Main Menu

تطوير اللغة العربية و آدابها على أفق بلاد الهند و سمائها

محمد محسن عالم

الملخص

كانت ظاهرة اللغة العربية في شبه القارة الهندية محور تاريخي وإنساني وثقافي وفكري ولغوي وأدبي وشعري، وتشكل مشهداً محترماً مفعماً بفاعليات ودلالات في العديد من قطاعات الفكر والثقافة في الأبعاد الكينونية والوظيفية والجمالية، حتى امتازت الهند عن البلاد الأعجمية والدول غير العربية بأعمال بارزة وجهود جبارة قام بها العلماء والباحثون الهنود في شتى مجالات عربية لإثراء اللغة العربية وآدابها في شبه القارة الهندية ، كما لعبت المدارس الإسلامية والمعاهد العلمية والمؤسسات والأكاديميات الأدبية دورًا أساسيًا في إنعاش هذه العلاقات، و هذا البحث سيتناول حول تنمية و ترقية اللغة العربية وآدابها على أفق بلاد الهند و سمائها بطرق شتىّ، مع معالجة جميع  الأنشطة و الأعمال و الإسهامات المرموقة لعلماء الهند لتطوير اللغة من حيث العلوم الدينية و الإنتاجات العربية في شبه القارة الهندية.

منهجية البحث: و انتهج الباحث في منهجية بحثه المنهج التعليمي و التوصيفي راجعا الى الكتب و الدراسات المكتوبة والمقالات اليومية، و لذا صارت هذه الورقة ذات مهة للدرس و البحث.

الكلمات المفتاحية:

اللغة العربية ،  الهند   ،  تطور ، إسهامات  ،  علماء الهند  ـ  الجامعات

المقدمة:

ما زالت، ولا تزال الهند تلعب دورا بارزا في تنمية وتطوير اللغة العربية وآدابها منذ طلوع نور الإسلام على أفق بلاد الهند وسمائها، وقام العلاماء الهنود بإسهامات كبرى في تنشئة النثر العربي عبر العصور والدهور. وهذه حقيقة ناصعة جلية واضحة لا يمكن الرفض والإنكار لمن أراد أن يقوم بمسؤولية البحث عن العلوم الدينية والإنتاجات العربية في شبه القارة الهندية.

انتشرت اللغة العربية في الهند مع انتشار الإسلام في ربوع الهند وأرجائها ويرجع الفضل إلى أولئك العرب الذين شرفوا بقدومهم أرض الهند، ونزلوا بها واستوطنوها. “وينص التاريخ على أن الإسلام وصل إلى الهند في القرن الأول الهجري، وكيرلا هي البقعة الأولى في الهند التي أشرفت بنور الإسلام أولا، وذلك بواسطة التجار العرب المسلمين

لقد حظيت اللغة العربية بما لم تحظ به لغة أخرى من عوامل القوة والبقاء. فهي اللغة التي ولدت فيمهد األبجدية األقدم في التاريخ اإلنساني، وورثت بعض عناصر أمهاتها وأخواتهامن لغات الشرق القديم، و ظاهرة اللغة العربية في شبه القارة الهندية محور تاريخي وإنساني وثقافي وفكري ولغوي وأدبي وشعري، وتشكل مشهداً محترماً مفعماً بفاعليات ودلالات في العديد من قطاعات الفكر والثقافة في الأبعاد الكينونية والوظيفية والجمالية، حتى امتازت الهند عن البلاد الأعجمية والدول غير العربية بأعمال بارزة وجهود جبارة قام بها العلماء والباحثون الهنود في شتى مجالات عربية لإثراء اللغة العربية وآدابها في شبه القارة الهندية منذ فجر التاريخ، فإنهم أدوا – ولا يزالون يؤدون – دورًا قياديًا لتعزيز العلاقات التجارية والتفاعلات الثقافية بأعمالهم القيمة في مجال التصنيف والتأليف والترجمة من وإلى العربية، كما لعبت المدارس الإسلامية والمعاهد العلمية والمؤسسات والأكاديميات الأدبية دورًا أساسيًا في إنعاش هذه العلاقات.

مشكلة البحث:

 قد كتب كثير من الدراسات و المقالات في مختلف المواضيع من نشأة و تنمية اللغة العربية في الهند، بل صارت كلها مختلفة مستقلة في مواضيع شتى، و لم يجد الباحث أي مقالة أو بحث التى انحصرت جميع القضايا المرتبطة بتاريخ نشأتها إلى تنميتها حتى عصرنا الحاضرحول اللغة العربية في الهند، فهذا البحث سيخوص جلّ الأبحاث و الأنشطة و الأعمال التى انعقدت لترويج اللغة و تشهيرها و ترقيتها مع معالجة و محالة أكثر الأبحاث حولها  إن شاء الله.

أهمية اللغة العربية عند الهنود:

إن اللغة العربية لها أهمية خاصة لكونها لغة القران الكريم ولغة الأحاديث النبوية و لغة التي تؤدى فيها المناسك و المكتوبات. لذلك اهتم المسلمون خالص الاهتمام إلي تعليم هذه اللغة المرموقة، إلي أن جعلت كثير من البلاد الأفريقية، اللغة العربية لغتهم الأم، فلذلك يطلق عليهم اصطلاح “العرب المستعربة”. و لكن في شبه القارة الهندية و باكستان و بنغلاديش اهتم المسلمون إلي اللغة العربية واعتنوا بها كل الاعتناء إلي أن تفوقوا في تعليمها و ترويجها، وأقاموا المعاهد والجامعات والمدارس و المكاتب في أكثر مدن الهند و قراها.

الهند بلدة قدامى ممتازة، من سائر البلدان العجمية تجارة و اقتصادا وحضارة وثقافة، كانت لها الصلات و العلاقات التجارية مع العرب قبل الإسلام وبعده، وأنها لم تكن غريبة لدى العرب حيث سافر العير العرب للتجارة إلي سواحل الهند الغربية والجنوبية.

فلما أسس عماد الدين محمد بن قاسم الثقفي أولي حكومة إسلامية مستقلة في السند في مستهل القرن الثامن الميلادي المطابق في القرن الرابع الهجري، وكانت هذه أول علاقة بين الهند والعرب بعد ظهور الإسلام، هاجر عدد كبير من العلماء العرب واستوطنوا بها، وبذلوا جهدا مستطاعا لنشر الثقافة العربية الإسلامية و تعليمها، ظلت اللغة العربية وآدابها من أهم المواد في المناهج الدراسية الإسلامية في كل عصر. فكان المسلمون في احتياج عظيم إلي تعلم هذه اللغة لفهم القران الكريم والحديث النبوي و اهتموا كل الاهتمام إلي أن قيل ” نزل القران في العرب، و قرئ في مصر، و فهم بالهند”.

و اللغة العربية ما زالت من اللغات الدخيلة في الهند علي مدي عصورها الإسلامية الطوال، و لم تحظ أبداً درجة اللغة الأم ورغم ذلك انتشرت اللغة العربية و تطورت الفنون الإسلامية الأدبية في أنحاء الهند، فقد تأسست فيها مدارس عربية، و مراكز ثقافية و كليات أقسام في الجامعات لخدمة اللغة العربية و تخرج فيها أدباء و كتاب و شعراء و صحفيون حتى يضاهي عدد العلماء الهنود كبار العلماء العرب.[1]

احتلال اللغة العربية مكانة خاصة في الهند

تحتل اللغة العربية مكانة كبيرة في البلاد غير العربية، وخاصة بين الشعوب الإسلامية غير العربية، لذلك افتُتحت مدارس في شتّى أنحاء العالم لدراسة هذه اللغة العظيمة، وكتب بها كثير من المسلمين، غير العرب، فأثروا اللغة العربية بمؤلفاتهم المختلفة. كما اتّخذ بعضهم العربية لغة أولى له، حتى إنهم يتحدثون بها في بيوتهم ومنتدياتهم. والهند دولة من تلك الدول الكثيرة التي اعتمدت تدريس العربية في المدارس والكليات والجامعات المختلفة، فهناك عشرات المراكز التي تعلّم اللغة العربية، من المرحلة الابتدائية إلى الثانوية، وصولًا إلى الجامعية، حيث يوجد عشرات الجامعات التي تضم أقسامًا للغة العربية وآدابها، وتقوم بعض تلك الجامعات بمنح درجات الماجستير والدكتوراه في اللغة العربية وآدابها، سواء في الجامعات الحكومية أو الأهلية.[2]

 عند استعراض صلة اللغة العربية ببلاد الهند، سنجد أنها قديمة جدًّا تصل إلى العصر الجاهلي، فقد كانت الصلات التجارية بين العرب والهنود قائمة منذ ذلك العهد، لكنّها تطورت بعد أن امتدت سيطرة العرب المسلمين إلى هذه البلاد بعد دخول القائد محمد بن القاسم الثقفي إليها، وفتحه بلاد السند (باكستان حاليًا) سنة 92هـ/ 711م، ثم على يد المسلمين من الغزنويين والغوريين والسلاطين والتغلقيين والمغول من بعده.
عندما دخل محمد بن القاسم بلاد السند اصطحب معه بعض علماء الدين الذين أسهموا في اعتناق الكثير من الهنود الإسلام، ولمّا كان عليهم أن يقرأوا القرآن الكريم والحديث الشريف ويؤدوا عباداتهم باللغة العربية، وجب عليهم تعلُّم اللغة العربية لفهم تلك السّوَر والأحاديث.

 وقد قام علماء العرب المسلمون بدور كبير في تعليمهم، وتمكّن بعض الهنود من إتقان اللغة العربية إتقانًا كبيرًا، فأخذوا يؤلفون بها ويعلمون غيرهم، كما أدخل المسلمون الهنود أولادهم عند ملالي العرب لتعلُّم اللغة العربية، حيث كان التعليم في المساجد.[3]

أقسام «العربية» في الجامعات الهندية
لا أبالغ إذا قلت إن أقسام اللغة العربية بالجامعات الهندية تفوق الـ 100 جامعة، يقبل عليها الطلاب الهنود لتعلّم «العربية»، المسلمون منهم بغرض إتقان اللغة العربية لقراءة القرآن الكريم، أو من غير المسلمين ممن يطمحون إلى العمل في البلاد العربية، والتي قد يشترط بعضها معرفة اللغة العربية للعمل فيها، وخاصة في منطقة الخليج العربي. وقد أدى تدريس اللغة العربية وآدابها في هذه الجامعات إلى التوسع في منح الدرجات العلمية، البكالوريوس، والماجستير والدكتوراه، ومعظم الأساتذة في تلك الأقسام من الهنود، ممن تخرّجوا في الجامعات الحكومية والأهلية.

ويرأس هذه الأقسام العلمية أساتذة مشهود لهم بالكفاءة والمقدرة، ففي ندوة العلماء يوجد أبو الحسن الندوي، وله كتب عربية تزيد على مئة وسبعين كتابًا، بين صغير الحجم والكبير. وفي جامعة عليكره هناك العالم البحّاثة د. عبدالعزيز الميمني الراجكوتي، نابغة عصره، الذي ألّف الكتب وحقق العديد من المخطوطات، ونذكر منها: الطرائف الأدبية، وسمط اللآلي في شرح أمالي القالي، لأبي عبيد البكري. وكان عمله مدعاة لتعجّب علماء العرب لصحته ودقّة استخراجه من بطون الكتب. وقد جُمعت مقالاته وبحوثه في اللغة والأدب بعد وفاته في مجلدين تحت عنوان «بحوث وتحقيقات» قام عليها محمد اليعلاوي، ونشرته دار الغرب الإسلامي في بيروت. وأصدرت مجلة المجمع العلمي الهندي عددًا ممتازًا عنه، لما له من مكانة عند العلماء.[4]

مراكز ثقافية

 ضمن اهتمام الهنود باللغة العربية أسسوا مراكز تضم مئات المخطوطات العربية بلغت 27 مركزًا، بين جامعة ومتحف ومكتبة. وكانت المخطوطات محطّ دراسة للهنود. وقد بدأ بعض المستشرقين البريطانيين بالعمل في الجمعية الآسيوية في كلكته، التي أسسها البريطانيون في 15 يناير سنة 1784م، ثم تبعهم الهنود الذين سعوا إلى إحياء التراث العربي الإسلامي، فأسسوا المطابع لطباعة ونشر الكتب العربية. وكانت أول مطبعة جلبها الإنجليز أوائل سنة 1714م، التي بدأها المستشرقون الإنجليز بكلكته، من خلال الجمعية الآسيوية وشركة الهند الشرقية، وقد تولّى المستشرقون الإنجليز طباعة مجموعة من الكتب العربية، ثم قام الهنود بإنشاء مطابع للغة العربية.
وقد برزت مدينة لكناو كمركز لطباعة الكتب العربية على أيدي العلماء الهنود، فقاموا بتحقيق وطباعة مجموعة من المخطوطات العربية شملت الكتب الدينية والأدبية، منها الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، والتبيان في إعراب القرآن للعكبري، والدرّ النظيم في خواص القرآن العظيم لليمني الشافعي، وتفسير البيضاوي، والتفسير المنسوب لابن عربي، وإرشاد الساري في شرح صحيح البخاري للقسطلاني، وكتب دينية أخرى كثيرة.

 كتب اللغة والأدب في الهند

  أما كتب اللغة والأدب فقد تمت طباعة ألفية ابن مالك، والكافية لابن الحاجب، وديوان علي بن أبي طالب، وحماسة أبي تمام، وشرح ديوان الحماسة المسمّى بـ «الفيضي»، لفيض الحسن السهارنفوري، والمعلّقات السبع، ومقامات الحريري، والقاموس المحيط للفيروزآبادي، وأساس البلاغة للزمخشري، وإحياء علوم الدين للغزالي، وفصوص الحكم لابن عربي، وشرح المواقف للشريف الجرجاني، وشرح إشارات ابن سينا لنصير الدين الطوسي، وغيرهاكثير.[5]
كما طبعت الكتب العربية في معظم الولايات الهندية، لذا يصعب علينا تتبُّع المطبوعات العربية، وقد شجع هذا العمل العلماء العرب على تحقيق وطباعة الكتب العربية، لذا أوجدوا مراكز لتحقيق التراث منها؛ الجمعية الآسيوية في كلكته، وجامعة ندوة العلماء، ودائرة المعارف العثمانية، وهي أوسع المراكز التي احتضنت المخطوطات العربية، وقامت بتحقيقها. وقد انخرط في هذا العمل المستشرق البريطاني كرنكو، الذي أعلن إسلامه وغيّر اسمه إلى سالم الكرنكوي، وتتلمذ على يديه عشرات الهنود، وقد طبعت دائرة المعارف العثمانية مئات الكتب العربية التراثية.

  وكانت دار العلوم في ديوبند أول جامعة تؤسس بعد انهيار الثورة الهندية سنة 1866، والدراسة بها باللغة العربية، وتبدأ من المرحلة الابتدائية حتى الجامعة، وتستغرق الدراسة فيها طول السنة ما عدا شهر رمضان والعيد، لذا فإنّ عطلتها 40 يومًا فقط في السنة.

 أما أكبر جامعة اهتمت باللغة العربية فهي جامعة ندوة العلماء، وتناولت فروع اللغة والبلاغة العربية وتاريخ العرب الأدبي والنقد العربي، وكان رئيس الجامعة يختبر الطلاب بنفسه في النطق العربي، لذا فإنّ كل من تخرَّج في ندوة العلماء لغته سليمة ونطقه صحيح، وهذا الأمر أثار حماسة بعض العلماء، فأسسوا المعاهد والجامعات على ذلك المنوال، منهم أستاذ العربية بالجامعة الإنجليزية واللغات الأجنبية، البروفيسور سيد جهانغير، الذي أسس معهدًا لتدريس اللغة العربية الفصحى، واختار أساتذة من العرب الموجودين في حيدرآباد لتدريس الطلاب اللغة العربية والنطق السّليم للحروف العربية، وقد زار الكويت عدّة مرات، واشترى مصنّفات عربية وقصصًا ناطقة بلغة الضاد، مثل قصص الأنبياء، واقتنى أفلامًا عربية ناطقة باللغة الفصحى، فأثرى النطق العربي، ودفع تلاميذه لحفظ مئات النصوص العربية، وكان إذا تحدث أحد الطلاب باللغة العربية فإنك قد لا تشعر بلكنته الأجنبية، بل كأنك تتحدث مع أحد العرب.

تطور اللغة العربية  في ارجاء الهند

إن بعض المقاطعات الهندية معروفة بتطورات علمية ، ومنها مديرية مئو ، وهى إحدى مديريات ولاية أترابراديش تشتمل على 1728 كيلو متراً مربعاً ، وتقع في شرقها مديرية ” باليا ” ، وفي شمالها  مديرية ” غوركفور ”  و ” ديوريا ” ، وفي جنوبها مديرية ” غازي فور ” ، وفي غربها مديرية ” أعظم جراه ” ، ومديرية مئو تنقسم إلى أربع محاكم مالية ، أولاها ” مئو نات بنجن ” ، والثانية ” محمد آباد غوهنا ” ، والثالثة ” غوسي ” ، والرابعة       ” مدوبن ” .[6]

وكانت مديرية مئو جزءاً من مديرية ” أعظم جراه ” من قبل ، واستقلت منها سنة 1988م ، ومناطق أعظم جراه كانت تحت سيطرة مديرية ” جونفور ” في فترات مختلفة ، وكانت مدينة جونفور مدينة العلم والمعرفة ، ومدينة العلماء والشعراء والحكماء في زمن حتى قيل عنها : إنها دلهي الثانية ، وقال عنها الملك شاه جهان إشارةً إليها : ” إن المملكة الشرقية شيراز الهند ” فمديرية مئو كانت جزءاً من المملكة الشرقية ، وكان يصل إليها نور العلم  والمعرفة من جونفور ، والآثار الباقية  في مديرية مئو شاهدة على ذلك إلى يومنا هذا .

إن بلدة مئو بلدة خصبة وروضة مخضرة من رياض العلوم العربية والإسلامية ، أنجبت عدداً كبيراً من العلماء والأدباء والمفكرين الذين ساهموا في نشر العلوم والمعرفة في المنطقة مساهمةً كبيرةً ، شهدت هذه البلدة نهضة علمية في عصور مختلفة ، ولكنها شهدت عهدها الزاهر عبر تاريخها العلمي في عصر العلامة فيض الله المئوي الذي وقف نفسه على نشر العلوم الدينية والعربية ، وبذر في أرضها بذور العلم والمعرفة من خلال توجيهاته العالية ومبادراته المخلصة ، فقام بإنشاء مدرسة تعرف في هذه الأيام بـ ” الجامعة العالية العربية ” التي تعتبر المدرسة الأولى من المدارس الإسلامية في مدينة مئو .

أنشئت أول مدرسة في مدينة مئو بعد عامين من إنشاء دار العلوم بديوبند ، وهي تعرف الآن بـ ” الجامعة العالية العربية ” ، أسسها الشيخ فيض الله المئوي وهو تلميذ العلامة سخاوت علي الجونفوري ، درس في هذه المدرسة عباقرة الزمان من أمثال مولانا أبو المكارم محمد علي ، والمحدث عبد الرحمن المباركفوري صاحب تحفة الأحوذي وغيرهما . ثم بدأت سلسلة إنشاء المدارس العربية في مئو ، ومن أهمها الجامعة الإسلامية دار العلوم ( 1875م ) ، وجامعة مفتاح العلوم ( 1877م ) ، والجامعة الإسلامية فيض عام ( 1902م ) ، والجامعة الأثرية دار الحديث ( 1954م ) ، مدرسة بحر العلوم ( 1947م ) والجامعة المحمدية ( 1918م ) ، ومدرسة مرقاة العلوم ( 1980م ) ، وغيرها من المدارس العربية المختلفة .

وركزت هذه المدارس العربية على تعليم البنات أيضاً كما ركزت على تعليم الأبناء والأولاد ، وأنشأت هذه المدارس العربية تحت إدارتها المدارس العصرية والإسلامية للبنات ، وتعتبر ” مدرسة عالية نسوان ” أوّل مدرسة تابعة لإدارة ” الجامعة العالية العربية ” ، ولمّا حضر العلامة السيد سليمان الندوي في حفلة افتتاحية لهذه المدرسة قال : ” إني زرت البلاد كلّها ، ولكن لم أجد نظام تعليم البنات بشكل منفصل تحت إدارة أي مدرسة دينية هكذا ” ، ومن تلك المدارس كلية أمهات المؤمنين   ( 1980م ) ، وكلية عالية  للبنات ( 1918م ) ، والمدرسة الإسلامية للبنات   ( 1987م ) ، وكلية خديجة الكبرى ( 1999م ) ، وكلية فاطمة الزهراء ( 1982م ) ، وغيرها من المدارس العربية ، وكذلك اهتمت هذه المدارس العربية بالعلوم العصرية وقامت بدورٍ بارزٍ في نشر العلم والمعرفة وتنمية المجتمع في مئو .

مؤلفون من الهند :

وفي القرن السابع الهجري وفد إلى ولاية مليبار بجنوب الهند الغربي الشيخ زين الدين المعبري قادما من بلاد العرب واستقر فيها ، حيث أسس مساجد عديدة ومدارس عربية مختلفة قصد إليها الطلاب من كل صوب للتزود من تلك المناهل ، ولما أصبحت الهند تحت حكم السلاطين المغول أسسوا في مختلف أنحاء الهند المدارس العربية والمعاهد الإسلامية،[7] ولقد رأينا كتابا ومؤلفين من الهنود أضافوا مؤلفات عظيمة وبحوثا رائعة قيمة إلى المكتبة العربية كما بذلوا جهودا جبارة في سبيل الكتابة في مختلف المواضيع من تفسير كتفاسير تبصير الرحمن وتيسير المنان لعلاء الدين بن أحمد ، وفتح الخبير للشاه ولي الله الدهلوي و”سواطع الإلهام” لأبي الفيض الفيضي – أو أحاديث كالتي وضعها المحدث المشهور ثناء الله الأمر تسري تفسيرا فريدا في نوعه باسم “تفسير القرآن بكلام الرحمن ” ومن فقه “كفتاوى عالمكيري” المعروف بالفتاوى الهندية وهو من أحسن الكتب التي وضعت في الفقه الحنفي حتى الآن ، وقد ألفته هيئة من كبار علماء الهند .[8]

اللغة العربية لغة الثقافة في الهند

احتكت العربية باللغات الهندية احتكاكا كبيرا، وتضمن عدد كبير من مفردات اللغة العربية إلى اللغات الهندية بسبب طوال الاحتكاك بينهما، ولأن اللغة العربية في ذاك الوقت لغة الحضارة الراقية تحمل معها تيارا جارفا من الكلمات الجديدة التي تمثل أفكارا وعادات جديدة، ومن المعروف أن اللغة العربية ظلت لغة الثقافة والدين في شبه القارة الهندية لفترة كبيرة وظلت منبع ألفاظ الحضارة والثقافة كما أنها احتلت العربية مكانة مرموقة ومهمة واحتلت كمصدر إثراء وإنماء اللغات الهندية ولا سيما الأردية حتى تغلغلت العربية في جميع مجالات الحياة في شبه القارة الهندية.

إن اللغة العربية في الهند مرت بمختلف المراحل حتى وصلت إلى البراعة الفنية والقوة اللسانية والقدرة الكاملة على التعبير. ويوجد في الهند عدد لا بأس به من الكتاب والعلماء والشعراء الذين يبوحون بما في نفوسهم ويبرون عما في ضمائرهم أصدق تعبير وأروع بيان فيما يتصل بالفنون الأدبية والصحافة إلى جانب العلوم الإسلامية. وقدم العلماء الهنود مجهودات جبارة ومساهمات ملموسة عبر العصور في سبيل ترويج اللغة العربية وآدابها في الهند.

و اتخذت اللغة العربية بعد استقلال الهند مكانة أهم لغات العالم لتوثق العلاقات التجارية، و الاتصالات السياسية، و الروابط الودية بين الهند و العالم العربي لأوجه شبه كثيرة كانت تتحكم في تطور اللغة العربية، منها مكافحة رواسب الاستعمار و الصمود في وجه  الغزو الفكري الغربي ضد الحضارة الشرقية العريقة، فنالت اللغة العربية الاهتمام من الجهات الرسمية بجانب الاهتمام بها في المدارس الدينية لتعزيز الروابط بين الهند و العالم العربي و جميع المجالات الاقتصادية و السياسية و العلمية، و لذلك فتحت أقسام لدراسة اللغة العربية في معظم الجامعات الرسمية، و أقسام لدراسة الشرق الأوسط و الدراسات الإسلامية، هناك تياران لدراسة اللغة العربية أما الأول فهي تدرس في المدارس و المعاهد الدينية، و أما الثاني فهي تدرس في المدارس الثانوية الحكومة و الكليات الحكومية و الجامعات.

نتيجة البحث:

فإن صلة هذه القارة باللغة العربية وحركة التأليف والتدوين عميقة وقديمة، وقد قدر الله أن تظل هذه البلاد متمسكة – عبر القرون والأجيال – بعلوم الكتاب والسنة مسايرة لركب التأليف، والإنتاج العلمي السيّار و نستطيع القول بأن اللغة العربية لا ينحصر نطاق تدريسها علي المعاهد الدينية و المدارس و المساجد فحسب بل تمتد ليشمل  تدريسها المدارس الحكومية و الكليات و الجامعات و تكتظ تلك المؤسسات التعليمية بالآلاف من أعضاء هيئة التدريس الذين يقومون بتدريس اللغة العربية علي ملايين من الطلاب في هذه الأيام.

و في عصرنا الحاضر، زاد الاهتمام بدراسة اللُّغة العربيّة وتدريسها في الهند. ومن اللّافت هنا أنّ عددًا ملحوظًا من الهنود يستطيعون التحدّث باللُّغة العربيّة بطلاقة. وحسب الإحصائيّات الحكوميّة للّغات الهنديّة لعام 2001م بلغ عدد ناطقي اللغة العربيّة في الهند 51،728. وهذا العدد يتجاوز عدد ناطقي اللغة السنسكريتيّة التي هي إحدى أهم لغات الهند الرسميّة والتاريخيّة ؛إذ لم يتجاوز هذا العدد 14،135.

 الهوامش

[1] ﺍلمنعم ﺍﻟﻨمر: ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻹﺳﻼﻡ في الهند الهيئة المصرية ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻟﻠﻜﺘﺎﺏ ﺍﻟﻘﺎﻫرﺓ ﻣﺼر الطبعة ﺍﻷﻭلى، ص60.

[2] الدكتور أيوب تاج الدين الندوي – محمد الحسني : حياته وآثاره – مؤسسة فيصل التعليمية، الطبعة الأولى عام 2004م.

[3] مناهج الدراسات العربية في الهند، د. محمد اقبال حسين الندوي، مركز الدراسات العربية المعهد المركزي للغة الإنجليزية و اللغات الأجنبية بحيدرآباد، الطبعة الأولي 2005م، ص 91

[4] مساهمة دارالعلوم بديوبند في الأدب العربي: زبير أحمد الفاروقي، دار الفاروقي، دهلي الجديدة، الهند، 1990م، ص 16

[5] واقع اللغة العربية في الهندبواسطة د. عبدالله القتم أدب ونقد العدد 757

[6] المدارس العربية في مديرية أعظم جرة ومساهمتها في نشر العلوم العربية في الهند ، بحث جامعي لنيل شهادة ما قبل الدكتوراه ، محمد أطهر ، 2002م .

[7] تذكرة علماء أعظم كره ، حبيب الرحمن قاسمي ، جامعة إسلامية ، بنارس ، 1976م

[8] روابط تاريخية بين العرب : الصلات الثقافية والاقتصادية بين العرب والهند

 

المراجع و المصادر

  1. إدريس أحمد، الأدب العربي في شبه القارة الهندية، الطبعة الأولى 1998م.
  2. الفاروقي ويران محي الدين، الشعر العربي في كيرلا مبدأه وتطوره، الطبعة الثالثة 2003م.
  3. الفاروقي جمال الدين، أعلام الأدب العربي في الهند، مكتبة الهدى كالكوت 2008م.
  4. أبو الحسن بن محمد الصغاني – العباب الزاخر واللباب الفاخر – المجلس الوطني للهجرة، إسلام آباد، الطبعة الأولى عام 1994م.
  5. الدكتور أشفاق أحمد الندوي – مساهمة الهند في النثر العري خلال القرن العشرين – الطبعة الأولى عام 2003م.
  6. الدكتور أيوب تاج الدين الندوي – الصحافة العربية في الهند: نشأتها وتطورها – دار الهجرة ، جامووكشمير، الطبعة الأولى عام 1997م.
  7. الدكتور أيوب تاج الدين الندوي – محمد الحسني : حياته وآثاره – مؤسسة فيصل التعليمية، الطبعة الأولى عام 2004م.
  8. الأستاذ جميل أحمد – حركة التأليف باللغة العربية – وزارة الثقافة الإرشاد القومي، دمشق، سنة الطباعة 1977م
  9. المدارس العربية في مديرية أعظم جرة ومساهمتها في نشر العلوم العربية في الهند ، بحث جامعي لنيل شهادة ما قبل الدكتوراه ، محمد أطهر ، 2002م .
  10. الثقافة العربية في الهند ، العدد الأول ، الناشر ، مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية ، الرياض ، 2016م .
  11. اللغة العربية في الهند ،( الأوراق العلمية المقدمة في ندوة المركز ضمن مشاكته في فعاليات [ سوق عكاظ ] في دورته الثامنة ) الندوات والمؤتمرات ، الناشر ، مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية ، الرياض ، 2016م .
  12. تاريخ اللغة العربية وواقعها في الهند ، د. صهيب عالم ، الناشر ، مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية ، الرياض ، 2016م .
  13. تراجم علماء حديث هند ، أبو يحيى إمام خان نوشهروي ، الكتاب انتر نيشنل ، نئي دهلي ، 2005م .
  14. تذكرة علماء أعظم كره ، حبيب الرحمن قاسمي ، جامعة إسلامية ، بنارس ، 1976م .