان في منتصف الألف الرابع قبل الميلاد([14]).
الطبيعة وخصائص الخطاب الشعري:
تمثِّل القصيدةُ من الشعر رسالةً بين الذات الشاعرة وبين المتلقي، وتحمل في ثناياها خصائص تكشف الرؤية التي ينطلق منها الشاعر، ويحكم بها على الموضوع، وهذه الخصائص جسرٌ ينقل المفاهيم إلى الآخر، ويحرك فيه دواعي المشاركة. ويشكِّل حضور الطبيعة في النص الشعري خصيصة أو مجموعة خصائص تشارك في الكشف عن الرؤية بما تقدمه للمتلقي من مفاهيم، سواء بمقاصدها الوضعية أو بما توحي به من أبعاد ومعانٍ.
والطبيعة حين تَمثُل في الخطاب الشعري، فإنها لا تبلغ دوماً المستوى المتقدم الذي يشهد لمنشئ النص بالتفوق، وشمول التجربة، وإنما تجيء بمستويات مختلفة، ومتدرجة في عَرض المفاهيم، ويعتمد مدى نجاح المنشئ وتفوقه في أصالة التعامل معها، على عمق الرؤية التي تتناول الموضوع، وعلى الأبعاد التي تصل إليها عند نفاذها. ونعرض في النقاط التالية تلك المستويات التي تتشكل الطبيعة فيها داخل الخطاب، غير مدَّعين أننا حصرنا مستوياتها جميعاً، لكنَّ ما نعرضه يوضح ملامح حضور الطبيعة وأثرها في الخطاب الشعري:
- تحضر الطبيعة في الخطاب الشعري على هيئة رصف، لا يهب النص أيَّ قيمة جمالية، ولا ينم على رؤية خاصة يبغي الشاعر إيصالها؛ وإنما هو مجرد حشد لألفاظ الطبيعة، وتكديس غايته الأساس نقلُ ما تقع عليه مدركات الشاعر الحسية من الطبيعة، كما هو الحال عند الشاعر الكلاسيكي، أو قد ينم على هيام بها، كما هو عند شاعر رومانسي مثل الشابي في بعض قصائده.
- وبمثل هذا المستوى، تحضر الطبيعة صوراً مترابطة وقد تشتمل على عنصر التشخيص أيضاً، لكنها بعيدة كلَّ البعد عن تفاعل الذات معها تفاعلاً عميقاً، فهي لا بريق لها، ولا تثير المتلقي، وهذا يصدق على بعض أوصاف شعراء الطبيعة، مثل الصنوبري، وابن خفاجة الأندلسي، ويصدق على الشعراء الكلاسيكيين.
- وتحضر الطبيعة في الخطاب الشعري، شواخصَ ومشاهدَ تتشكل منها صورٌ هي المعادل الفني للإحساس الجمالي الذي يستولي على ذات الشاعر، وهو يواجه الطبيعة، وهذه التشكلات بالضرورة تكون مغايرةً للطبيعة الحقيقة، فقد تَفَاعَلَ الخيالُ معها، وقدَّمها على الهيئة التي يراها منشئ النص، وهي توصل للمتلقي حالة الانفعال التي تملكت الشاعر لحظة وقوفه عند الطبيعة، وهزة النشوة العارمة.
- وتحضر الطبيعة حضور العاقل الذي يملك الإرادة، فهي تشعر، وتفكر، وتفعل، ويأخذ حضورها هذا جزءاً من القصيدة، أو يمتد على طول مساحتها، وتمثِّل آنذاك المعادلَ الموضوعيَّ لذَات الشاعر، وهذه الصيغة تسمى الأنسنة، ومثلها عنصر التشخيص إذ يُقرن عنصر الطبيعة بآخر من جنس مختلف، كتصوير الليل بحيوان مثلاً، وفي الحالتين تحمل الطبيعة ملامح الإسقاط، سواء خاطبها الشاعر، أو خاطبته، أو تركها تتحرك في النص دون تجاذب معها، كما في الشعر الصُّوري.
- وتحضر الطبيعة في الخطاب الشعري مظاهرَ تُخفي وراءها أبعاداً ومعاني تكون هي المقصودة في ذلك الخطاب ، وهذا المستوى هو مستوى رمزي، والرمز قد يكون ذاتياً، وقد يكون موضوعياً، كما في القصص الشعري الرومانسي، والأبعاد التي تختفي وراء ظاهر الطبيعة لا تكون أبعاداً واقعية، أو أبعاداً رومانسية فحسب؛ وإنما قد تكون خفايا اللاشعور في العالم الباطني للشاعر، كما هو الحال في الوقفات الطللية، ولوحة الناقة.
- وأخيراً، قد تتشكل الطبيعة داخل الخطاب الشعري تشكلاً حلمياً، حيث ترتسم من مواد مختلفة وقد تكون متنافرة، فتحتاج إذ ذاك إلى تتبع أو تفكيك كي نصل إلى دقائق ما تحمل من معانٍ، ومثالها، ما نجده في قصيدة (صياح البط البري)، للشاعر بدر شاكر السياب، إذ تتجمع رَسمة الطبيعة من أطراف متنافرة، لتشكِّل مظهراً جديداً ومغايراً لأصول الأطراف، فصياح البط المبشِّر بالمطر، يوحي:
بأنَّ المطر على مهمه الريح مدَّ القلوعْ([15])
فما الذي جعل الريح مَهْمَهَاً، والغمامَ قلوعاً تسير عليها، والقلوعُ تعود إلى البحر، والغمامُ تحمله الريح على البحر، وعلى البرّ، والمهمهُ هي المفازة البعيدة؟ وهذا ينم على تعاملٍ حلمي للشاعر مع الطبيعة أوصلها إلى حالة باهرة جديدة وبديعة، ولم تُوظف هنا لغرض آخر؛ وإنما صُوِّرت بها الطبيعة نفسها.
الطبيعة في شعر جماعة الديوان:
يلخص الشاعر عبد الرحمن شكري موقف الشاعر الحديث الذي ينبغي أن يتبناه من الطبيعة، وهو ذاتهُ الذي تعتنقه جماعته، في قوله: إن الشاعر “اليوم رسول الطبيعة ترسله مُزَوَّداً بالنغمات العذاب كي يصقل بها النفوس ويحركها ويزيدها نوراً وناراً ؛ فعِظَمُ الشاعر في عِظَمِ إحساسه بالحياة ، وفي صدق السريرة الذي هو سبب إحساسه بالحياة”([16])، الشعر إذن لا ينفصل عن الطبيعة، فهو رسالة منها تُنَقِّي الأرواح من عتمة المادية لتجذبها إليها، وإلى صفائها الروحي، ويُتم شكري كلامه عن الموقف من الطبيعة: “فإذا أردت أن تميز بين جلالة الشعر وحقارته فخذ ديواناً واقرأه، فإذا رأيت أن شعره جزء من الطبيعة، مثل النجم
أو السماء أو البحر، فاعلم أنَّه خير الشعر، وأما إذا رأيته وأكثره صنعة كاذبة، فاعلم أنه شرُّ الشعر. فالشعر هو ما اتفق على نسجه الخيال والفكر إيضاحاً لكلمات النفس وتفسيراً لها”([17]). فتناولُ الطبيعة في الشعر ودرجةُ النجاح في تناولها مقياسٌ للشاعر المتقدِّم الناضج ولروح العصر التي تنبض في شعره.
وفي تتبع أشعار جماعة الديوان التي تناولوا فيها الطبيعة، لا نجد صدى يطابق دعوتهم إلى الموقف منها، فثمة لجوء إلى الطبيعة، وخطاب يوجه إليها، ومحاولة لبلوغ الوحدة بين الذات والموضوع، لكنها لا تخرج بتجربة رومانسية مع الطبيعة، أو لا تنم عن رؤيا رومانسية ناضجة، يتعامل الشاعر في إطارها مع الطبيعة، ولعل هذا يعود إلى طابع المرحلة التي يمثلونها، فَهُمْ بين ضاغطين:
الأول: التراثُ الذي يستقون منه وهم لم يُسبقوا بتجربة ناضجة تتكئ على التراث الاتكاء الصحي، فتأخذُ منه ما يناسب التجربة الخاصة الجديدة دون أن يستعبدها، فيطويها تحت ثقله، فظلوا لذلك خاضعين له، من جانب.
الثاني: ضرورةُ التجديد التي كانوا يَعُون الحاجة إليها تمام الوعي، والتي تقتضي منهم ترسم الأنموذج الغربي، من أجل نقل الشعر العربي إلى مرحلة يتفاعل فيها مع روح العصر، مِن جانب آخر.
وفي النظر إلى النصوص الشعرية التي تناول فيها جماعةُ الديوان الطبيعة، يتضح لنا أسلوب تعاملهم معها، وحقيقة موقفهم منها، ومن تلك النصوص، قصيدة لعبد الرحمن شكري يتناول فيها البحر، يقول :
وأنت شبيه الدهرِ، لا الدهرُ هـارمٌ
ولا أنت منقوصٌ ولا أنت خاسِرُ
ويصطخب الآذيُّ فيك كأنمـــــا
اصطخابُك من حُكم المنيَّة ساخِرُ
أخفقٌ وإعصارٌ ودفعٌ وهبَّـــــةٌ
كأنَّك حيٌّ نابض القلب شاعِــرُ
فريحُكُ أنفاسٌ وموجُك نابــــضٌ
كنبض قلوبٍ أعجلتها البـوادرُ
خلوتَ من السُمَّار، كالبيد، وامَّحتْ
معالمُ لا تُبقي عليها الأعاصِـرُ([18])
إن هذا الأسلوب في تناول الطبيعة لا يفرقُ في شيء عن أسلوب الشاعر أحمد شوقي في تناولها، وجماعة الديوان عابوا أسلوبه وثاروا عليه، وفي النص الشعري المذكور أعلاه، يحاول شكري تشخيص البحر، لكنه ينقض المحاولة في قوله: “كأنَّك حيٌّ”، فيضيِّعُ ما كان يصبُّ فيه خطابُه الموجَّهُ إليه، وطبيعةُ التجربة الرومانسية التي تشخص عنصر الطبيعة، تقتضي أنه كائنٌ حيٌّ، يمتلك الإرادة، ويقصِدُ ما يفعل، فالحدود بين الذات الرومانسية وشواخص الطبيعة متلاشية ، أذابَها الشعور، وعمل الخيال على إعادة تشكيل حقيقة تلك الشواخص، حتى صارت تظهر في التجربة الشعرية معادلاً للذات، أو أنيساً لها من الوحشة، أو عدوَّاً لها، أو غير ذلك من التشكيلات، ونصُّ الشاعر عبد الرحمن شكري سلَب من البحر سمة أساسية في الرؤيا الرومانسية، وهي كونه كائناً حياً، حيث لم يبلغها البحر فيه. وهناك نص شعري عنوانه “مرأى الجمال والجلال” يحاول شكري فيه المزج بين الطبيعة ومشاعره تجاه الحبيبة، فيجيء نظمه ركيكاً، لا يدنو من مستوى القصيدة التي ذكرناها، ولا يحمل من نَفَس الشعر شيئاً، ويلتفت إليها الدكتور علي عباس علوان، مفصلاً فيها([19]).
وفي تناول عباس محمود العقاد للطبيعة، يُطالعنا الموقف ذاته، ولربما تراجع العقاد عن مستوى الكلاسيكية الجديدة أيضاً، فهو يصور النجوم في قصيدة من قصائده، قائلاً:
أرى أَعْيُناً قد وَصْوَصتْ في سمائها
أتلك النجومٌ الناظراتُ سواغِبُ
موائد حبٍّ تشتهيها، ودونهـــا
مصاعِبُ لا تجتازها وغياهِـبُ
نعمتُ بها في ليلتي، وهي فوقنـا
تمدُّ بها ألحاظَها وتراقــــبُ
ومسكينةٌ هذي الكواكبُ في الدجى
ومسكينةٌ تلك الورودُ الشواحِبُ
وخُذ يا نسيمَ الليلِ عشرين قبلــةً
وخذ مثلَها يا روضُ إنك غاضبُ
غنيٌّ أنا بالحبِّ عاش الذي بــه
غنيتُ، وإني إن غنيتُ لواهِبُ([20])
لقد صور العقادُ النجومَ بأسلوب لا يمت إلى الرومانسية بأية صلة، فالنجوم جائعة وهي توصوص، وتشتهي مفاتن الحبيبة، “موائد الحب”، لكنها لا تستطيع الوصول إليها، والكواكبُ، والورودُ، ونسيمُ الليل، تثير الشفقة، وهذه الصور تحمل طرافة شعر العصر الوسيط، وتُبَايِنُ دعوات جماعة الديوان تمام المباينة، والغريب أن الدكتور محمد علي هدية في كلامه عن الطبيعة في شعر العقاد، يُعلي من طريقة تناوله لها، فيقول: “وللعقاد رؤية شعرية كاشفة تجعل الصور تتعدد عنده لإشباع معنى واحدٍ، فهو يستدعي صوراً بعينها ولكن في أطرٍ مختلفة مستمدة من طاقته الشعرية العجيبة”([21])، إنَّ طرافة الصور وتعددها ليست دليلاً على نضج الشاعرية، إنْ لم تكن تمتلك حرارة المشاعر، ولم تمثل روح العصر الذي يعيش فيه الشاعر، ونص العقاد الذي أوردناه، ذكره الدكتور محمد علي هدية في مقدمة النصوص التي اختارها.
وللعقاد نص شعري يتنكر فيه لضحك الربيع، لكونه قد فارق حبيبته، ولا أمل له في استعادتها، ولعله حاول إسقاط مشاعر الحزن على الطبيعة، غير أن أسلوبه جاء تقليدياً وعكسه صورة النفس على الطبيعة جاء بها باهتة، يقول:
أقبلتَ تضحكُ يا ربيعُ خديعةً
ما أنت يا هذا الربيعُ ربيعــا
أذكرتنا بأخيك يوم جلالنــا
وجه الحبيب فما كرمتَ صنيعا
وكأنَّ وردَكَ في افترارِ ثُغُورِهِ
جذلانُ يهزأ بالمشوق خليعــا
من أين للأزهار هاتيكِ المُدى
قطعتْ بهنَّ قلوبنا تقطيعـــا([22])
وصور العقاد في النص جاءت طريفة أيضاً، فالربيع الذي فارق فيه الحبيب، أخ الربيع الذي جاء فَذَكَّره بالفقدِ، والزهرُ يحمل مُدى يقطع بهن القلوب تقطيعاً، ولربما حاول العقاد تقليد شعراء الأندلس في ربطهم بين مشاعر الفقد والطبيعة، لكنه لم ينجح في ذلك.
ولا يختلف الشاعر إبراهيم عبد القادر المازني عن زميليه في تناوله للطبيعة وموقفه منها، وتكشف نصوصُه الشعرية عن مدى تفاعل مشاعره معها، وهو لا يتجاوز المحاولات لخلق المشاركة الوجدانية، وإسقاط الأحاسيس على مشاهدها، ولا تبلغ المحاولات عنده مستوى النفاذ الرُّؤيويّ الرومانسي، حيث يحل الشاعر في الطبيعة، ويصبح جزءاً منها، وله نص يشبِّهُ فيه نفسَه بالبحر، باضطراباته وفقدانه القرار، يقول فيه:
وصرتُ أُنكرُ أيامي ويُنْكرنـــــي
صَفْوُ اللَّذاذاتِ من قَصْفٍ وإصباءِ
إذا سمعتُ لريحِ الليلِ زمزمـــــةً
حسبتُها نادباً ألحانَ سرائـــي
كالبحرِ نفسيَ، لا مأوى، ولا سكـنٌ
ولا قرارَ لها، من فَرْطِ ضَوْضَائي
أقول في الصيف: ويلي من سمائِمِهِ
وفي الشتاءِ: ألا بُعداً لمشتائـي([23])
غير أن المازني لا يُعدم من تجربة شعرية تشكل الطبيعة فيها معادلاً للوجدان الرومانسي، وتنم عن طبع رقيق، وروح شفاف، يلين معها الأسلوب، وتخف الجهارة، ويَمْثُلُ ذلك لنا في قصيدة يلجأ فيها إلى الطبيعة متمنياً العيش في غارٍ يبعده عن حياة المدينة المثقلة بالمادية، فيأنس للبحر، ويصادقه، وينصت للرياح ، ويسامرها، وفيها يقول:
يا ليتَ لي والأماني إنْ تكُنْ خدعـاً
لكنَّهُنَّ على الأشجانِ أعــوانُ
غاراً على جبلٍ تجري الرياحُ بــه
حيرى يُزافرُها حَيْرانُ لهفـــانُ
والبحرُ مصطفقُ المواجِ تحسبُــهُ
يُهيجُهُ طربٌ مثلي وأشجـــانُ
إذا تَلَفَّتُّ في خضرائه اعتَلَجَـــتْ
آذيُّهُ فلسرِّي منه إعـــــلانُ
خلِّ القُصُورَ لخالي الذَّرْعِ يسكُنُهـا
وخيرُ ما سكنَ المعمودَ غِيـرانُ
حسبي إذا استوحَشَتْ نفسي لبُعْدكم
بالبحرِ أنسٌ وبالأرواحِ جيـرانُ
لا كالرياحِ سميرٌ حين ثورتِهَـــا
إذ ما لأسرارِها في الصدرِ إجنانُ
تُفْضي إليك بنجواها زمازِمُهَـــا
نَمَّ الصباحِ بما يطويه إدجـــانُ
إذا الفتى كان ذا شجوٍ يميدُ بــه
معذباً بالمُنى من معشرٍ خانــوا
فنِعْمَ مسكنه غارٌ له أبـــــداً
من السَّحابِ قلاداتٌ وتيجـــانُ
ونِعْمَ أقرانه بحرٌ له زجـــــلٌ
وسافياتٌ لها سجعٌ وإرنــانُ([24])
إن قصيدة المازني تنطوي على الروح الرومانسي الصادق في رغبة الانسجام مع الطبيعة، ويتحقق ذلك في التشخيص الذي لم يعتمد فيه الشاعر على التشبيه، وإنما تعامل مع البحر ومع الرياح، على أنها ذوات، فالبحر قريب له زجلٌ، والرياح سمير لا يخفي أسراره عند ثَورَانِه، ويتحقق النزوع الرومانسي أيضاً في الجو الغامض الذي يرسمه للغار الذي يتمنى أن يقيم فيه، فالغار له قلادات وتيجانٌ من السحاب، قائمة عليه لا تتحول.
وبقي أن نذكر أنَّ جماعة الديوان كانوا على وعي بحالة التناقض بين ما يدعون إليه، وما يطبِّقونه في أشعارهم، ويفصح عن ذلك العقاد، في إشارته إلى أن شعراء جيله واقعون في شرك الانفصام الحاد بين الإحساس، والتعبير عنه بالقالب المناسب([25])، وذلك في قوله: “… ونحن اليوم غيرنا قبل عشرين سنة، لقد تبوَّأ منابرَ الأدب فتيةٌ لا عهد لهم بالجيل الماضي، ونقلتهم التربية والمطالعة أجيالاً بعد جيل، فهم يشعرون شعور الشرقي ويتمثلون العالم كما يتمثله الغربي”([26]). فالمشكلة الأساس التي عانى منها شعراء جماعة الديوان، هي أنهم تلقفوا الرؤيا الرومانسية لكنهم لم يتفاعلوا معها ويحولوها إلى نطاق تجاربهم الخاصة، وهذا التفاعل هو الذي تحقق لدى شعراء المهجر، ونما واكتمل لدى شعراء أبولو، ومدرسة الشعر الحر في العراق.
استنتاج البحث: وفي الختام يمكننا أن نقول، قد يتضح من خلال هذه الدراسة أن الطبيعة لم تكن مجرد عنصر زخرفي عند شعراء جماعة الديوان فقط، بل كانت انعكاساً لمشاعرهم وأفكارهم العميقة. فقد تعاملوا معها كوسيلة للتأمل الفلسفي والتعبير عن الهموم الذاتية مما جعلها تأخذ بُعداً نفسياً وروحياً في قصائدهم، وقد ساعد تأثرهم بالمدرسة الرومانسية الغربية على تقديم رؤية جديدة للطبيعة التي تختلف عن الوصف التقليدي السائد في الشعر العربي القديم.
وهكذا كانت الطبيعة عند شعراء الديوان جزءاً أساسياً من تجربتهم الإبداعية، استخدموها للتعبير عن الحزن والأمل والحنين والتساؤلات الوجودية مما أعطى شعرهم طابعاً وجدانيّاً عميقاً الذي يميزهم عن غيرهم من التيارات الأدبية في عصرهم.
الهوامش
([1]) بنية اللغة الشعرية، جان كوهين: 191، تج: محمد الوليد، ومحمد العمري، دار توبقال، المغرب، ط1، 1986م.
([2]) الأصول التراثية في نقد الشعر العربي المعاصر، عدنان قاسم: 39-40، المنشأة الشعبية، ط1، 1980م.
([3]) ينظر: الشعر والتأويل؛ قراءة في شعر أدونيس، عبد العزيز بومسهولي: 29، افريقيا الشرق، 1998م.
([4]) ينظر: الطبيعة والشاعر العربي، د. حسين نصَّار: 5، دار مصر للطباعة، 1972م.
([5]) المعجم الأدبي، د. جبُّور عبد النور: 163، دار العلم للملايين، بيروت، ط1، 1979م.
([7]) أنظر: الطبيعة في القرآن الكريم، كَاصد ياسر الزيدي: 8 ، دار الرشيد للنشر، 1980م.
([10]) الطوطمية: هي لفظة مشتقة من (طَوْطَم)؛ وهو حيوان يرتبط باسم العشيرة عند الشعوب البدائية وبخاصة أهالي استراليا الأصليين، ولربما حُرِّم لحمه على أفراد القبيلة الذين يعتقدون أنهم انحدروا منه؛ ويحرَّم التناسل فيما بينهم لأنهم إخوة وأخوات؛ وطوطم القبيلة هو حاميها ومُمِدُّها بالرزق لذا فهو معبود لديها. أنظر: الموسوعة العربية الميسرة، تقديم نخبة من الأساتذة، منهم: محمد شفيق غربال، ود. سهير القلماوي، ود. إبراهيم مدكور: 2/1166، دار نهضة لبنان للطبع والنشر، بيروت – لبنان، 1987م، وسنجعل (م.ع.م) رمزاً للموسوعة لكثرة رجوعنا إليها. وأنظر: الموسوعة الفلسفية، وضع لجنة من العلماء والأكاديميين السوفيتيين، بإشراف: م. روزنتال، وي. يودين، تج: سمير كرم، مراجعة: د. صادق جلال العظم وجورج طرابيشي: 287، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط3، 1981م.
([11]) الكتابات والخطوط القديمة، تركي عطية الجبوري: 11-12، مطبعة بغداد، 1984م.
([12]) تاريخ التطور الديني، أحمد زكي بدوي: 7، مطبعة المجلة الجديدة، د.ت.
([13]) ينظر: الكتابات والخطوط القديمة: 22 .
([16]) ديوان عبد الرحمن شكري: 287-288، الإسكندرية، 1960م.
([18]) ديوان عبد الرحمن شكري: 73.
([19]) ينظر: تطور الشعر العربي الحديث في العراق: 381-382.
([20]) وحي الأربعين، قصائد ومقطوعات، عباس محمود العقاد: 193، مطبعة مصر، القاهرة، 1933م.
([21]) الصورة في شعر الديوانيين، بين النظرية والتطبيق، د. محمد علي هدية: 236، ط1، 1984م.
([22]) وحي الأربعين، قصائد ومقطوعات: 110.
([25]) ينظر: تطور الشعر العربي الحديث في العراق: 37.
المصادر والمراجع:
- ديوان عبد الرحمن شكري، الإسكندرية، 1960م.
- ديوان المازني، المجلس الأعلى للفنون والآداب، القاهرة، د.ت.
- الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر، د. عبد القادر القط ، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1978م.
- طبقات فحول الشعراء، أبو عبد الله، محمد بن سلام بن عبيد الله الجمحي، (150 – 232 هـ = 767 – 846م)، قرأه و شرحه: محمود محمد شاكر، مطبعة المدني– القاهرة ، د.ت.
- الطبيعة في الشعر الأندلسي، د. جودت الركابي، مطبعة جامعة دمشق، الطبعة الأولى، 1959م.
- الطبيعة في الشعر الجاهلي، د. نوري حمودي القيسي، مكتبة النهضة العربية، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1984م.
- الطبيعة في القرآن الكريم، كاصد ياسر الزيدي، دار الرشيد للنشر، 1980م.
- الطبيعة في شعر المهجر، د. أنس داوود، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، د.ت.
- الطبيعة في مقدمات أبي تمام، د. شوقي رياض أحمد، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1988م.
- الطبيعة والشاعر العربي، د. حسين نصار، دار مصر للطباعة، 1972م.
- الطلل في النص العربي؛ دراسة في الظاهرة الطللية مظهرا للرؤية العربية، سعد حسن كموني، دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1984م.
- فن التقطيع الشعري والقافية، د. صفاء خلوصي، دار الكتب، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة، 1966م.
- فن الشعر، د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت، لبنان، دار الشروق، عمان، 1996م.
- فن الشعر، هوراس، ترجمة؛ لويس عوض، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، 1870م.
- الفن ومذاهبه، في الشعر العربي، د. شوقي ضيف، دار المعارف بمصر، الطبعة العاشرة، د.ت.
- في أصول الأدب، د. أحمد حسن الزيات، مطبعة الرسالة، الطبعة الثانية، 1946م.
- قراءة ثانية لشعرنا القديم، د. مصطفى ناصف، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1081م.
- لسان العرب، أبو الفضل، جمال الدين محمد بن مكرم بن على ابن منظور الأنصاري الرويفعى الأفريقى، (630 – 711هـ = 1232 – 1311م)، تحقيق: عبد الله علي الكبير، ومحمد أحمد حسب الله، و هاشم أحمد الشاذلي، دار المعارف بمصر، د.ت.
- مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية، د. ناصر الأسد، دار المعارف بمصر، الطبعة الرابعة، 1961م.
- الموسوعة العربية الميسرة، تقديم نخبة من الأساتذة، ومنهم ؛ محمد شفيق غربال، و د. سهير القلماوي، و د. إبراهيم مدكور، دار نهضة لبنان للطبع والنشر، بيروت، لبنان، 1987م.
1